تعيينات الشرع الأمنية تثير الجدل: توحيد للقرار أم إعادة ترتيب للنفوذ؟
- تعكس هذه التعيينات صراع النفوذ داخل المنظومة الأمنية، مع تنافس بين شخصيات مثل أنس خطاب وحسين السلامة، مما يثير تساؤلات حول تأثيرها على العلاقة بين القوى العشائرية والسلطة الجديدة في ظل الانفلات الأمني.
- استمرار الاعتماد على قيادات من "هيئة تحرير الشام" يثير تساؤلات حول قدرة السلطة على بناء مؤسسات أمنية متخصصة، حيث تهدف الخطوات إلى رفع مستوى التنسيق الأمني واختبار قدرة المؤسسات الجديدة على العمل بكفاءة.
أثارت التعيينات الأمنية الجديدة التي أصدرها الرئيس السوري أحمد الشرع، الأحد، نقاشاً واسعاً بشأن طبيعة إعادة الهيكلة الجارية داخل المؤسسات الأمنية، وما إذا كانت تهدف إلى توحيد القرار وتعزيز التنسيق بين الأجهزة، أم أنها تمثل إعادة توزيع لمراكز النفوذ بين القيادات التي تحظى بثقة الشرع، خصوصاً أن معظم أفرادها سبق أن تولوا مواقع أمنية وعسكرية قيادية في "هيئة تحرير الشام".
وتأتي القرارات في ظل استمرار المرحلة الانتقالية وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وسط تساؤلات بشأن قدرة السلطة الجديدة على نقل الخبرات والعلاقات التي تشكلت خلال سنوات العمل الفصائلي إلى إطار مؤسساتي تحكمه القوانين ووضوح الصلاحيات، ولا سيما مع استمرار تدوير المناصب بين مجموعة محدودة من القيادات الأمنية المقربة من الرئيس السوري.
وشملت التعيينات تكليف وزير الداخلية أنس خطاب بإدارة مكتب الأمن الوطني، مع احتفاظه بمنصبه في وزارة الداخلية، وتعيين حسين السلامة معاوناً لمدير مكتب الأمن الوطني، واللواء عبد القادر طحان رئيساً لجهاز الاستخبارات العامة، والعميد ملهم الشنتوت معاوناً لوزير الداخلية للشؤون الأمنية.
تدوير المناصب داخل الدائرة المقربة
ويبرز في التعيينات الجديدة استمرار اعتماد الشرع على شخصيات سبق أن لعبت أدواراً أمنية وعسكرية بارزة في "هيئة تحرير الشام"، قبل انتقالها إلى مواقع رسمية في مؤسسات الدولة بعد سقوط نظام بشار الأسد. ويُعد أنس حسان خطاب، المعروف سابقاً بلقب "أبو أحمد حدود"، من أبرز الشخصيات الأمنية المقربة من الشرع. ويشغل منصب وزير الداخلية منذ 29 مارس/آذار 2025، بعدما كان قد تولى رئاسة جهاز الاستخبارات العامة بين ديسمبر/كانون الأول 2024 ومايو/أيار 2025.
ووُلد خطاب عام 1987 في بلدة جيرود بريف دمشق، ودرس الهندسة المعمارية في جامعة دمشق قبل أن يغادر سورية عام 2008. وبرز لاحقاً ضمن الفصائل المسلحة، وتولى مناصب أمنية وقيادية في "جبهة النصرة" ثم "هيئة تحرير الشام"، كما أشرف على تأسيس جهاز الأمن العام في مناطق سيطرة الهيئة. ويعني تعيينه مديراً لمكتب الأمن الوطني، إلى جانب احتفاظه بمنصب وزير الداخلية، منحه مساحة أوسع في إدارة وتنسيق الملفات الأمنية، بما يجعله في موقع مركزي داخل هرم القرار الأمني، ويجمع بين إدارة المؤسسة التنفيذية الداخلية والإشراف على مستوى أعلى من التنسيق بين الأجهزة.
اطرح أسئلة حول هذا الموضوع
يتم إنشاء النصوص والإجابات بواسطة الذكاء الاصطناعي اعتمادًا على تقارير العربي الجديد، لذا يُنصح بالتحقق من المصادر المرفقة. (خدمة تجريبية)
هذا الموقع محمي بواسطة reCAPTCHA وتطبّق عليه سياسة الخصوصية وشروط الخدمة الخاصة بشركة Google.
أما اللواء عبد القادر طحان، المعروف سابقاً بلقب "أبو بلال قدس"، فقد انتقل من منصب نائب وزير الداخلية، الذي يشغله منذ فبراير/شباط 2026، إلى رئاسة جهاز الاستخبارات العامة. ووُلد طحان في مدينة حلب عام 1980، ودرس العلوم الشرعية واللغة العربية، وشارك في العمل المسلح منذ عام 2011، إذ أسس "كتيبة القدس"، التي تحولت لاحقاً إلى "كتائب القدس الإسلامية"، قبل انضمامها إلى "جبهة النصرة"، ثم "هيئة تحرير الشام".
في المقابل، انتقل حسين السلامة، المعروف سابقاً باسم "أبو مصعب الشحيل"، من رئاسة جهاز الاستخبارات العامة، التي تولاها منذ مايو/أيار 2025، إلى منصب معاون مدير مكتب الأمن الوطني. والسلامة من مواليد عام 1984 في بلدة الشحيل بريف دير الزور، ويُعد من الشخصيات التي تولت مواقع أمنية بارزة خلال المرحلة التي أعقبت سقوط النظام، قبل أن تشمل التعيينات الجديدة إعادة تموضعه داخل مكتب الأمن الوطني تحت إدارة أنس خطاب.
قراءات عن صراع النفوذ
أثارت القرارات سلسلة من التعليقات، ركزت بصورة أساسية على احتمال وجود تنافس بين بعض الشخصيات النافذة داخل المنظومة الأمنية. وعلق الصحافي السوري فايز الدغيم على التعيينات عبر صفحته في "فيسبوك"، معتبراً أنها جاءت بعد تنافس بين وزير الداخلية أنس خطاب ورئيس جهاز الاستخبارات العامة السابق حسين السلامة، وانتهى، وفق قراءته، لمصلحة خطاب، مع تعيين عبد القادر طحان على رأس جهاز الاستخبارات.
وقال الدغيم إن روايات سابقة تحدثت عن احتمال انتقال السلامة إلى إدارة مكتب الأمن الوطني أو حصوله على موقع أكثر تقدماً، إلا أن تعيينه معاوناً لمدير المكتب أظهر، بحسب رأيه، تراجعاً في موقعه داخل المنظومة الأمنية. واعتبر أن قرار تعيين خطاب مديراً للمكتب، والسلامة معاوناً له، يعكس تفوق الأول في التنافس بينهما، مشيراً إلى أن منصب المعاون لا يوازي موقع النائب أو رئيس الجهاز، وقد يكون أقرب إلى تسوية داخلية بعد خروجه من رئاسة الاستخبارات العامة.
وربط الدغيم هذه التطورات بتحالفات بين مجموعات وشخصيات داخل السلطة الجديدة، مستشهداً بزيارة أجراها خطاب إلى محافظة اللاذقية وظهوره مع مدير الأمن فيها ضياء العمر، المعروف باسم عبد العزيز الأحمد، معتبراً أن الصورة حملت رسائل إلى أكثر من طرف داخل الأجهزة الأمنية. فمن جهة، حملت رسالة بشأن طبيعة التحالفات الداخلية، ومن جهة أخرى، محاولة لطمأنة أبناء دير الزور والمنطقة الشرقية بأن التغييرات لا تستهدف تهميشهم بصورة جماعية، رغم نقل السلامة من منصبه.
من جانبه، قال الصحافي عبد الله قمح، في تعليق نشره على منصة "إكس"، إن ما جرى داخل الدوائر الأمنية في دمشق لا يمثل تغييرات إدارية طبيعية، بل يعكس مشهداً متجدداً من إعادة تشكيل الصراعات الأمنية. واعتبر قمح أن نقل السلامة من رئاسة جهاز الاستخبارات العامة إلى منصب معاون مدير مكتب الأمن الوطني يمثل تهميشاً لدوره، ولا سيما مع تعيين أنس خطاب مديراً للمكتب نفسه، واصفاً موقع المعاون بأنه أقل تأثيراً من قيادة جهاز أمني تنفيذي.
وأشار إلى أن السلامة ينحدر من شرق سورية، وتحديداً من بلدة الشحيل، حيث النفوذ العشائري لعشائر "العكيدات"، معتبراً أن نقله قد يُقرأ أيضاً ضمن سياق العلاقة المتوترة بين بعض القوى العشائرية في الشرق السوري والسلطة الجديدة. وأضاف قمح أن عملية ضم وفرز تجري داخل البنية الأمنية، ترتفع خلالها أسماء وتتراجع أخرى، بالتوازي مع استمرار حالة الانفلات الأمني المرتبطة ببعض الفصائل، مشيراً إلى أن آثار التعيينات قد تمتد إلى ملفات إقليمية، وخصوصاً المنطقة الحدودية بين سورية ولبنان.
بين الثقة والمؤسسات
وتظهر التعيينات الجديدة أن الرئيس السوري يواصل تدوير المواقع الأمنية بين قيادات تحظى بثقته، وسبق أن عمل معظمها في مواقع قيادية داخل "هيئة تحرير الشام"، من دون إخراجها من دائرة القرار، حتى عند نقلها من مؤسسة إلى أخرى. ويتيح هذا الأسلوب للسلطة الحفاظ على الانسجام بين القيادات الأساسية خلال مرحلة أمنية معقدة، لكنه يثير في الوقت نفسه تساؤلات بشأن حدود الفصل بين بناء المؤسسات الرسمية والحفاظ على شبكات الثقة التي تشكلت قبل الوصول إلى السلطة.
اطرح أسئلة حول هذا الموضوع
يتم إنشاء النصوص والإجابات بواسطة الذكاء الاصطناعي اعتمادًا على تقارير العربي الجديد، لذا يُنصح بالتحقق من المصادر المرفقة. (خدمة تجريبية)
هذا الموقع محمي بواسطة reCAPTCHA وتطبّق عليه سياسة الخصوصية وشروط الخدمة الخاصة بشركة Google.
كما أن الجمع بين وزارة الداخلية ومكتب الأمن الوطني تحت إدارة أنس خطاب قد يؤدي إلى مزيد من المركزية في القرار الأمني، وهو ما قد يعزز سرعة التنسيق والاستجابة، لكنه يضع أيضاً مسؤولية أكبر على السلطة في توضيح الصلاحيات وضمان عدم تداخل المهام بين الداخلية والاستخبارات والدفاع.
وتبقى دلالات التعيينات مرتبطة بالطريقة التي ستُترجم بها عملياً خلال المرحلة المقبلة؛ إذ سيكون الاختبار الأساسي هو ما إذا كانت إعادة توزيع المواقع ستؤدي إلى بناء أجهزة أمنية متخصصة تعمل تحت مظلة القانون والمؤسسات، أم أنها ستبقي القرار محصوراً ضمن الدائرة الضيقة من القيادات التي رافقت الشرع منذ مرحلة "هيئة تحرير الشام"، مع تغيير مواقعها وأدوارها داخل الهيكل الجديد للدولة.
وفي هذا السياق، قال الباحث في الشؤون الأمنية والعسكرية نوار شعبان قباقيبو، في حديث لـ"العربي الجديد"، إن تعيين أنس خطاب مديراً لمكتب الأمن الوطني، مع استمراره وزيراً للداخلية، يعكس توجهاً نحو توحيد مسار القرار الأمني وتقليص انتقال المعلومات بين الجهات المختلفة، معتبراً أن الخطوة تستهدف، بصورة أساسية، رفع مستوى التنسيق وتسريع الاستجابة الأمنية. وأوضح قباقيبو أن الجمع بين المسؤوليتين قد يسمح بتقليص الفجوات بين الجهات الأمنية، وتوحيد قنوات تبادل المعلومات واتخاذ القرار، بدلاً من بقاء كل مؤسسة ضمن مسار منفصل، ولا سيما في ظل التحديات الأمنية التي تواجهها البلاد خلال المرحلة الانتقالية.
وفي ما يتعلق بتعيين عبد القادر طحان رئيساً لجهاز الاستخبارات العامة، ونقل حسين السلامة إلى مكتب الأمن الوطني، رأى قباقيبو أن القرارات تجمع بين إعادة توزيع وظيفي وإعادة تركيب لمراكز النفوذ، مشيراً إلى وجود محاولة واضحة للفصل بين الإدارة التنفيذية لجهاز الاستخبارات وبين مستوى التنسيق الأمني الأعلى. وأضاف أن بقاء المناصب الأساسية ضمن الدائرة القيادية ذاتها يدل على أن عملية إعادة الهيكلة لا تزال قائمة بدرجة كبيرة على الثقة بالأشخاص، ولم تنتقل بعد بصورة كاملة إلى العمل المؤسساتي، معتبراً أن ذلك ينسجم مع طبيعة المراحل الانتقالية، التي قد تمتد في بعض الحالات إلى ثلاث أو أربع سنوات وفقاً للغايات والاحتياجات الأمنية.
وأشار قباقيبو إلى أن المراحل الانتقالية تحتاج عادة إلى عامل ثقة مرتفع بين المسؤولين، ولذلك فإن الاعتماد على شخصيات سبق أن عملت في مواقع قيادية داخل "هيئة تحرير الشام" يوفر قدراً من الانسجام وسرعة التحرك والاستفادة من خبرات أمنية سابقة. لكنه لفت، في المقابل، إلى أن هذا المسار يضع المؤسسات الجديدة أمام اختبار حقيقي يتعلق بقدرتها على تحويل تلك الخبرات إلى مؤسسات دولة تعمل وفق القانون والكفاءة، بدلاً من استمرار دوائر الثقة السابقة بوصفها العامل الأساسي الذي يدير القرار الأمني. ورأى أن مستقبل العلاقة بين المؤسسات الأمنية والعسكرية سيتوقف على مدى وضوح الصلاحيات، وقدرة السلطة على منع التداخل بين مهام وزارة الداخلية وجهاز الاستخبارات ووزارة الدفاع، بما يضمن عدم تكرار الازدواجية في العمل أو نشوء مراكز قرار متوازية.