روسيا تصعّد هجماتها ضد أوكرانيا بعد زيارة راتكليف إلى موسكو

02 سبتمبر 2026   |  آخر تحديث: 04:03 (توقيت القدس)
آثار الهجمات الروسية على بوريسبيل ـ كييف، 1 سبتمبر 2026 (رويترز)
+ الخط -
اظهر الملخص
- شهدت أوكرانيا تصعيدًا في الضربات الجوية الروسية، حيث ألغى بوتين اجتماعًا مع مدير الاستخبارات الأميركية بعد تقرير عن زيارة الأخير لموسكو لحث روسيا على إنهاء الحرب.
- تواصلت الهجمات الروسية المكثفة باستخدام طائرات مسيرة وصواريخ، مما أدى إلى مقتل 12 شخصًا في كييف، ودعت أوكرانيا حلفاءها لزيادة الضغط الاقتصادي وتزويدها بالدفاعات الجوية.
- استغلت روسيا عجز أوكرانيا عن تطوير أساليب لإسقاط "المسيرات النفاثة"، مما أدى إلى تكثيف استخدامها، ويتوقع استمرار الهجمات حتى الانتخابات البرلمانية الروسية.

في مؤشر إلى واحد من أهم أهداف تصعيد الضربات الجوية الروسية على أوكرانيا في الأيام الستة الماضية، نقل موقع أغينتسفو الروسي (مستقل) عن مصدر أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ألغى اجتماعاً كان مقرراً مع مدير الاستخبارات المركزية الأميركية "سي آي إيه" جون راتكليف، بعد تلقيه تقريراً أُطلع فيه على هدف الزيارة المفاجئة للمسؤول الأميركي إلى موسكو في 25 أغسطس/آب الماضي. وذكر المصدر المقرب من الكرملين، بحسب "أغينتسفو"، أن راتكليف حضر إلى موسكو لحضّ القيادة الروسية على التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب في أوكرانيا في أسرع وقت ممكن، لأنه يعتقد أن الوضع العسكري والاقتصادي لروسيا يتدهور، وأن التوصل إلى اتفاق الآن أكثر فائدة للكرملين من انتظار المزيد من الضعف. وكان راتكليف التقى رئيس جهاز الاستخبارات الخارجية الروسية سيرغي ناريشكين ورئيس هيئة الأمن الفيدرالي الروسي ألكسندر بورتنيكوف، وبعدما نُقلت تفاصيل أحد هذين الاجتماعين إلى بوتين، ألغى الكرملين اجتماعاً شخصياً بين الرئيس الروسي وراتكليف رغم تخصيص وقت له سابقاً في جدول بوتين.

ستة أيام من الهجمات على أوكرانيا

وبحسب مصدر "أغينتسفو" فإن "رسالة راتكليف لنظرائه الروس بدت كأن (الرئيس الأوكراني فولوديمير) زيلينسكي يقف بالفعل على تلال بوكلونايا (تلال في غرب موسكو تقع عليها حديقة النصر)، يُحدّق في الكرملين عبر منظار". وأضاف: "الجميع يعلم أن الأمر ليس كذلك. يبدو أن راتكليف قد أخطأ العنوان". والأرجح أن الضربات الروسية المكثفة والمتواصلة على أوكرانيا منذ الخميس الماضي، تعدّ جواباً واضحاً على أن روسيا لم تفقد المبادرة، وأن لديها أوراقاً قوية لم تستخدمها بشكل كامل. في السياق، أفادت السلطات الأوكرانية، أمس الثلاثاء، بأن غارات جوية روسية أسفرت عن مقتل 12 على الأقل وإصابة كثيرين في كييف والمناطق المحيطة بها، وذلك في سادس يوم على التوالي من الهجمات على العاصمة الأوكرانية.


"أغنيتسفو": رسالة راتكليف لنظرائه الروس بدت كأن زيلينسكي يقف بالفعل على تلال بوكلونايا في غرب موسكو يُحدّق في الكرملين عبر منظار

وقال زيلينسكي إن ثمة هندياً بين من قتلوا في أوكرانيا، مضيفاً عبر منصة إكس، أمس الثلاثاء، وإن الهجوم خلال الليل شمل "عدداً كبيراً" من الطائرات المسيرة النفاثة والصواريخ الباليستية. وذكر أندريه سيبيغا؛ وزير الخارجية الأوكراني، أمس الثلاثاء، أن طائرات مسيّرة وصواريخ باليستية روسية استهدفت مناطق سكنية وبنية تحتية للسكك الحديدية في الهجمات العنيفة. ودعا سيبيغا حلفاء أوكرانيا إلى زيادة الضغط الاقتصادي على روسيا، واستئناف الحوار حول استخدام الأصول الروسية المجمدة في الخارج لتمويل المجهود الحربي الأوكراني. وأضاف في منشور على منصة إكس، أنه "حان الوقت للكرملين ليعرف أن محاكاة الدبلوماسية فحسب أمر لم يعد يفلح". وحث حلفاء بلاده على تزويدها بالمزيد من الدفاعات الجوية، في وقت ينخفض فيه بشدة ما لديها من صواريخ الاعتراض من طراز باتريوت التي يمكنها اعتراض سبيل صواريخ باليستية روسية.

وأعلنت القوات الجوية الأوكرانية، أمس الثلاثاء، أنها تمكنت من إسقاط خمسة صواريخ باليستية، مشيرة إلى أن روسيا شنّت هجوماً على أوكرانيا باستخدام صواريخ باليستية، وصواريخ تسيركون المضادة للسفن وصواريخ كاليبر كروز، إضافة إلى 218 مسيرة، من ضمنها مسيرات "بانديرول" النفاثة. وذكر البيان أن الأهداف الرئيسة للهجمات الكثيفة تركزت في كييف وأوديسا ومحيطهما. وكما درجت العادة منذ منتصف الشهر الماضي، لم يحدد البيان عدد الصواريخ بدقة، ولكنه ذكر أن خمسة صواريخ باليستية، وخمسة صواريخ كروز، و187 طائرة مسيرة قد أُسقطت، وأن الضربات الروسية أصابت 28 موقعاً في أوكرانيا. وبحساب بسيط فإن نسبة إسقاط المسيّرات وصلت إلى 81% بحسب البيان، ما يمثل تراجعاً كبيراً. كذلك استهدفت الضربات الروسية معبراً حدودياً مع رومانيا؛ العضو في حلف شمال الأطلسي "ناتو"، في منطقة أوديسا المطلة على البحر الأسود. كما أعلنت وزارة الدفاع الروسية عن ضربة واسعة النطاق على كييف ومنطقتي كييف وأوديسا، وذكرت أن المجمعات الصناعية العسكرية ومنشآت الوقود والطاقة والموانئ كانت أهدافاً.


يراهن المجمع الصناعي الأوكراني على الانتهاء من إنتاج المسيرات الاعتراضية المناسبة بحلول شهر أكتوبر/تشرين الأول المقبل

وشهدت كييف منذ 27 أغسطس الماضي هجمات متواصلة بالمسيرات والصواريخ على مدار الساعة. وبعدما كانت صافرات الإنذار تدوي مرة أو مرتين، فإنها باتت تدوي أكثر من عشر مرات في الأيام الماضية. وتسببت الضربات في قسم كييف إلى جزأين، وتوقفت حركة المترو بين الضفتين اليسرى واليمنى لنهر دنيبر، وتراجعت حركة النقل بالسيارات والحافلات بسبب توقف الحركة على الجسور أثناء الهجمات، ما عطّل العمل في كثير من المؤسسات والمصانع. كما اضطرت مراكز التسوق والمتاجر إلى إغلاق أبوابها لساعات طويلة بسبب بروتوكولات السلامة. وعمّق إغلاق المتاجر أزمة الوصول إلى الاحتياجات الأساسية بعد النقص الكبير على خلفية استهداف الضربات الروسية قطاع اللوجستيات، وتضرر عشرات المستودعات التابعة لسلاسل متاجر التجزئة الكبرى بالقرب من كييف، ما أدى إلى نقص في بعض المنتجات في متاجر العاصمة.

وكشفت الهجمات الأخيرة أن الجيش الروسي استغل عجز الجانب الأوكراني عن تطوير أساليب جديدة لإسقاط "المسيرات النفاثة"، وكثف استخدامها لانتهاز هذه الفرصة والتأكيد على أنه ما زال يملك اليد العليا في الحرب، حتى من دون الاستخدام الكثيف للصواريخ الباليستية. وذكر المتحدث باسم القوات الجوية الأوكرانية العقيد يوري إهنات، أمس الثلاثاء، أن روسيا استخدمت 1500 طائرة مسيّرة لمهاجمة أوكرانيا في الأيام الماضية، أكثر من 800 منها تعمل بمحركات نفاثة. وكانت معظمها تحلق باتجاه كييف تحديداً. وفي وقت سابق، قدرت الاستخبارات العسكرية الأوكرانية إجمالي حجم إنتاج الطائرات المسيرة النفاثة في روسيا بحدود 3000 وحدة شهرياً. ويمكن هذا الانتاج روسيا من إطلاق 100 مسيرة نفاثة يومياً.

وحسب العقيد إهنات، فإن روسيا لا تخزن هذه المسيرات وتسرع عملية إيصالها إلى منصات الاطلاق من أجل انتهاز فرصة عجز أوكرانيا عن إسقاطها، لإلحاق أكبر قدر ممكن الاصابات. وأضاف في لقاء صحافي مساء الاثنين: "نتفهم أن هدف العدو ليس مجرد ترهيب سكان كييف وإضعاف معنوياتهم، بل أيضاً توجيه كل مسيرة، سواءً كان نفاثة أو تقليدية، نحو هدف محدد. قد يكون هذا الهدف مركزاً لوجستياً أو مركزاً تجارياً، حيث يوجد الناس العاديون ولا توجد أي عمليات إنتاج عسكري". ولم يستبعد العقيد إهنات أن تستخدم المسيرات الروسية شبكات الاتصالات البيلاروسية للتحليق وضرب أهداف في أوكرانيا. وأشار إلى أن الطائرات لا تحلق مباشرة، بل تحلق على أقرب مسافة ممكنة من الحدود البيلاروسية. وأبدى اعتقاده بأن هذا يسمح للطائرات المسيّرة بالاتصال بشبكات الهاتف المحمول في بيلاروسيا، ما يعني إمكانية التحكم بها عبر الإنترنت.

وإضافة إلى زيادة المسيرات النفاثة المستخدمة في الهجمات، غيّر الجيش الروسي تكتيكاته. وأشار سيرغي بيسكريستنوف؛ المعروف باسم "فلاش"، مستشار الرئيس فولوديمير زيلينسكي في القضايا التقنية، إلى أن روسيا زادت تدريجياً من استخدام المسيرات النفاثة منذ مطلع الصيف الحالي. وفي يونيو/ حزيران الماضي أطلقت نحو 300 مسيرة، وفي يوليو/ تموز الماضي تضاعف العدد خمسة أضعاف إلى 1500، وفي الشهر الماضي أطلقت 2500 مسيرة من هذا النوع. وأشار بيسكريستنوف، في تصريحات مساء الاثنين، إلى أن روسيا باتت تُطلق أعداداً أقل من المسيرات تراوح بين ثلاث وعشر مسيرات، ولكن بوتيرة أسرع؛ كل نصف ساعة تقريباً، موضحاً أن معظم المسيرات النفاثة تنطلق باتجاه كييف من مناطق بريانسك وكورسك وأوريول الروسية، ما يعني أنها تقطع مسافة تراوح بين 300 و600 كيلومتر تقريباً للوصول إلى العاصمة الأوكرانية.

وتتميز المسيرات النفاثة بسرعتها العالية وارتفاعها العالي مقارنة بمسيرات "غيران" التي طوّرتها روسيا اعتماداً على مسيرات "شاهد" الإيرانية، ما يجعلها قادرة على تجاوز الدفاعات الجوية الأوكرانية. وتحلّق المسيرات الروسية النفاثة من نوع "بانديرول" على ارتفاع يتراوح بين 3.5 و5 كيلومترات، وتضاعف سرعتها مرتين أو ثلاث مرات لتصل إلى ما بين 600 و650 كيلومتراً في الساعة، ما يصعب عملية إسقاطها باستخدام المسيرات الاعتراضية الأوكرانية؛ المصممة لمواجهة طائرات شاهد التي تحلق بسرعة تتراوح بين 180 و200 كيلومتراً في الساعة. ورغم عددها الصغير نسبياً، فإن الضرر الذي تلحقه "بانديرول" مدمّر. وذكرت القوات الجوية الأوكرانية أن 88% من المسيرات، ومن ضمنها النفاثة، أسقطت في 27 أغسطس الماضي، و79% في ليلة 31 أغسطس. وواضح أن هذا المؤشر أقل بكثير مما كان عليه الوضع في شتاء وربيع العام الحالي، وحينها ذكرت تقارير الجيش الأوكراني أن نسبة إسقاط المسيرات تراوحت بين 95 و98%.


توقع بودانوف أن يواصل الجيش الروسي "إرهابه الجوي" ضد كييف حتى الانتخابات البرلمانية في روسيا، أي في الفترة من 18 إلى 20 سبتمبر/أيلول الحالي

وبعد تأخرها في إنتاج مسيرات اعتراضية لمواجهة "المسيرات النفاثة"، يعمل المصنّعون الأوكرانيون جاهدين على الإسراع. ووفقاً لوزير الدفاع يفغيني خمارا، يوجد أربعة نماذج أوليّة من الطائرات الاعتراضية، رغم أنها لم تُكمل اختباراتها الميدانية إلا أخيراً، ولا يزال إنتاجها بحاجة إلى زيادة. وقال العميد بافلو باليسا، نائب رئيس مكتب الرئاسة، إن الطائرات المسيّرة الاعتراضية الجديدة "لا تُظهر الفعالية المتوقعة" ضد المسيرات النفاثة. وبانتظار إنتاج المسيرات الاعتراضية القادرة على اعتراض المسيرات النفاثة، تنتهز روسيا الفرصة وتطلق أعداداً متزايدة منها، ولا تملك أوكرانيا سوى الاعتماد على طائراتها المقاتلة، ومشغلي أنظمة الدفاع الجوي المحمولة، وأنظمة الصواريخ المضادة للطائرات المتنقلة لتدميرها. وفي الوقت ذاته يعمل الجيش الأوكراني على استهداف مستودعات ومواقع إطلاق المسيرات، ومنذ أيام تضرر موقع قرب قرية تسيمبولوفا في مقاطعة أوريول، جراء غارة جوية شنتها أوكرانيا. ويراهن المجمع الصناعي الأوكراني على الانتهاء من إنتاج المسيرات الاعتراضية المناسبة بحلول شهر أكتوبر/تشرين الأول المقبل.

سعي روسي إلى "صورة النصر"

وتوقع كيريلو بودانوف؛ رئيس مكتب الرئاسة الأوكرانية، أن يواصل الجيش الروسي "إرهابه الجوي" ضد كييف على الأقل حتى الانتخابات البرلمانية في روسيا، أي في الفترة من 18 إلى 20 سبتمبر/أيلول الحالي. وذكر أن هذا الاستهداف يسمح للسلطات الروسية بتقديم "صورة رائعة للنصر لناخبيها، وهو ما لا يشعرون به في ساحة المعركة". وبعيداً عن الأسباب التقنية، فإن الجانب الروسي يشعر بارتياح من موقف معظم القوى الدولية التي لا تمارس ضغوطاً على روسيا في حال استخدام روسيا الوسائل التقليدية، وتشدد على أن الخط الأحمر يكمن في استخدام الأسلحة النووية.

وفيما تضعف الآثار المدمرة للمسيرات النفاثة الروسية على أوكرانيا الروح المعنوية للأوكرانيين، وربما التفكير في اللجوء إلى ـوروبا قبل حلول الشتاء المقبل، فإن هذه الضربات ترفع الروح المعنوية للروس، وتساعد بوتين وحزبه على ترميم شعبيتهما، والفوز في الانتخابات البرلمانية المقبلة. ومن غير المستبعد أن تسهم الضربات الروسية في زيادة النقمة الشعبية على زيلينسكي لإصراره على إقالة وزير الدفاع السابق ميخايلو فيودوروف الذي قاد عملية تحديث جيش المسيرات الأوكراني. وأخيراً، فإن انشغال الولايات المتحدة في حربها على إيران، وعدم توجيه انتقادات قوية للضربات الروسية، ربما يشكل ضوء أخضر لروسيا لتغيير الوضع الميداني وإجبار أوكرانيا على تليين مواقفها، قبل العودة لاستئناف جهود الوساطة المتوقفة منذ فبراير/ شباط الماضي.