- شهدت الجزائر تطورات أمنية وسياسية دفعتها لإعادة النظر في استراتيجياتها الأمنية، خاصة بعد أحداث مثل الهجوم الإرهابي على "تيقنتورين" وسيطرة المجموعات المسلحة على شمال مالي.
- قرار الجزائر بإرسال وحدة عسكرية إلى النيجر يعكس تحولًا في إدارة الأمن القومي، رغم عدم تغيير العقيدة العسكرية، بسبب التحديات الأمنية والاقتصادية في منطقة الساحل والصحراء.
يذكر الرئيس الموريتاني الراحل المختار ولد دادة في مذكراته أنه زار الجزائر في أغسطس/آب 1974، وجرى الاتفاق مع الرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين على "وضع وحدات جزائرية في تندوف في حالة استنفار دون أن تعلن أسباب ذلك. وتكون هذه الفرق مستعدة للدخول إلى موريتانيا عند أول إشارة منّا، ويكون بومدين نفسه في تندوف يوم 28 نوفمبر/تشرين الثاني 1974 بانتظار الإشارة المحتملة للقيام بأية عملية ضرورية" لمنع أي تحرك للقوات الفرنسية بعد إعلان نواكشوط تأميم شركة المناجم "مفيرما" التي كانت تحت السيطرة الفرنسية.
تحيل هذه القصة السياسية، والمبكرة جداً مقارنة مع عمر الجزائر المستقلة في تلك الفترة (12 سنة)، إلى أن فكرة الدفاع عن الأمن القومي إلى ما بعد الحدود، ليست فكرة جديدة بالنسبة للجزائر، قياساً بقرار الجزائر (الاثنين الماضي) إرسال وحدة عسكرية جوية إلى النيجر لدعم تثبيت الاستقرار في هذا البلد الجار، حتى وإن كانت المسارات التي شهدتها الجزائر منذ منتصف ثمانينيات القرن الماضي، والأزمات المتعاقبة، بما فيها المحنة الأمنية في التسعينيات حتى بداية الألفية الجديدة، دفعت إلى انكفاء هذه الفكرة داخل الحدود، تحت إكراهات متعددة، خاصة مع مشكلات لوجستية كان يعاني منها الجيش الجزائري بفعل الموازنات المحدودة سابقاً.
ثمة ثلاثة أحداث مركزية يُعتقد أنها كانت حافزاً مبكراً بالنسبة للجزائر للتفكير في تغيير حدود معادلة الأمن القومي من الناحيتين السياسية والعملية. وقد استغرق الخروج من مربع الانكفاء الأمني عقداً كاملاً. حادث الهجوم الإرهابي الكبير في يناير/كانون الثاني 2013 على منشأة الغاز "تيقنتورين"، والذي انطلق من خارج حدود الجزائر، وكبّد البلاد كلفة بالغة، وقبل ذلك واقعة سيطرة المجموعات المسلحة على مناطق شمال مالي القريبة من الحدود الجزائرية، فاقم الأعباء الأمنية على الجزائر إزاء حدود مفتوحة ورخوة على كامل دول الساحل، ثم الأزمة الليبية التي ألقت بثقلها الكبير على الجزائر خاصة فيما يتعلق بانتشار السلاح وممرات التهريب والهجرة وغيرها.
ليست الجزائر بصدد تغيير في العقيدة العسكرية التي يحكمها ضابط عدم التدخل، لكن ما يعتقد أنه بصدد التغيير والتحول هو إدارة هذا الضابط.
جملة واحدة تكررت في مجموع التقديرات السياسية لقرار الجزائر الاستجابة الفورية لطلب إسناد عسكري في النيجر، أن الجزائر تأخرت كثيراً في مراجعة المحددات العملية للأمن القومي. والحقيقة أن ما تأخر ليست المراجعة، وإنما الظرفية المناسبة. يجب عدم تجاهل أن الفترة بين 2013 و2019، كانت فترة اضطراب مؤسساتي داخلي في الجزائر، بسبب مرض الرئيس عبد العزيز بوتفليقة وعدم قدرته الكاملة على إدارة شؤون البلاد بسبب ذلك، ومثل هذه الظروف لم تكن مناسبة لتنفيذ أي تحول عملي في المنظور الأمني للبلاد.
لكل خطوة محاذيرها الواجبة. في منطقة مثل الساحل والصحراء، ذات الرمال المتحركة والثروات المغرية والأيدي المتكالبة والمطامح الأمنية المتداخلة بحدة، والمتصادمة مع صعود الروح القومية الأفريقية في دول الساحل، وذات الهشاشة البالغة للدولة الوطنية في بلدان الساحل والبنية الأمنية الضعيفة، تصبح أي خطوة بما فيها المتغير العسكري الجزائري، بالغة الحذر ومحمولة على مخاطر عدة، خاصة مع تلاشي الحدود وتعدد المتدخلين في الساحل، وتراجع خطوط الجغرافيا التي لم تعد وحدها من تمنح شرعية الحضور السياسي والأمني والعسكري ومشروعيته.