تردد فرنسي بشأن تسوية الأزمة مع الجزائر.. خطوة إلى الأمام وخطوة إلى الخلف
استمع إلى الملخص
- تصريحات بارو تتناقض مع مواقف مسؤولين فرنسيين آخرين مثل وزير الداخلية لوران نونيز، الذي دعا إلى حل الأزمة وتحذير من تداعيات توقف التنسيق الأمني، بينما رفض رئيس الوزراء إلغاء اتفاقية 1968 مع الجزائر.
- لم تصدر الجزائر أي مواقف رسمية بشأن الحوار، حيث لم يتطرق الرئيس الجزائري أو وزير الخارجية إلى الأزمة، مما يشير إلى تفضيل الجزائر منح الحكومة الفرنسية الجديدة الوقت لتحديد موقفها.
تراوح مواقف الحكومة الفرنسية مكانها بخصوص تسوية الأزمة القائمة مع الجزائر بين إرسال إشارات مشجعة على إعادة بعث مسار الحوار السياسي والدبلوماسي، وبين طرح مسبق لملفات وشروط قد تعيقه، خاصة وأن الجزائر كانت أكدت في محطات مختلفة في خضم الأزمة القائمة مع باريس منذ يوليو/ تموز 2024، رفضها أية شروط مسبقة للحوار.
"خطوة إلى الأمام، ثم خطوة إلى الخلف". ينطبق هذا الوصف على المواقف السياسية المعلنة في باريس إزاء العلاقة مع الجزائر، ففي أحدث تصريح، قال وزير الخارجية الفرنسي جان-نويل بارو، لإذاعة "فرانس أنفو"، أمس الخميس: "في حوار لا بد منه يهدف إلى حماية مصالحنا، يتعين علينا أولا تحقيق نتائج بشأن إطلاق سراح مواطنينا بوعلام صنصال وكريستوف غليز".
وأصدر القضاء الجزائري في يوليو الماضي حكما بالسجن لخمس سنوات نافذة بحق الكاتب الجزائري الفرنسي صنصال، بتهم التضليل والإدلاء بتصريحات من شأنها المساس بوحدة البلاد، وإهانة هيئة نظامية، على خلفية تصريحات مثيرة للجدل أدلى بها لمنصة فرنسية، قال فيها إن أجزاء من الجزائر كانت تتبع المغرب، وأن الجزائر لم تكن لها أي كيان قبل الاستعمار الفرنسي. بينما ينتظر الصحافي غليز محاكمته أمام الاستئناف بعد صدور حكم ابتدائي بسجنه سبع سنوات بتهمة تمجيد الإرهاب، بسبب الاشتباه في قيامه بدعاية إعلامية لصالح حركة "ماك" التي تصنفها السلطات الجزائرية في قائمة التنظيمات الإرهابية.
وبرغم دعوته القوى السياسية في فرنسا إلى عدم استغلال موضوع الجزائر في السياسية الداخلية الفرنسية، وبالتالي الحد من النقاشات المثيرة للجدل ولرد الفعل الجزائري، إلا أن وزير الخارجية الفرنسي اعتبر "حماية المصالح الفرنسية في هذا السياق تمر عبر تحقيق نتائج بشأن إطلاق سراح مواطنينا". وأشار بارو إلى أنه بالإضافة إلى الصعوبات في التعاون في المسائل القضائية والأمنية، هناك "بعد الكثير مما يتم التغاضي عنه في هذا النقاش، هو المسألة الاقتصادية". وأضاف أن "العديد من الشركات في فرنسا، وخصوصا الشركات الصغيرة والمتوسطة في قطاع الأغذية الزراعية، تعاني جراء التوترات التي شابت العلاقة خلال العام الماضي".
وتعليقاً على تصريحات بارو، قال المحلل السياسي المهتم بالشؤون الفرنسية محمد بن زاوي، لـ"العربي الجديد"، إنها "تبدو في سياق اشتراطات مسبقة بالنسبة لباريس، لأجل الحوار مع الجزائر، على مستويين، الأول يخص طرح نتائج مسبقة ومفترضة للحوار السياسي مع الجزائر، والثاني ربط الحوار بتدخل سياسي فرنسي في شأن داخلي يخص تطبيق الحكومة الجزائرية لقوانينها المحلية". وأضاف: "مثل هذه الافتراضات الفرنسية قد تبقي التحفظات الجزائرية قائمة بشأن بعث الحوار السياسي مع باريس، وتدفع الجزائر إلى رفض هذه الاشتراطات، خاصة وأن وزير الخارجية الفرنسي كان قد زار الجزائر في إبريل/ نيسان الماضي، وأخفق في تحقيق اختراق في جدار الأزمة".
تصريحات بارو التي تطرح هذه الاشتراطات المسبقة تأتي على خلاف موقف وزير الداخلية الفرنسي الجديد لوران نونيز، الذي دعا الى ضرورة إيجاد سبيل لحل الأزمة مع الجزائر، وحذر من تداعيات التوقف الكامل للتنسيق الأمني بين البلدين. كما أعلن عن استئناف الحوار مع الجزائر، ورفض ما وصفها بـ"سياسية لي الذراع مع الجزائر التي لا تجدي نفعا". ورفض رئيس الوزراء الفرنسي سباستيان لوكورنو الثلاثاء الماضي المطالب النيابية بإلغاء اتفاقية عام 1968 مع الجزائر، وقال إنه يفضل إعادة التفاوض بشأنها في أسرع وقت ممكن.
وصوت البرلمان الفرنسي الأسبوع قبل الماضي، على اعتماد لائحة قدمها اليمين المتطرف، تدين اتفاقيات الهجرة الموقعة في ديسمبر/ كانون الأول 1968 بين البلدين وتدعو الى إلغائها، بنية فتح الباب أمام إجراءات تشريعية وإدارية تهدف إلى إخضاع الجزائريين المقيمين أو القادمين إلى فرنسا للقانون العام المنظّم لبقية الأجانب.
في الأثناء، لم يصدر عن الجانب الجزائري أي مواقف أو تعليقات بشأن الحوار السياسي مع باريس حتى الآن. ففي ثلاث مداخلات سياسية الشهر المنصرم، بما فيها حوار تلفزيوني، لم يتطرق الرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، إلى راهن العلاقة ومستقبلها مع فرنسا. كما تجاهل وزير الخارجية أحمد عطاف الحديث عن الملف أو التعليق على تصريحات الساسة الفرنسيين بشأن الأزمة بين البلدين، وهو ما يعطي إشارات على أن الجزائر تفضل في الوقت الراهن منح الحكومة الفرنسية الجديدة الوقت للاستقرار على تصور واضح لترتيب العلاقة معها.