تفتيش المنازل في جنوب لبنان... التحدي الأصعب في مسار حصر السلاح
- يصر الجيش اللبناني على اتباع مسار قضائي واضح لتفتيش المنازل في بلدات زوطر الغربية وفرون وصريفا، لتجنب التوتر مع الأهالي، رغم الضغوط الإسرائيلية.
- يشدد المسار القانوني على ضرورة الحصول على إذن قضائي لتفتيش المنازل، مع مراعاة حرمة المنزل، لتفادي الإشكالات مع الأهالي والحفاظ على السلم الأهلي.
يواجه الجيش اللبناني تحديات عدة في هذه المرحلة مع بدء تنفيذ أولى مراحل المنطقة التجريبية التي تمثّل اختباراً أساسياً له في مسار حصر السلاح بيد الدولة، ويتمثّل أكبر هذه التحديات في تفتيش المنازل، في خطوة كان يتفادها في السابق ويحصرها بحالات محدّدة، رغم الضغوط الإسرائيلية الأميركية التي كانت تدفع بهذا الاتجاه، لما يترتّب عن ذلك من نتائج تضعه في مواجهة مباشرة أو صدام مع الأهالي.
وتركزت عمليات الجيش اللبناني قبل عدوان مارس/آذار 2026، وفي إطار تنفيذ اتفاق 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، على تفتيش الأراضي المكشوفة، ومصادرة الأسلحة وتفكيك المنشآت العسكرية، وقد حقّق إنجازات عدّة على صعيد جنوب نهر الليطاني، معلناً في يناير/كانون الثاني 2026 تحقيق أهداف المراحل الأولى من خطته لحصر السلاح في هذا القطاع، لكنه رفض في حالات كثيرة تفتيش المنازل بالقوة ومن دون إذن، علماً أن إسرائيل ضغطت دبلوماسياً وبالنار من أجل تحقيق ذلك وبدعم أميركي، إلا أن المؤسسة العسكرية في لبنان كانت تتمسّك بشعار الحفاظ على السلم الأهلي.
وكانت إسرائيل تعمد إلى قصف منازل تدّعي وجود أسلحة فيها أو تحتوي على مخازن أسلحة، سواء رفض الجيش اللبناني تفتيشها أو فتّشها بناءً على طلب لجنة مراقبة وقف العمليات العدائية "ميكانيزم"، وبعد إعلام أصحابها، علماً أنه بعد الكشف عليها، تبيّن خلوّها من السلاح، ورغم ذلك، تعرّضت للقصف.
اليوم، مع بدء تنفيذ الجيش اللبناني المرحلة الأولى من المنطقة التجريبية، وتشمل بلدات زوطر الغربية وفرون وصريفا، بتنسيق وإشراف أميركي، تعود مسألة تفتيش المنازل إلى الواجهة من جديد، خاصة أنها كانت مطروحة على طاولة المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل برعاية واشنطن، وقد وافق الجانب اللبناني، بحسب المعلومات، على هذه العملية شرط أن تكون وفق مسار قضائي.
وحُطّ هذا الملف أيضاً على طاولة الجولة السادسة من المفاوضات التي عقدت على مدى يومين في العاصمة الإيطالية روما في 14 و15 يوليو/تموز الجاري، حيث أصرت إسرائيل على ضرورة تفتيش الجيش اللبناني المنازل وقيامه بمداهمات للممتلكات الخاصة، لكن الجيش اللبناني يتمسّك، بحسب معلومات "العربي الجديد"، بمسار قضائي عسكري واضح لا أن يكون الباب مفتوحاً أمام مداهمات قد ترفع من حدّة التوتر والاحتقان، وتضع الأهالي في مواجهة العسكريين.
وانتشرت في الساعات الماضية أخبار عدة عن اتجاه النيابة العامة لإصدار إشارة قضائية مفتوحة لصالح المؤسسة العسكرية تمنحها صلاحية واسعة لتفتيش المنازل ومن دون الحصول على إذن لكل عقار على حدة، بيد أن مصادر قضائية أوضحت لـ"العربي الجديد" أن لا إشارة قضائية مُنحت حتى الساعة في هذا الإطار، علماً أن الملف كُلّف به النائب العام التمييزي القاضي أحمد الحاج.
وتشير المصادر إلى أنه لا يمكن إعطاء إشارة مفتوحة بتفتيش المنازل، وهناك مسار قانوني قضائي على الجيش اللبناني سلكه عند قيامه بأي عملية تفتيش في أي بلدة يدخلها، وترتبط بمنزل أو ملك خاص، ويكون ذلك بإشراف النيابة العامة، مشيرة إلى أن القضاء والجيش حريصان على عدم حصول أي صدام مع الأهالي، وفي الوقت نفسه، هناك أصول قانونية يجب سلكها، عند تلقي أي طلب لتفتيش منزل، وهو ما سيحصل، مشددة على أنه لن تكون هناك عملية لتفتيش منازل أو ممتلكات خاصة بشكل مفتوح من دون إشارة قضائية وتبعاً لكل حالة.
مسار التفتيش القضائي للمنازل والممتلكات الخاصة
وبالتوقف أكثر عند المسار القانوني القضائي لهذا الموضوع، يقول العميد الركن المتقاعد بهاء حلال لـ"العربي الجديد" إنه عملياً لا فرق بين حالة الحرب وغيرها من الحالات، فالأصل القانوني هو حرمة المنزل، وهذه يمكن أن نسمّيه حالة دستورية، لذلك لا يجوز لأي جهاز أمني تفتيش منزل إلا وفق الأصول القانونية، والمرتبطة بحالات استثنائية محدّدة، وتبعاً لإجراءات قانونية، مثل وجود إذن قضائي أو قرار صادر عن مرجع قضائي مختص أو بموجب مذكرة أو إشارة من النيابة العامة المختصة، لافتاً إلى أن آلية اجراء التفتيش تكون بحضور صاحب المنزل، أو وكيله، أو إذا تعذّر ذلك، بوجود أحد أفراد العائلة، على أن يُنظَّم محضر رسمي بكل الإجراءات المتخذة والمضبوطات، ويوقّع عليه صاحب العلاقة.
ويردف حلال: "في حالة الجرم المشهود، هناك صلاحيات أوسع تُمنَح للنيابة العامة والضابطة العدلية بما فيها التفتيش الفوري لضبط الأدلة"، لافتاً إلى أن توقيت التفتيش محدّد أيضاً، فعادة لا يمكن إجراؤه ليلاً إلا بحالات استثنائية يمكن أن يعطي القانون الحق فيها للجهاز الأمني، أو بموافقة صاحب المنزل.
ويشير إلى أن الموضوع، ربطاً بالجنوب، يقف اليوم عند ثلاثة مستويات، قانوني، وأمني – إسرائيلي، ومعنوي، فعلى المستوى الأول، القانون يعني الإشارة القضائية، ولا يمكن للقضاء برأيي أن يعطي إشارة عامة تطبَّق على كل الناس والمنازل، بل يذهب إلى طبيعة المهمة والجرم وظروف المنزل المُراد تفتيشه، والخبر الأمني الذي ذهب على أساسه الجيش باتجاه التفتيش، وموثوقية البلاغ مثلاً أو مطلِق الخبر، وبالتالي، يصبح اتخاذ القرار مرتبط بشكل فردي وربطاً بكل حالة بحالتها، وعند إعطاء الإذن، يطبق الجيش الإجراءات اللازمة، وإلا لا يستطيع أن يدخل المنزل.
على المستوى الثاني، يتابع حلال: "هناك محاذير أمنية متصلة بمستوى العقل الأمني الإسرائيلي، حيث إن إسرائيل تعتبر أن المناطق النموذجية تحكمها آلية تحقق وفق مجموعة التنسيق العسكري، لا عند القضاء اللبناني، وبالتالي، يمكن أن تهدّد بقصف منزل لم يُفتَّش، إذا قالت إنها تشكّ بوجود سلاح فيه، وهذا أمر حصل، وهنا عندها، علينا أن نرى كيف سيتصرف الجيش والقضاء، فهل إزاء الخطر الذي يحيط بالمنزل من جراء تهديد العدو قد يذهب باتجاه التفتيش لضمان عدم قصفه؟".
أما على المستوى الثالث، فيضيف حلال: "أصحاب هذه المنازل موجودون بمنطقة دخلت إسرائيل إليها وفعلت ما فعلته، وقد يكون لديهم شهداء أو جرحى أو بيتهم متضرّر أو تعرّضوا لنكبات، وبمجرد دخول الجيش اللبناني ولو بإذن قضائي قد يخلق ذلك إشكالات بينهم وبين العناصر العسكريين، ونتذكر الإشكالات التي كانت تحصل بين الأهالي ويونيفيل، لذلك الأمر يحتاج إلى دراسة لتفادي هذه الإشكالات، وأنا أرى أن الجيش سيحّلها بالطرق التي عادة ما يلجأ إليها حفاظاً على السلم الأهلي وهو أولويته، فهو لا يمكن أن يقف بوجه أي مكوّن لبناني أو الأهالي المنكوبين، ولن يذهب أيضاً إلى إجراءات تعطي ما يريده الإسرائيلي، أي حصول إشكال فتنوي بين الجيش والمواطنين".