تعديلات تبون الحكومية تستبعد الأحزاب الجزائرية وتكرس عدم الاستقرار الوزاري

02 سبتمبر 2026   |  آخر تحديث: 18:30 (توقيت القدس)
الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، 27 يوليو 2026 (Getty)
+ الخط -
اظهر الملخص
- أعلن الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون عن تعديل حكومي محدود، شمل تعيين فريد كورتل وزيراً للصناعة وإعادة هيكلة وزارة الداخلية، مما يعكس عدم الاستقرار في الوزارات الحيوية.
- أثار التعديل جدلاً بسبب تدوير وزراء سابقين لم يحققوا إنجازات، مما يطرح تساؤلات حول استراتيجيات التعيين الحكومية وإمكانية الاستعانة بكفاءات جديدة.
- يعكس التعديل إخفاقات في تنفيذ خطط الإصلاح في القطاعات الحيوية، ورغم استبعاد الأحزاب الفائزة من الحكومة، أيد حزب جبهة التحرير الوطني التعديل ضمن الصلاحيات الدستورية للرئيس.

قرر تبون تعيين مستشاره للشؤون الاقتصادية وزيراً للصناعة

ثلاثة من الوزراء المعينين تم تدويرهم مجدداً في المناصب الحكومية

فاجأ الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون الجميع بإقراره تعديلاً حكومياً جديداً، فأوجه هذا التعديل متعددة وترتبط بأكثر من مسألة، بدءاً من اعتماد تعديل محدود بدلاً من تشكيل حكومة جديدة بعد الانتخابات النيابية الأخيرة التي جرت في 2 يوليو/ تموز الماضي، مروراً بالوزراء الذين عُيّنوا؛ إذ دُوِّرت ثلاثة مناصب من بين مناصب الوزراء الأربعة الذين عُيِّنوا مجدداً في الحكومة. ويثير التعديل من جهة أخرى جدلا يتعلق بمسار الوزراء الجدد، واستبعاد الأحزاب السياسية الفائزة في الانتخابات النيابية الأخيرة.

تبون يختار تعديلاً محدوداً بدلاً من حكومة جديدة

وفي أحدث تعديل على الحكومة، هو الثاني من نوعه في غضون يومين، أعلنت الرئاسة الجزائرية أن تبون قرر تعيين مستشاره للشؤون الاقتصادية، فريد كورتل، وزيراً للصناعة خلفاً للوزير السابق يحيى بشير الذي عُين في هذا المنصب قبل أقل من عام. وعلى غرار عدد من القطاعات الحكومية، شهدت وزارة الصناعة حالة من عدم الاستقرار منذ عام 2020، حيث شغل منصب وزير الصناعة من أول حكومة شكلها تبون عام 2020، ستة وزراء، بالإضافة إلى كورتل، حيث أدار القطاع كل من فرحات آيت علي براهم ومحمد باشا وأحمد زغدار وعلي عون وسيفي غريب ويحيى بشير.

أحمد بلجيلالي لـ"العربي الجديد": التغييرات السريعة في الوزارات قد لا تؤدي إلى المبتغى، وهو ما ثبت على الأقل مع حالات في الجزائر

وتقرر بموجب التعديل الجديد إعادة هيكلة وزارة الداخلية وبعث الوزارة المنتدبة المكلفة بالجماعات المحلية (البلديات والولايات)؛ حيث عُيّنت في المنصب فوزية نعامة. ويعد هذا التعديل الثاني الذي يقره الرئيس الجزائري في ظرف يومين، بعد تعديلٍ أعلنه، مساء أمس، شمل أربع وزارات، أقر بموجبه تعيين محافظ بنك الجزائر محمد لمين لبو وزيراً للمالية، وسيد علي خالدي وزيراً للزراعة ومحمد بوسليماني وزيراً للاتصال ومحمد حطاب وزيراً للعمل. ويعد هذا ثالث تعديل على حكومة سيفي غريب منذ تعيينها في أغسطس/ آب 2025.

وعلى المستوى السياسي، يعني ذلك أن تبون يولي الثقة لغريب رئيساً للحكومة ولباقي الفريق الحكومي؛ إذ أشاد تبون في تصريحات سابقة بالأداء الميداني الذي يقدمه رئيس الحكومة الحالي، بخلاف بعض التوقعات التي طرحت أسماء أخرى مفترض أن تقود حكومة ما بعد انتخابات يوليو/تموز الماضي.

تدوير وزراء سابقين يفتح باب التساؤلات

في غضون ذلك، ذهبت بعض التفسيرات السياسية إلى أن الظرفية العامة التي تعيشها البلاد، من حيث بعض الأزمات الاقتصادية وأزمة الحرائق المروعة التي تحولت إلى "شبه حرب" فرضت على تبون إجراء تعديل محدود وتأجيل تغيير الحكومة إلى ظرفية أخرى، بعدما كان متوقعاً تشكيل حكومة جديدة بموجب الانتخابات النيابية الأخيرة التي جرت في 2 يوليو/تموز الماضي، إذ جرى في العرف الدستوري أن تُشكّل حكومة جديدة بعد كل انتخابات نيابية، وينص الدستور على أن تنبثق من الانتخابات النيابية حكومة "بوزير أول" في حال فوز الأغلبية الموالية للرئيس، و"برئيس حكومة" تقترحه قوى المعارضة في حال فوزها بالانتخابات.

بخلاف هذا الشق ذي الصلة بالمسألة الدستورية، فإن هذا التعديل الحكومي، لم يمر دون مزيد من الجدل الحاد الذي رافقه، خاصة وأن ثلاثة من الوزراء من بين الأربعة المعينين في الحكومة تم تدويرهم مجدداً في المناصب الحكومية، إضافة إلى مسارات ملتبسة ومثيرة للتساؤل بنظر البعض بالنسبة لهؤلاء الوزراء. فوزير العمل الجديد محمد حطاب شغل منصب وزير للشباب والرياضة في آخر حكومات الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة حتى يناير/كانون الثاني 2020، واستبعد لاحقاً ولوحق في قضية فساد تعود إلى ما قبل الحراك الشعبي عام 2019. كذلك أدانه القضاء عام 2021، قبل يُبرأ لاحقاً ويُعاد له الاعتبار، ما أتاح لتبون تعيينه في شهر إبريل/نيسان الماضي، وسيطاً للجمهورية.

يكرس التعديل الحكومي الجديد حالة من عدم الاستقرار في الوزارات منذ تسلم تبون السلطة

أما وزير الاتصال محمد بوسليماني الذي شغل المنصب نفسه بين نوفمبر/ تشرين الثاني 2021  ويونيو/حزيران 2023، فقد استبعد من منصبه على خلفية قضية الأخبار المزعومة التي بثتها قناة النهار الحكومية حول طرد السفير الإماراتي وتوقيف شبكة عملاء مرتبطين بأبو ظبي. وينسحب الأمر، على وزير الزراعة الجديد سيد علي خالدي الذي شغل منصب وزير للشباب والرياضة بين يناير/كانون الثاني 2020 ونوفمبر/تشرين الثاني 2021، والذي مازالت تلاحقه انتقادات بسبب تصريحات أدلى بها خلال حملة الدعاية للدستور الجديد في أكتوبر/تشرين الأول 2020، حين قال "اللي ما عجبوش الحال يبدل البلاد (من لم تعجبه الأحول فليغير البلاد)"، وهو ما أثار حينها حالة غضب واستياء واسعة.

وإن تُجهل دوافع تدوير وزراء سابقين لم يحققوا عملياً إنجازاً كبيراً في تجاربهم الحكومية السابقة، يؤكد الباحث ومحلل الشؤون السياسية ناصر بلحداد لـ"العربي الجديد"، أن "هذا التدوير يطرح تساؤلات جدية حول ما انتهت إليه السلطة في التعيينات الحكومية"، موضحاً أنه "في الغالب كان يتوفر لدى السلطة خزان كبير من الإطارات والكفاءات سواء داخل القطاعات الوزارية، أو من المنتظم الحزبي والمؤسسات الأكاديمية، يمكنها أن تستعين بهم في التشكيل الحكومي، لكن من الواضح أن الرئيس تبون اختار الاعتماد على ما يعتبره خبرة سابقة لدى الوزراء الجدد، بعدما فشلت بعض تجارب لاستقدام خبراء أكاديميين ليست لديهم خبرات في التسيير".

تغييرات متكررة تربك قطاعات المالية والزراعة والعمل

بالإضافة إلى ما سبق، يكرس التعديل الحكومي الجديد حالة من عدم الاستقرار في الوزارات منذ تسلم تبون السلطة في ديسمبر/ كانون الأول وتشكيله أول حكومة له في 5 يناير/كانون الثاني 2020، اذ يعد وزير المالية الجديد محمد لبو، سابع وزير يدير قطاع المالية في غضون أقل من سبع سنوات، حيث شغل المنصب كل من عبد الرحمن راوية مرتين، وأيمن بن عبد الرحمن مرة وزيرا ومرة أخرى جمع بين الوزارة ولرئاسة الحكومة لفترة، وجمال كسال ولعزيز فايد وعبد الكريم بوالزرد، وتداول على وزارة الزراعة منذ عام 2020، شريف عماري وعبد الحميد حمداني وعبد الحفيظ هني ويوسف شرفة وياسين وليد.

ويأتي ذلك بينما تشهد وزارة الاتصال بموجب تعيين محمد بوسليماني، سادس تعيين وخامس وزير في القطاع في الفترة ذاتها، إذ تداول على الوزارة عمار بلحيمر ومحمد لعقاب ومحمد بوسليماني ومحمد أمزيان وزهير بوعمامة قبل عودة بوسليماني مجدداً، بينما تعد وزارة العمل أكثر وزارة شهدت عبوراً وزارياً بثمانية وزراء منذ 2020.

وبالنسبة لكثير من المحللين، فإن هذا الوضع من حالة عدم استقرار في قطاعات وزارية حيوية وحساسة كالمالية والزراعة، التي يبني عليها تبون جزءا من مشروعه الاقتصادي وتحقيق الأمن الغذائي، تفسر إلى حد بعيد الإخفاقات القائمة في هذه القطاعات وفشل خطط الإصلاح، إذ إن معدل شغل الوزراء لمناصبهم في حدود سنة فحسب، وهي مدة لا تكفي للوزير لتنفيذ خططه قبل أن يطاوله التغيير مجدداً.

وفي الصدد، يؤكد الخبير الاقتصادي والعضو السباق في لجنة الشؤون الاقتصادية في البرلمان أحمد بلجيلالي لـ"العربي الجديد"، أن "التغييرات السريعة في الوزارات قد لا تؤدي إلى المبتغى، وهو ما ثبت على الأقل مع حالات في الجزائر"، مستدركاً "أعتقد أن المشكلة أبعد من التغييرات السريعة في القطاعات الحكومية، وفي كثير من الأحيان لا ننتهي كمتابعين ومهتمين بالشأن العمومي للمبررات الموضوعية للتغييرات في ظل إغفال التعيين وفقاً لعقود نجاعة تتبعها مساءلة بعد الآجال، لذلك نعتقد أن هناك حلقة مفقودة في ربط التوصيف الوظيفي بالأهداف والمتطلبات. لا ننكر أنه قد يكون منطلق السلطة في ظرف معين أو لسبب مباشر ضرورة لإجراء تغيير في أي وزارة كانت كالمالية أو الفلاحة أو غيرها، لكن السؤال المهم هو ما إذا كان متاحاً للوزراء الآليات الكفيلة والهامش لتنفيذ المعالجات الضرورية لمشكلات القطاعات الوزارية، ضمن التصور الحكومي العام".

بلحداد لـ"العربي الجديد": التدوير يطرح تساؤلات جدية حول ما انتهت إليه السلطة في التعيينات الحكومية

واللافت أن التعديل الحكومي الجديد، كَرّس خياراً سياسياَ بالنسبة لتبون، بشأن الاعتماد على شخصيات تكنوقراطية مستقلة، واستبعاد أي إشراك لأحزاب الحزام الرئاسي والحكومي، وتلك التي فازت بالانتخابات النيابية الأخيرة، كحزب جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي، والتي كانت تطمح هذه المرة في أن يكون لها نصيب في التشكيلة الحكومية، خاصة مع بروز نقاش سياسي خلال الحملة الدعائية للانتخابات الأخيرة، حول معنى هذه الانتخابات وجدواها السياسية على صعيد إشراك الأحزاب في الحكومة ومدى مشاركتها في صياغة الخيارات الحكومية.

وعلى الرغم من الاستبعاد السياسي الذي مارسه تبون، فإن حزب جبهة التحرير الوطني، أكبر القوى السياسية في الجزائر، استبق أي نقاش وتساؤلات جديدة حول ذلك، معلناً تأييداً وإشادة بهذا التعديل الحكومي، معتبراً أنه "يندرج ضمن الصلاحيات الدستورية لرئيس الجمهورية، وتجديد للطاقات بما يستجيب للتحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها البلاد". كما اعتبر الحزب أن إعادة تدوير وزراء سابقين اختيار موفق من حيث "التوقيت والقطاعات المعنية بالتعديل يعكس إدراكاً دقيقاً لحجم المسؤوليات المطروحة، بعيداً عن الحسابات الظرفية أو الضغوط العابرة".