تفجير حمص يختبر قدرة سورية على طي صفحة الماضي

27 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 15:21 (توقيت القدس)
من داخل مسجد علي بن أبي طالب بعد التفجير، حمص 26 ديسمبر 2025 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- وقع تفجير في مسجد الإمام علي بن أبي طالب بحمص، مستهدفاً منطقة ذات غالبية علوية، مما أدى إلى مقتل 8 أشخاص وإصابة 17 آخرين، وتبنت "سرايا أنصار السنة" الهجوم.
- أكد إمام المسجد على التعايش الديني في المدينة، مشيراً إلى أن المسجد كان مركزاً لتسوية أوضاع العسكريين، ووقع التفجير أثناء صلاة النافلة.
- أدانت الحكومة السورية التفجير واصفةً إياه بـ"الجريمة الإرهابية"، واستنفرت الكوادر الطبية لتقديم الرعاية للمصابين في ظل ظروف صعبة.

كان الطفل ياسر إسماعيل، البالغ من العمر تسع سنوات، يقف إلى جانب والده داخل مسجد الإمام علي بن أبي طالب في حي وادي الذهب بمدينة حمص وسط سورية، صباح الجمعة، مقلّداً حركات الصلاة كما اعتاد في كل مرة يرافقه فيها إلى المسجد. دقائق قليلة بعد رفع الأذان، دوّى انفجار عنيف في المكان، ليسقط ياسر قتيلاً وتتحول لحظة العبادة إلى مشهد دمٍ وفوضى.

ووقع التفجير، أمس الجمعة، في حي تقطنه غالبية من الطائفة العلوية، ما أسفر عن سقوط 8 قتلى من بينهم الطفل ياسر، وإصابة 17 آخرين بجروح، وهو الهجوم الثاني الذي يستهدف، منذ سقوط نظام بشار الأسد، أماكن دينية، بعد تفجير كنيسة مار إلياس في دمشق قبل أشهر. وأعلنت مجموعة تطلق على نفسها اسم "سرايا أنصار السنة" تبنّيها للهجوم.

ووسط حالة من الحزن، شيع أبناء محافظة حمص، صباح اليوم السبت، جثامين الضحايا. وقال إمام المسجد محيي الدين السلوم لـ"العربي الجديد" إن الحادثة وقعت بعد رفع الأذان مباشرة، إذ كان المصلّون قد تجمعوا داخل المسجد استعداداً لأداء صلاة النافلة قبل صلاة الجمعة، وأضاف: "أثناء أدائنا للصلاة وقع التفجير، وسمعنا صوتاً قوياً جداً، ما أدى إلى سقوط ضحايا في المكان".

وقال المحامي حسن الحفيان إنّ شيوخاً وأطفالاً وشباناً كانوا في المسجد لحظة التفجير، وأضاف أن عدداً من أفراد عائلته، من بينهم شقيقه جهاد يوسف الحفيان، ونجله علي (12 عاماً)، كانوا من بين المصابين، كما أُصيب شقيقه الآخر المحامي أحمد الحفيان وابنه الطفل يوسف، البالغ من العمر 9 أعوام، إضافة إلى شقيقه الثالث المحامي يعقوب الحفيان.

ويضيف الهجوم مزيداً من الشك حول مدى قدرة البلد على طي صفحة الماضي، بعد سنوات من حرب أهلية اندلعت على خلفية الثورة التي أسقطت نظام بشار الأسد الاستبدادي في ديسمبر/كانون الأول 2024. وكان المسجد المستهدف قد استُخدم مع بداية مرحلة ما بعد الأسد مركزاً لتسوية أوضاع عدد من الشباب العسكريين والضباط الذين خدموا خلال فترة النظام المخلوع، تمهيداً لإعادة دمجهم في السلطة الجديدة.

وقال السلوم إنّ "التعايش الديني في حمص أمر راسخ. نحن نصلي خلف الإمام إذا كان من الطائفة السنية، وهم يصلّون خلفنا أيضاً، مع اختلاف بعض التفاصيل الفقهية؛ فنحن نصلي سدلاً وهم يصلّون قبضاً، لكننا نتفق في الركوع والسجود، والله واحد"، وأضاف أن "صلاة الجمعة يشترك فيها عادة عشرة أشخاص أو أكثر من أبناء الطائفة السنية، وهو أمر معروف وغير مخفي، بحكم أن الجميع يعيشون في حي واحد"، لافتاً إلى أن عدداً قليلاً من أبناء طوائف أخرى يشاركون في الصلاة دون أي إشكال، وتابع: "حتى لو حضر مئة شخص للصلاة والمشاركة معنا، فلا توجد أي مشكلة في ذلك".

ومضى قائلاً: "أنا أمام للجامع منذ عام 2009، وأقيم دورات لتحفيظ القرآن منذ عام 2012، كما توجد جوامع خاصة بالطائفة العلوية"، محذراً من أن "الاتهامات أو محاولات التحريض لا تخدم سوى الفتنة"، ودعا السلوم إلى عدم استغلال الحادثة "لضرب السلم الأهلي" في المحافظة.

وقال مدير مشفى كرم اللوز الوطني، الدكتور نزار رستم، إنّ حصيلة التفجير أسفرت عن ثماني وفيات وسبع عشرة إصابة، من بينها إصابتان وُصفتا بالخطيرتين، وأوضح لـ"العربي الجديد"، أن الكوادر الطبية استنفرت فور وصول المصابين، إذ جرى تقديم الإسعافات الأولية والعناية الطبية اللازمة وفق درجات الخطورة، وأضاف أن عدداً من المصابين جرى نقلهم إلى مشافٍ أخرى في المدينة، بهدف تخفيف الضغط وتأمين الرعاية التخصصية المطلوبة لبعض الحالات الحرجة، مؤكداً أن العمل لا يزال مستمراً لمتابعة أوضاع الجرحى، في ظل ظروف صعبة وإمكانات محدودة.

ودانت الحكومة السورية، إلى جانب دول من بينها قطر ولبنان والسعودية والإمارات، التفجير، واصفةً إياه بـ"الجريمة الإرهابية". وتحاول دمشق فرض الاستقرار الأمني منذ سقوط نظام الأسد، لكن الأحداث التي شهدتها البلاد، سواء في الساحل السوري أو السويداء ومناطق أخرى، وضعت السلطة الجديدة أمام اختبار صعب في إرساء الأمن وإخراج البلاد من آثار الحرب.