لقاء ميسرشميت ودايكوفيتش يشعل الجدل في الدنمارك حول تقارب اليمين الأوروبي مع روسيا

06 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 14:09 (توقيت القدس)
رئيس حزب الشعب الدنماركي مورتن ميسرشميت، 23 مارس 2026 (Getty)
+ الخط -
اظهر الملخص
- أثار لقاء ميسرشميت ودايكوفيتش جدلاً في الدنمارك بسبب مواقف دايكوفيتش المؤيدة لروسيا والمعادية للناتو، مما أثار انتقادات حول الرسائل السياسية الموجهة.
- اعتبر وزير الدفاع الدنماركي اللقاء إشارة خطيرة، مما أثار تساؤلات حول ولاء ميسرشميت للديمقراطيات الغربية، بينما دافع ميسرشميت عن حقه في الحوار السياسي.
- يعكس اللقاء ظاهرة داخل اليمين الأوروبي المتقارب مع روسيا، مما يبرز انقساماً بين من يرى روسيا شريكاً محتملاً ومن ينأى بنفسه عنها، خاصة بعد الحرب الروسية-الأوكرانية.

أُثير نقاش حول التقارب بين اليمين الأوروبي وقوى مقربة من موسكو

يكشف اللقاء عن انقسام أعمق داخل اليمين الأوروبي نفسه

أثار اللقاء الذي جمع، أمس الأربعاء، زعيم حزب الشعب الدنماركي اليميني المتشدد مورتن ميسرشميت بالسياسي المونتينيغري (الجبل الأسود) فلاديسلاف دايكوفيتش عاصفة سياسية في الدنمارك، بسبب مواقف الأخير المؤيدة صراحة لروسيا والمعادية لحلف شمال الأطلسي (ناتو)، وأعاد فتح النقاش حول حدود التقارب بين بعض تيارات اليمين القومي الأوروبي وقوى سياسية مقربة من موسكو، في وقت تواجه فيه أوروبا تصعيداً أمنياً وسياسياً متزايداً مع روسيا على خلفية الحرب في أوكرانيا.

بروس: اللقاء يبعث إشارة خطيرة فهو يأتي بينما تتساقط القنابل على الأوكرانيين في وقت تدعم فيه الدنمارك نضالهم من أجل الحرية

ما قصة دايكوفيتش وميسرشميت.. ولمَ كل هذه العاصفة؟

دايكوفيتش هو زعيم ومؤسس حزب "سلوبودنا كرنا غورا" (الجبل الأسود الحر)، الذي يوصف بأنه "الحزب الوحيد في الجبل الأسود الموالي لروسيا والمعارض لحلف ناتو"، فضلاً عن تبنيه مواقف متطرفة حيال كوسوفو وغيرها من القضايا القومية. وأثار اللقاء عاصفة سياسية بعدما وصفه دايكوفيتش بأنه "كان ودياً وحميمياً"، في حين رأى منتقدو ميسرشميت أن طبيعته والرسائل التي رافقته "تتجاوز مجرد التواصل مع سياسي يحمل مواقف مختلفة".

ولم يرتبط الجدل بمجرد لقاء بين سياسيين مختلفين، بل بالرسالة السياسية التي حملها. فقد ظهر ميسرشميت في مقطع مصور وهو يرافق دايكوفيتش في جولة داخل مبنى البرلمان في كوبنهاغن، قبل أن يودعه بعبارة "Go win" (انطلق نحو النصر)، وهو ما عده منتقدوه دعماً سياسياً لشخصية تتبنى مواقف مناهضة لحلف ناتو ومؤيدة لروسيا في حربها على أوكرانيا.

جندي دنماركي عند نقطة تفتيش في ميناء نوك، غرينلاند، 26 يناير 2026 (إينا فاسبندر/فرانس برس)
اقتصاد دولي
التحديثات الحية

دايكوفيتش، المنتمي إلى أقصى اليمين الأوروبي، يعد كذلك من أبرز الأصوات المؤيدة لموسكو في الجبل الأسود، إذ يدعو إلى رفع العقوبات عن روسيا، ووقف مسار الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وانسحاب بلاده من حلف ناتو، الذي انضمت إليه عام 2017، ما جعله شخصية مثيرة للجدل في بلاده. 

وفي هذا الصدد، قال وزير الدفاع الدنماركي ييبا بروس إن اللقاء يبعث "إشارة خطيرة"، خصوصاً أنه يأتي بينما "تتساقط القنابل على الأوكرانيين في وقت تدعم فيه الدنمارك نضالهم من أجل الحرية". وأوضح أن المشكلة ليست في اللقاء بحد ذاته، بل في تمنّي ميسرشميت "النصر" لسياسي يدافع عن مواقف مؤيدة لروسيا ومعادية لناتو، معتبراً ذلك "أمراً خطيراً للغاية". 

أمّا النواب من أحزاب أخرى فاعتبروا أن الإشكاليّة تكمن في الرسالة السياسية التي حملها اللقاء وطريقة تقديمه، وليس في مجرد الحوار مع خصم أيديولوجي. فقد رأى المتحدث باسم الشؤون الخارجية في حزب الشعب الاشتراكي كارستن هونغ، أن مواقف ميسرشميت تثير تساؤلات حول ولائه لـ"الدنمارك والديمقراطيات الغربية"، في وقت يحافظ فيه على تواصل مع قوى موالية لروسيا تتبنى مواقف تتعارض مع سياسة كوبنهاغن تجاه أوكرانيا وقد تضر بمصالحها على المدى الطويل.

على المقلب الآخر، دافع ميسرشميت عن حقه في لقاء من يشاء، معتبراً أن رفض الحوار مع أصحاب الآراء المختلفة يحوّل السياسة إلى عزلة، ونفى أن يكون مؤيداً للنظام الروسي، مؤكداً سابقاً أنه "يحتقر بوتين وكل ما يمثله". لكن الجدل أعاد إلى الواجهة مواقفه السابقة، خصوصاً دعواته عام 2024 إلى خفض الدعم الدنماركي لأوكرانيا، واقتراحه أن تقبل كييف بتنازلات إقليمية لإنهاء الحرب، وهي مواقف أثارت انتقادات واسعة داخل البرلمان الدنماركي.  

دايكوفيتش عيّنة لظاهرة أوسع داخل اليمين الأوروبي

لا يقتصر الجدل الذي أثاره لقاء ميسرشميت ودايكوفيتش على الساحة الدنماركية، بل يندرج ضمن ظاهرة أوسع داخل بعض تيارات اليمين القومي الأوروبي. فمنذ اندلاع الحرب الروسية-الأوكرانية عام 2022، برزت داخل بعض الأحزاب اليمينية المتشددة أصوات تنتقد العقوبات المفروضة على موسكو، وتعارض زيادة الإنفاق الدفاعي، أو تتبنى خطاباً يتقاطع مع بعض سرديات الكرملين حول "تراجع الغرب" ومواجهة "النخب الليبرالية" والدفاع عن السيادة والهوية الوطنية.

ففي فرنسا وإيطاليا وألمانيا والنمسا والمجر(سابقاً)، إلى جانب دول أوروبية أخرى، ظهرت خلال السنوات الماضية علاقات سياسية أو أيديولوجية بين شخصيات من اليمين المتشدد ودوائر قريبة من روسيا، رغم أن الحرب في أوكرانيا دفعت العديد من هذه الأحزاب إلى إعادة صياغة مواقفها خشية العزلة السياسية. ومع ذلك، بقيت مسألة العلاقة مع موسكو نقطة انقسام داخل اليمين الأوروبي بين من يرى روسيا شريكاً محتملاً في مواجهة النظام الليبرالي الغربي، ومن يحاول النأي بنفسه عن الكرملين تحت ضغط التحولات الأمنية الجديدة. 

دافع ميسرشميت عن حقه في لقاء من يشاء، معتبراً أن رفض الحوار مع أصحاب الآراء المختلفة يحوّل السياسة إلى عزلة

أمّا منتقدو هذه التيارات فيرون أن موسكو تستفيد سياسياً وإعلامياً من أي انقسام داخل المجتمعات الأوروبية، حتى من دون أن يكون هناك ارتباط مباشر بين هذه الأحزاب والكرملين. فظهور شخصيات سياسية أوروبية بارزة إلى جانب أصوات مؤيدة لروسيا يمنحها فرصة لتعزيز روايتها بأن الموقف الأوروبي من الحرب ليس موحداً وأن الدعم الغربي لأوكرانيا يواجه معارضة داخلية متزايدة.

ما يعكسه لقاء ميسرشميت ودايكوفيتش عن اليمين الأوروبي؟

في المقابل، تؤكد أحزاب اليمين القومي الأوروبي أن مواقفها لا تعني تأييد روسيا، بل تعكس رفضاً لما تعتبره تدخلاً أوروبياً مفرطاً في شؤون الدول، وانتقاداً لسياسات الاتحاد الأوروبي وحلف ناتو، مع إعطاء الأولوية للمصالح الوطنية على حساب الالتزامات الجماعية.

لكن في الدنمارك وبين معظم القوى السياسية البرلمانية، يُنظر إلى الحرب الروسية-الأوكرانية باعتبارها نقطة تحول غيّرت قواعد النقاش. فروسيا لم تعد تُعامل فقط كمنافس جيوسياسي، بل كتهديد مباشر للأمن الأوروبي، وهو ما دفع كوبنهاغن إلى تعزيز دعمها العسكري لكييف وزيادة انخراطها داخل ناتو.

وعلى خلفية ما تقدم، يتجاوز لقاء ميسرشميت ودايكوفيتش حدود حادثة سياسية عابرة، ليكشف عن انقسام أعمق داخل اليمين الأوروبي نفسه: بين تيار يسعى إلى إعادة تعريف السياسة الخارجية على أساس السيادة الوطنية والابتعاد عن التحالفات التقليدية، وتيار يرى أن مواجهة روسيا ودعم أوكرانيا باتا اختباراً حاسماً لمستقبل الأمن الأوروبي والنظام الدولي القائم.