خاص | "الانتقالي الجنوبي" أراد تعليم موظفيه تجربة بناء أرض الصومال
استمع إلى الملخص
- الاستفادة من تجربة أرض الصومال: أرسل المجلس الانتقالي الجنوبي موظفين حكوميين إلى أرض الصومال للاطلاع على تجربته في بناء المؤسسات، رغم اختلاف الظروف بين اليمن وأرض الصومال، مع دعم إماراتي وإسرائيلي محتمل.
- خطط الانفصال والتعاون الدولي: يسعى المجلس الانتقالي الجنوبي، بمساعدة الإمارات، إلى الاستفادة من تجارب دولية في بناء المؤسسات ومكافحة الإرهاب، بهدف تحقيق الانفصال الكامل عن اليمن.
لم يكن إعلان التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن، فجر أمس الخميس، فرار رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي عيدروس الزبيدي إلى إقليم أرض الصومال الانفصالي، ومنه إلى الإمارات، مفاجئاً، لا سيما أن نسج خيوط العلاقة بين المجلس الانتقالي وأرض الصومال كان قد بدأ قبل فترة، وتخلله إرسال المجلس وفوداً إلى الإقليم الصومالي غير المعترف به دولياً تحت عنوان "الاستفادة من خبرات" الإقليم الذي يبحث منذ سنوات عن اعتراف دولي لم يجده إلا من إسرائيل. وروى مشاركون في هذه الزيارات، وبالتزامن مع تصاعد الأوضاع في جنوب اليمن، لـ"العربي الجديد"، تفاصيل زيارتهم والمسار الذي أخذوه وصولاً إلى أرض الصومال.
وتزامنت هذه الزيارات، بحسب الشهادات التي حصلت عليها "العربي الجديد"، مع الاستعدادات المتسارعة التي كان يجريها المجلس الانتقالي الجنوبي لإقامة "دولة الجنوب العربي" في سياق مساعيه للانفصال والعودة إلى ما كانت عليه الأوضاع قبل الوحدة اليمنية في عام 1990، وما تخلل هذا المسعى من سيطرة للمجلس على محافظتي حضرموت والمهرة، شرقي اليمن، أوائل ديسمبر/ كانون الأول الماضي، وهو ما استدعى تدخلاً سعودياً عسكرياً وسياسياً مباشراً، كان من نتائجه إنهاء الوجود العسكري الإماراتي المباشر في اليمن وتوجيه ضربات عسكرية لقوات المجلس الانتقالي، ما اضطره للانسحاب باتجاه عدن قبل أن تتسارع التطورات بفرار الزبيدي.
علاقة "الانتقالي الجنوبي" وأرض الصومال
تظهر الشهادات التي حصلت عليها "العربي الجديد" أنه بينما كان المجلس الانتقالي الجنوبي يوزع قواته على أكثر من محافظة لبسط سيطرته على كل محافظات الجنوب والتمدد نحو المحافظات الشرقية، كانت خطواته نحو بناء "مؤسسات الدولة" التي يسعى إليها سريعة الحركة أيضاً. وما كان ظاهراً للعلن هو الضغط الذي مارسه للحصول على مزيد من المناصب والوظائف في المرافق الحكومية اليمنية خصوصاً في سبتمبر/ أيلول الماضي عندما أصدر الزبيدي، متجاوزاً صلاحياته، قرارات بتعيين وكلاء لعدد من المحافظات الجنوبية، وهو ما استطاع أن "يشرعنه" تباعاً في الآونة الأخيرة التي سبقت تمرده عبر سلسلة قرارات أصدرها رئيس مجلس القيادة الرئاسي لاحتواء الأزمة وإرضاء الانتقالي شملت اعتماد هذه التعيينات. لكن حسب مصادر متعددة تحدثت لـ"العربي الجديد"، فإن المعضلة الرئيسية التي واجهها المجلس الانتقالي الجنوبي تمثلت في قلة الخبرة الإدارية لدى المحسوبين عليه، وعدم وجود خبرات تتعلق باتخاذ القرارات التي يفترض أنها كانت ستساعد "الانتقالي" على بناء "مؤسسات الدولة" في طريق محاولة فرض واقع الانفصال بعد اكتمال جميع الأركان.
المجلس الانتقالي وبمساعدة من الإمارات أرسل العديد من الموظفين في مؤسسات الدولة في عدن الموالين له إلى أرض الصومال
وفي هذا السياق، كشفت مصادر مطلعة على بعض مما كان يدور داخل المجلس الانتقالي الجنوبي أن الأخير، وبمساعدة من دولة الإمارات، أرسل العديد من الوفود التي تضم موظفين في المؤسسات الحكومية في عدن من الموالين له إلى إقليم أرض الصومال للاستفادة من تجربته والاطلاع على النقلة التي شهدها الإقليم بشكل متسارع تحضيراً للانفصال عن الدولة الصومالية، من خلال فرض الأمر الواقع وعبر التركيز على استغلال ضعف الدولة المركزية. وعلى الرغم من أن التجربة التي حاول المجلس الانتقالي الاستفادة منها مختلفة من حيث نتائجها وظروفها عن الواقع في اليمن، فيما أرض الصومال ما زال يبحث عمن يعترف به أفريقياً وعربياً ودولياً، إلا أن اختيار نموذج أرض الصومال في بناء المؤسسات جاء بحكم العلاقة والدور الإماراتي، إلى جانب الرهان على دعم إسرائيلي لاحق، حسب ما علمت "العربي الجديد" من مصادر خاصة. وكان أكثر من مسؤول في المجلس الانتقالي الجنوبي قد أشار علناً في الآونة الأخيرة إلى الانفتاح على العلاقة مع إسرائيل والحصول على دعمها. كما نقلت هيئة البث الإسرائيلية الرسمية "كان" قبل فترة أن المجلس الانتقالي الجنوبي يسعى إلى الحصول على دعم إسرائيلي. ونقلت "كان" عن مصدر دبلوماسي في المجلس قوله إنّ "دعم إسرائيل لإقامة دولة جنوب اليمن وعاصمتها عدن من شأنه تعزيز القدرات العسكرية والأمنية والاقتصادية للكيان المنشود"، مؤكداً وجود "أعداء مشتركين" للطرفَين.
وتمكنت "العربي الجديد" من الحديث إلى بعض الموظفين الذين زاروا أرض الصومال، ومن بين هؤلاء م.ع. الذي أكد لـ"العربي الجديد" أنه ذهب عبر طيران الخطوط الجوية الجيبوتية إلى جيبوتي، ومنها إلى الصومال، مع مجموعة من الموظفين في بعض المؤسسات والمرافق والمكاتب الحكومية الرسمية في عدن، قبل التوجه إلى أرض الصومال للاطلاع على البنية التحتية في بناء المؤسسات والمرافق الحكومية الخدمية، وذلك في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي. ووفقاً للمتحدث نفسه، هدفت الزيارة للاستفادة من طرق الإدارة الحديثة، وكذلك التقنيات والتكنولوجيا، إضافة إلى خطوات التنمية المتسارعة في أرض الصومال. وأضاف: "بقينا في أرض الصومال لما يقرب من شهر تنقلنا خلاله بين عدد من المناطق في الإقيلم وفي باقي مدن الصومال، بينها مدينة هرجيسا، عاصمة أرض الصومال، وبوراو (يقصد مدينة برعو في إقليم أرض الصومال)، إلى جانب بوصاصو وبربرة، وشاهدنا عن قرب التطور الذي حدث في هذه المدن". وأشار إلى أن الزيارة استمرت خمسة أسابيع، وكان عدد المشاركين فيها 17 شخصاً، وعادوا في شهر ديسمبر/ كانون الأول الماضي، مؤكداً أنهم اندهشوا فعلياً بالحركة النشطة والتنمية التي شهدها أرض الصومال، مؤكدا أنهم أيضاً مروا عبر دولة الصومال، وشاهدوا نمواً متصاعداً. وعما إذا كانت هناك مجموعات أخرى توجهت أيضاً إلى أرض الصومال، أكد أنه عندما كان في أرض الصومال علم أن مجموعة أخرى ذهبت قبلهم عبر البحر.
من جهته، قال أبو إسحاق لـ"العربي الجديد"، وهو شخص آخر أرسل إلى أرض الصوال: "لم نكن نعرف أي شيء عن أرض الصومال، وحتى عندما قيل لنا إننا سنذهب إلى هناك للاستفادة من تجربة الإقليم، كنا مستغربين لماذا اختاروا لنا الذهاب والاستفادة من هذه التجربة بدلاً من أن يأخذونا إلى دول شرق آسيا أو مناطق الخليج مثل دبي وغيرها". ومع ذلك، حسب أبو إسحاق، فإن "التجربة لم تكن سيئة، فقد شاهدنا في هرجيسا ما يمكن أن نستفيد منه، خصوصاً بعد التطور والتحول الذي حدث في بناء المؤسسات الحكومية وإدارتها والبنية التحتية، وكانت واضحة الجهود الإماراتية، سواء في العاصمة هرجيسا أو ميناء بربرة المطل على خليج عدن". وأضاف: "دخلنا إلى المؤسسات والمرافق الحكومية بما فيها الوزارات، واستمعنا إلى شرح مفصل من المؤسسات وبعض المسؤولين في أرض الصومال عن كيفية بناء مؤسسات مستقلة عن دولة الصومال، وصولاً إلى إنشاء حكومة مستقلة ورئيس دولة، ووجود كثير من الشركات وكيفية استقطاب وتوفير الفرص الاستثمارية، لا سيما في مجال التصنيع، وتنظيم القوانين والتشريعات الخاصة بأرض الصومال، إضافة لزيارة ميناء بربرة وميناء بوصاصو، والأخير لاحظنا فيه الدور الإماراتي".
وكانت مصادر قد أكدت لـ"العربي الجديد" أن من بين الذين ذهبوا إلى أرض الصومال مدراء إدارات ووكلاء وزارات حكومية، بينهم أيضاً موظفون في المؤسسات الخدمية حتى من موانئ عدن، وهم من عدة محافظات، لكن المصادر لم تفصح عن عدد الذين ذهبوا.
خطط "الانتقالي" للانفصال
في موازاة ذلك، كشف مصدر مقرب من المجلس الانتقالي، لـ"العربي الجديد"، أن "هناك برامج وخططاً كان يعدها المجلس، من تدريب وتأهيل واستفادة من تجارب الدول والحكومات التي مرت بظروفنا نفسها في اليمن، وتحديداً في الجنوب، وساعد الإماراتيون في ذلك في أكثر من بلد، لذلك فإن الهدف من الزيارات إلى أرض الصومال كان الاستفادة من التجربة في بناء المؤسسات والأجهزة الأمنية وفرق مكافحة الإرهاب". ووفقاً للمصدر نفسه، كانت بين الوفود "مجموعة من المنتمين إلى الأجهزة والتشكيلات الأمنية والعسكرية" لكن لم تتمكن "العربي الجديد" من الوصول لأي من الأمنيين الذين شاركوا في الزيارات. وبحسب المصدر، فإن "الهدف ليس الاستفادة فقط من تجربة أرض الصومال بل أكثر من بلد خصوصاً في ما يخص مكافحة الإرهاب".
مصدر مقرب من "الانتقالي": الهدف من الزيارات إلى أرض الصومال كان الاستفادة من التجربة في بناء المؤسسات والأجهزة الأمنية وفرق مكافحة الإرهاب
من جهة ثانية، قالت مصادر سياسية مقربة من المجلس الانتقالي الجنوبي، لـ"العربي الجديد"، إن المجلس الانتقالي الجنوبي، وقبل تفجر الموقف العسكري والسياسي في الآونة الأخيرة، كان قد "استعان بشركات علاقات عامة دولية بمساعدة أبوظبي، لرسم خريطة طريق ورؤية واضحة تساعده في التأسيس لخطوات صحيحة في بناء مؤسسات دولة الجنوب، بالتزامن مع الخطوات والإجراءات التي تساعده في فرض واقع الانفصال على كل الأصعدة، من خلال الاستفادة من العديد من النماذج والتجارب حول العالم أو منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ومن بينها النموذج الكردي (في إشارة إلى تجربة إقليم كردستان في العراق)، وكذلك جنوب السودان إلى جانب أرض الصومال".