روسيا في سورية ما بعد الأسد: براغماتية المصالح أولاً
استمع إلى الملخص
- حققت روسيا مكاسب جيوسياسية كبيرة، مثل استخدام قاعدتي طرطوس وحميميم وتجريب الأسلحة، مع ارتكاب انتهاكات واسعة وحماية النظام السوري في مجلس الأمن.
- بعد سقوط نظام الأسد في 2024، تسعى روسيا لضمان مصالحها مع السلطات الجديدة، مع استمرار وجودها العسكري وتوجه العلاقات نحو الشراكة والتركيز على المصالح المتبادلة.
في مثل هذا اليوم قبل عشر سنوات، أي في 30 سبتمبر/أيلول 2015، بدأت روسيا تدخلها العسكري المباشر في سورية، في أول عملية عسكرية قادتها خارج فضاء الاتحاد السوفييتي السابق منذ تفكّكه في عام 1991، وحيث رسّخت روسيا في سورية وجوداً طويل الأجل في شرق المتوسط امتد إلى ما بعد سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024 وتحوله إلى لاجئ لديها، وسط مساعٍ روسية حثيثة لإقامة علاقات براغماتية تحكمها المصالح مع القيادة السورية الجديدة، وهو ما يبدو أنه بدأ يتحقق مع الزيارات المتبادلة للمسؤولين السوريين والروس، وترقب لزيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى روسيا للمشاركة في القمّة العربية الروسية التي تعقد في شهر أكتوبر/تشرين الأول المقبل.
وفي 30 سبتمبر 2015، تصدرت العمليات الروسية في سورية عناوين وسائل الإعلام العالمية، بعد موافقة مجلس الاتحاد (الشيوخ) الروسي بالإجماع على طلب الرئيس فلاديمير بوتين استخدام القوات المسلّحة في الخارج، لدعم قوات الأسد في مواجهة فصائل المعارضة المسلحة.
عند بدء روسيا تدخلها العسكري، لم يكن نظام الأسد يسيطر سوى على 20% من أراضي البلاد، ولكن الوضع تغيّر جذرياً خلال السنوات التالية، إلى حد أن النظام لم يتمكن من استعادة السيطرة على الجزء الأكبر من الأراضي فحسب، بل استطاع أيضاً تغيير مواقف خصومه الإقليميين، وفي مقدمتهم تركيا وقطر والسعودية التي لم تعد جميعاً تطالب بتنحيه الفوري عن السلطة وصولاً إلى عودة سورية إلى جامعة الدول العربية في عام 2023.
عملت روسيا على شلِّ مجلس الأمن تجاه مساءلة النظام السوري
ومع ذلك، لم تُمارس روسيا في سورية الضغط الكافي على الأسد للبحث عن حلّ سياسي للأزمة السورية عبر إجراء إصلاحات سياسية، وسط تردي الأوضاع الاقتصادية، لا سيّما بعد اعتماد قانون العقوبات الأميركي (قانون قيصر)، الذي دخل حيّز التنفيذ في منتصف عام 2020 وشكّل قاعدة لفرض عقوبات ضد الدول والشركات المتعاونة مع نظام الأسد، ما عجّل اضمحلال النظام وسقوطه.
في المقابل، حققت روسيا في سورية لنفسها مجموعة من المكاسب الجيوسياسية مقابل تعويم الأسد، بما فيها تسلّمها قاعدتَي طرطوس البحرية وحميميم الجوية للاستخدام المجاني لمدة 49 عاماً.
وعلاوة على ذلك، استغلت روسيا في سورية تدخلها في هذا البلد لتحويله إلى ساحة تجارب للأسلحة والتدريب، قبل أن تشنّ حربها على أوكرانيا في فبراير/شباط 2022، بما في ذلك اختبار مجموعة من أحدث المعدات العسكرية والأسلحة للمرة الأولى في ظروف القتال، ومنها صواريخ كاليبر المجنحة، والقاذفات الاستراتيجية "تو-95 إم إس" و"تو-160" المعروفة باسم "البجعة البيضاء".
روسيا في سورية خلال عقد
وفي وقت لم تتكبّد فيه خسائر فادحة في صفوف قواتها نتيجة للتوغل البرّي المحدود لقوات الجيش والاعتماد على مرتزقة شركة فاغنر العسكرية الخاصة، إلّا أنه على مدى عقد كامل من التدخل الروسي لصالح الأسد، ارتكبت القوات الروسية العديد من الانتهاكات. وفي السياق، أصدرت الشبكة السورية لحقوق الإنسان في 30 سبتمبر 2024 تقريرها السنوي التاسع الذي وثقت فيه أبرز انتهاكات القوات الروسية منذ بدء تدخلها العسكري في سورية، مشيرة فيه إلى أن القوات الروسية تسببت "بمقتل 6969 مدنياً بينهم 2055 طفلاً و983 سيدة (أنثى بالغة)، وما لا يقل عن 362 مجزرة". وأظهر تحليل البيانات أن العام الأول للتدخل الروسي (2015-2016) شهد أعلى معدل للضحايا، إذ بلغ العدد الإجمالي 3564 مدنياً، وهو ما يمثل حوالى 51% من إجمالي الضحايا خلال السنوات التسع. وسجلت محافظة حلب الحصيلة الأعلى من الضحايا (قرابة 41%) بين المحافظات السورية، تلتها إدلب (قرابة 38%).
وقال مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني، في بيان، بالتزامن مع صدور التقرير يومها، إنه "على الرغم من آلاف الانتهاكات التي قامت بها روسيا في سورية فإنها لم تفتح تحقيقاً واحداً بانتهاك قواتها، ومحاسبة أي قائد عن قصف المشافي والأسواق والمدارس، بل إنها تنكر التقارير الموثقة كافّة، وتتهمها بالتزوير والتضليل، وتنحدر بذلك إلى مستوى يماثل النظام السوري. يجب على روسيا تحمل مسؤولياتها القانونية، وفتح تحقيقات جدية، والبدء بتعويض الضحايا".
وتحدَّث التقرير عن مساهمة التدخل العسكري الروسي باستعادة النظام السوري السيطرة على مساحات واسعة من الأراضي السورية بعد أن كانت قد خرجت عن سيطرته في الفترة بين 2011 – 2015، إضافة إلى أنّ دعم روسيا في سورية للنظام لم يتوقف بل امتدّ ليشملَ مختلف المجالات، بما في ذلك تبرير استخدام النظام السوري للأسلحة الكيميائية، والتشكيك في تقارير منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، واستغلال المساعدات الإنسانية العابرة للحدود، وتسخير وسائل الإعلام في البروباغندا (الدعاية) لصالح النظام السوري، وتحسين صورة انتهاكاتها، كما تجسد دعم روسيا السياسي لنظام الأسد في الوقوف ضد أي إدانة دولية للنظام السوري في مجلس الأمن، إذ عملت روسيا على شلِّ مجلس الأمن تجاه مساءلة النظام السوري عن الجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبها، وذلك مِن خلال استخدام الفيتو 18 مرة، منها أربع مرات استُخدمت قبل التدخل العسكري، و14 مرة استُخدمت بعد تدخلها العسكري المباشر في سورية عام 2015، ما يشير إلى تورطها في ارتكاب انتهاكات واسعة إلى جانب النظام السوري، ورغبتها في حماية نفسها من أي إحالة إلى المحكمة الجنائية الدولية، إضافة إلى تصويتها في جميع دورات مجلس حقوق الإنسان أي 21 مرة، ضد كلّ القرارات التي من شأنها أن تدين العنف والوحشية التي يتعامل بها النظام السوري مع مخالفيه، بل وحشدت الدول الحليفة لها مثل: الجزائر وفنزويلا وكوبا وغيرها للتصويت لصالح النظام السوري.
وعلى الرغم من رهانها على الأسد ومنحه حقّ اللجوء بعد سقوطه والتمسك برفض تسليمه، إلّا أن روسيا عقب سقوطه استطاعت ضمان مصالحها مع السلطات السورية الجديدة من جهة استمرار الوجود العسكري الروسي في الساحل السوري والعودة إلى مطار القامشلي، في موازاة سعي موسكو ودمشق لبدء صفحة جديدة على البياض وسلسلة من الزيارات رفيعة المستوى وترقب أول زيارة سيجريها الرئيس السوري للمرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، إلى موسكو للمشاركة في أول قمة روسية عربية في منتصف أكتوبر المقبل.
يذكر أن وفداً سورياً كبيراً ضمّ شخصيات في الحكومة السورية زار موسكو في 31 يوليو/تموز الماضي. وترأس الوفد وزير الخارجية أسعد الشيباني، الذي التقى هناك بوتين، وضمّ الوفد وزير الدفاع مرهف أبو قصرة، ورئيس الاستخبارات السورية حسين سلامة.
وكان الشرع قد أكّد في مقابلة مع قناة الإخبارية السورية، بثّت في 12 سبتمبر الحالي، أن "روسيا دولة مهمة في العالم، وتعتبر ثاني أقوى دولة في العالم تقريباً، وهي دولة عضو في مجلس الأمن، وهناك روابط وثيقة ما بين سورية وروسيا ولدت منذ نشأة سورية في عام 1946، ولذلك فإنّ الكثير من الأمور داخل الدولة السورية، لا ينبغي العبث في بنية الدولة من داخلها، وإذا أردنا أن نحوّل بعض المسارات يجب أن تحول ضمن استراتيجية هادفة، وألّا تكون هناك ردّات فعل في إدارة المشهد السوري، سورية لديها ارتباطات في الطاقة ولديها ارتباطات في الغذاء والسلاح، لديها ارتباطات متعددة مع روسيا سابقاً، ورثناها نحن تلقائياً، فينبغي الحفاظ عليها وإدارتها بطريقة هادئة ورزينة، خصوصاً أن سورية عليها عقوبات كثيرة ومتعددة، منها مرتبط في مجلس الأمن وروسيا تملك مقعداً دائماً في مجلس الأمن وصوتها يجب أن يكون هادفاً، كما أن روسيا دولة قوية ومن مصلحة سورية أن تكون لديها علاقات هادئة مع روسيا".
محمود الحمزة: موسكو ودمشق تحت قيادة السلطات السورية الجديدة قادرتان اليوم على بناء علاقات الشراكة
إعلاء المصالح الروسية
بعد مرور عقد على بدء التدخل الروسي المباشر في سورية الذي تحل ذكراه العاشرة اليوم الثلاثاء، يجزم كبير الباحثين في معهد الاستشراق التابع لأكاديمية العلوم الروسية، فلاديمير أحمدوف، أن موسكو لم تتدخل في سورية تمسكاً بالأسد بقدر ما كان سعياً منها للدفاع عن المصالح الجيوسياسية الروسية، متوقعاً استمراراً لتطور العلاقات مع السلطات السورية الجديدة، ولا سيّما بعد الزيارة المرتقبة للشرع إلى موسكو.
ويقول أحمدوف الذي يحمل درجة الدكتوراه في علوم التاريخ، في حديث لـ"العربي الجديد": "بعد مرور عشر سنوات، ومن خلال المتابعة لكيفية تعامل روسيا مع الواقع السوري الجديد، يمكن الجزم بأن التدخل العسكري الروسي في سورية لم يكن بهدف دعم الأسد، وإنما من أجل حماية المصالح الروسية في الشرق الأوسط وعلى الساحة الدولية عموماً، انطلاقاً من الرفض للمساعي الغربية لإسقاط نظم سياسية صديقة لروسيا وزرع أخرى معادية لها وفق نموذج إسقاط العقيد الليبي معمر القذافي، واغتياله في عام 2011".
وحول رؤيته للموقف الروسي في الأيام الأخيرة ما قبل سقوط نظام الأسد، يضيف: "بعد هجوم هيئة تحرير الشام على حلب في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، جرى استدعاء الأسد إلى موسكو في زيارة غير معلنة لإبلاغه بضرورة بدء العملية السياسية، كما أحجمت روسيا عن توفير غطاء جوي للمليشيات الإيرانية والعراقية التي كان يمكنها دعم النظام الآيل للسقوط وإطالة عمره".
طي صفحة الماضي
يُرجع الأكاديمي السوري المقيم في موسكو، محمود الحمزة، هو الآخر، قرار التدخل الروسي في سورية قبل عشر سنوات، إلى دوافع ترسيخ الوجود العسكري الدائم في المتوسط، مؤكداً في الوقت ذاته أن موسكو ودمشق تحت قيادة السلطات السورية الجديدة قادرتان اليوم على بناء علاقات الشراكة وطيّ صفحة الماضي، انطلاقاً من اعتبارات براغماتية ودوافع المصالح المتبادلة.
ويقول الحمزة الذي عارض نظام الأسد من موسكو منذ عام 2011، في حديث لـ"العربي الجديد": "كان التدخل العسكري الروسي بالأساس لحماية نظام الأسد رغم أنه ارتكب جرائم ضد الشعب السوري وجرائم حرب باستخدامه السلاح الكيميائي في الغوطة الشرقية عام 2013، ولكن موسكو رأت حينها أن مصالحها في المنطقة تقتضي دعم الأسد مقابل ترسيخ وجود قاعدتي طرطوس وحميميم في الساحل السوري، ولولا التدخل الروسي لسقط النظام في 2015".
كيريل سيميونوف: بعد تعزيز مواقعه، بات الأسد يصدر إشارات مفادها أنه غير مدين لروسيا بشيء
ويرى الحمزة أن سقوط نظام الأسد في نهاية العام الماضي أربك حسابات موسكو، مضيفاً أن "سقوط الأسد شكّل هزيمة جيوسياسية استراتيجية لروسيا وحدثاً أثّر سلباً على مصالحها بوضعها خارج المشهد السوري، وإن كانت هناك مؤشرات تؤكد أن التنسيق بين الضباط الروس وفصائل المعارضة آنذاك بدأ منذ سقوط حلب، فامتنعت روسيا في سورية عن قصف الفصائل أثناء زحفها صوب دمشق وربما تكون ضغطت أيضاً على ضباط بنظام الأسد حتى يتوقفوا عن المقاومة والقتال، كما لم تسمح روسيا لإيران بإرسال قوات دعم للنظام عبر قاعدة حميميم".
وحول رؤيته للوضع الراهن للعلاقات الروسية السورية، يتابع: "بعد سقوط النظام، أبدت روسيا تأنياً في تفاعلها مع الواقع المغاير، بينما قرّرت السلطات الجديدة هي الأخرى ألّا تمضي على طريق القطيعة مع موسكو، بل سمحت ببقاء القاعدتَين الروسيتين في الساحل السوري، رابطة إقامة علاقات جيدة مع روسيا بتدارك أخطاء الماضي؛ إدراكاً منها لضرورة استمرار الوجود الروسي في المنطقة تحقيقاً للتوازن مع وجود الدول الغربية المتحالفة مع إسرائيل التي تحتل مناطق شاسعة في الجنوب السوري".
استياء روسي من الأسد
يعزو الخبير في المجلس الروسي للشؤون الدولية، المستشرق كيريل سيميونوف، تخلي روسيا في سورية عن دعم الأسد في المرحلة الأخيرة ما قبل السقوط، إلى الغطرسة التي بدأ يتعامل بها النظام السوري السابق حتى مع حلفائه، علماً أن الأسد لم يتجاوب مع المساعي الروسية لترتيب لقاء له مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، رابطاً المصالحة مع أنقرة بالانسحاب التركي من مناطق الشمال السوري.
ويقول سيميونوف في تعليق لـ"العربي الجديد": "بدأ موقف روسيا في سورية يتغيّر على نحو تدريجي منذ أن شعرتْ بأنه بعد تعزيز مواقِعه، بات الأسد يصدر إشارات مفادها أنه غير مدين لروسيا بشيء، ولكنه أساء تقدير الوضع، فوجد نفسه نتيجة لغطرسته بلا دعم روسي وخسر حتى الدعم الإيراني وما تبقى من الحاضنة الداخلية بعد عجزه عن التغلب على الأزمات الاقتصادية".
وفي الأسابيع التي تلت سقوط الأسد، برزت تلميحات روسية متكرّرة إلى تحميل الأسد المسؤولية عمّا آلت إليه الأوضاع في سورية، بما فيها تصريحات صدرت عن وزير الخارجية سيرغي لافروف، الذي حمّل في منتصف يناير/كانون الثاني الماضي، النظام السابق المسؤولية عن "فرملة العملية السياسية" و"انعدام الرغبة في تغيير الوضع الراهن".
قابل ذلك توجه روسيا نحو التعامل ببراغماتية مع الواقع السوري الجديد، إذ أبدت حرصاً على بناء علاقات تحكمها المصالح المتبادلة مع السلطات الجديدة، ومن آخر مؤشرات، إجراء الوفد السوري الرفيع الذي ضمّ الشيباني وأبو قصرة، زيارة إلى موسكو في نهاية يوليو الماضي، تناولت مختلف جوانب العلاقات بين البلدَين. وتلت ذلك زيارة عمل أجراها نائب رئيس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك، إلى سورية، إذ عقد محادثات مع الشرع والشيباني، مؤكداً إمكانية تقديم دعم في إعادة إعمار البنية التحتية وإمدادات المساعدات الإنسانية.