تفاحة الأوراس تُشعل الجدل السياسي في الجزائر

11 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 22:39 (توقيت القدس)
منذر بودن خلال الخطاب المثير للجدل، 10 نوفمبر 2025 (فيسبوك)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- أثار تصريح منذر بودن حول "تفاحة الأوراس" كرمز للكرامة الوطنية جدلاً في الجزائر، حيث اعتبره البعض دليلاً على تراجع الخطاب السياسي، بينما دافع آخرون عنه كاعتراف بمجهود منطقة باتنة في إنتاج التفاح.
- استغل النائب زكرياء بلخير الجدل للرد على حزب التجمع، مشيراً إلى أن الاقتصاد يُقاس بالإنجازات وليس بالرموز، بينما دافع النائب منصوري محمد عن تصريحات بودن.
- رأى الإعلامي رضوان بن شنين أن الجدل يعكس أزمة تواصل بين السياسيين والمجتمع، مشيراً إلى أن السخرية كشفت فجوة بين الخطاب الرسمي وواقع المواطن.

شهدت الساحة السياسية في الجزائر، خلال اليومين الماضيين، جدلاً غريباً وغير مألوف تمحور حول "التفاح"، بعد أن ربط قيادي حزبي هذه الفاكهة بمسألة "الكرامة الوطنية"، في خطوة اعتبرها كثيرون مؤشراً على تراجع مستوى الخطاب السياسي والحزبي في البلاد، وتواضع لغة المتحدثين باسم القوى السياسية.

بدأت القصة إثر تصريح أدلى به الأمين العام للتجمع الوطني الديمقراطي، منذر بودن، خلال تجمع حزبي في منطقة باتنة شرقي الجزائر، المعروفة بإنتاجها الوفير للتفاح في السنوات الأخيرة، حتى بلغت مرحلة الاكتفاء الذاتي.

واستثمر بودن هذا الواقع في خطابه، قائلاً: "تفاحة الأوراس أصبحت اليوم رمزاً من رموز الإنتاج الوطني واسترجاع الكرامة الجزائرية. كان الجزائري قبل سنوات مضطراً إلى استيراد التفاح من أوروبا ليذوق طعمه، أما اليوم، فهو يتلذذ بتفاح بلاده المزروع في جبال الأوراس، الجميل في منظره واللذيذ في مذاقه، بدلاً من تفاح جبال الألب".

هذا التصريح أثار موجة واسعة من التعليقات والسخرية على مواقع التواصل الاجتماعي، إذ رأى البعض فيه دليلاً على "سطحية الخطاب السياسي" في البلاد. وكتب الباحث الطيب دبيشي على صفحته في "فيسبوك": مع اقتراب موعد الانتخابات، ورغم التغيرات الكبيرة التي يشهدها العالم، ما زال جزء من الطبقة السياسية يكرر الخطاب القديم نفسه دون تجديد. وما تفاحة بودن إلا البداية. المواطن اليوم لم يعد يقتنع بالشعارات، بل يبحث عن برامج واقعية قابلة للتطبيق ورؤية واضحة للمستقبل. المطلوب خطاب سياسي جديد يقوم على الفعل لا القول، وعلى فهم حقيقي للتحولات الاجتماعية، حتى يكون الحديث عن المستقبل حديثاً مسؤولاً لا مجرد وعود انتخابية".

واستغل النائب زكرياء بلخير، عن حركة مجتمع السلم المعارضة، المناسبة للرد على حزب التجمع، فرفع خلال جلسة مناقشة قانون الموازنة في البرلمان تفاحة أمام النواب، قائلاً: "التفاحة رمز لشركة آبل التي تبلغ قيمتها السوقية ثلاثين ضعف موازنة الجزائر لسنة 2026، وإيراداتها السنوية تفوق إيرادات البلاد بخمس مرات. الاقتصاد يُقاس بالإنجازات لا بطعم التفاح".

لكن النائب منصوري محمد، ردّ عليه، قائلاً إن "هذا التصرف مجرد شطحة إعلامية غير موفقة"، مشيراً إلى أن حديث بودن عن التفاح "جاء في سياق الاعتراف بمجهود منطقة ساهمت في تقليص واردات الجزائر من التفاح بقيمة 40 مليون يورو".

أمام تصاعد السخرية، حاولت قيادات التجمع الوطني الديمقراطي تبرير تصريحات الأمين العام. وأوضح مستشاره السياسي هاشم ساسي أن "هناك حملة مغرضة تستهدف خطابات الحزب بمغالطة الانزلاق"، متهماً أطرافاً سياسية بـ"تحريف" مضمون الخطاب. وأضاف أن حديث بودن جاء "في سياق خاص بمنطقة جبلية يعيش سكانها من الزراعة، ويمثل إنتاج التفاح فيها نقلة اقتصادية واجتماعية غير مسبوقة".

لكنّ الإعلامي رضوان بن شنين، رأى في هذا الجدل دلالة أعمق على أزمة تواصل بين الطبقة السياسية والمجتمع. وكتب على صفحته: "في حادثة التفاحة، خرجت عبارة بسيطة في خطاب سياسي، لكنها تحوّلت إلى مادة ساخرة لأنها كشفت فجوة عميقة بين الخطاب الرسمي وواقع المواطن. في علم الدلالة السياسية، تُعتبر هذه الفجوة لحظة انهيار في عقد الثقة، عندما يتحدث المسؤول بلغة لا تلتقي مع الواقع الاجتماعي. يلتقط الجمهور هذا الاختلال فوراً، ويتحوّل التصريح إلى رمز".

وأضاف بن شنين أن "السخرية في هذه الحالة لعبت دور المرآة التي أعادت صياغة الخطاب بطريقة أكثر صدقاً مما قاله صاحبه. المسؤول قدّم جملة، والجمهور قدّم تأويلاً جماعياً أقوى من كل البلاغة الرسمية، وهذا ما يسميه جيمس سكوت بـ"أسلحة الضعفاء": "الوسائل غير المؤسسية التي يستخدمها المجتمع لمحاسبة الأقوياء حين تغيب الشفافية".

وهكذا، تحوّلت "تفاحة الأوراس" من رمز محلي للإنتاج الزراعي إلى عنوانٍ دالّ على أزمة أعمق في الخطاب السياسي الجزائري، حيث تختلط الرمزية الوطنية بالسخرية الشعبية، في مشهد يلخّص تراجع ثقة الشارع بالسياسيين، ويدعو إلى مراجعة جذرية لأسلوب مخاطبة المواطن ولغة الخطاب العام في البلاد.

دلالات