زهران ممداني ينصّب عمدة نيويورك: لحظة فارقة في تاريخ المدينة
استمع إلى الملخص
- زهران ممداني، أول مسلم وأصغر عمدة لنيويورك، يهدف إلى فرض ضرائب على الأثرياء لتحسين حياة الفقراء، ويدعو إلى العدالة الاجتماعية رغم الضغوط السياسية.
- تعهد ممداني بتوفير حافلات مجانية، ورعاية شاملة للأطفال، وتجميد الإيجارات، مؤكدًا على دور المهاجرين والعمال في بناء المدينة.
في عام 1975، كانت نيويورك مدينة مأزومة: فساد متجذر، نفوذ للمافيا، خزينة شبه مفلسة تبحث عن أي مخرج. في تلك اللحظة، ظهر دونالد ترامب مثالاً صارخاً على المنطق الذي حكم المدينة لعقود لاحقة؛ مطوّر شاب بلا رأس مال حقيقي، حصل عبر علاقات والده السياسية على إعفاءات ضريبية استثنائية امتدت لأربعين عاماً لإنقاذ فندق كونودور المتهالك في مانهاتن، في صفقة كلّفت المدينة أكثر من 160 مليون دولار من عوائدها. منذ تلك اللحظة، ترسّخ نموذج نيويورك التي تُنقذ أزماتها عبر الامتيازات للأثرياء، وتكافئ الطموح الصاخب أكثر مما تكافئ العدالة الاجتماعية. بعد خمسين عاماً بالضبط، تقف نيويورك على عتبة لحظة معاكسة تماماً. فغداً الخميس، يُنصَّب زهران ممداني عمدةً للمدينة، باعتباره أول مسلم وأصغر من يتولى المنصب منذ أكثر من قرن، حاملاً رسالة تناقض ذلك الإرث نفسه: لا إعفاءات ضريبية للمليونيرات، بل ضرائب إضافية عليهم لتمويل تحسين حياة الفقراء والطبقة العاملة.
في مدينة صنعت نجومية ترامب عبر سياسات الامتياز، يأتي ممداني ليقترح انقلاباً على القاعدة التي حكمتها، واضعاً نفسه منذ اليوم الأول تحت مجهر المال والأعمال الأميركي والعالمي، وضغوط الحزبين الجمهوري والديمقراطي، خلال ولاية تمتد أربع سنوات. يمثل ممداني كل ما يكرهه ترامب؛ فهو مهاجر ملوّن لأب أفريقي من أوغندا وأم هندية، وهو مسلم، واشتراكي يساري ديمقراطي. غير أنهما يلتقيان في أن كليهما اختار أن يبدأ رحلة صعوده من نيويورك. وقد نجح ترامب في أن يصبح ما هو عليه الآن خلال رحلة استمرت 50 عاماً من الضجيج والإعلام والثراء والإفلاس والفوضى، بينما يتلمّس ممداني طريقه في رحلة السياسة الأميركية. وكان من المثير للاهتمام والدهشة معاً مشاهدة ترامب يستقبل ممداني في البيت الأبيض ويشيد به ويدافع عنه ويصفه بالشخص العقلاني، بعد أشهر عدة من التصعيد الكلامي بينهما، وبعد أن كان قد نعته سابقاً بـ"الشيوعي المجنون"، وهدد بقطع التمويل الفيدرالي عن نيويورك في حال فوزه.
كما يتشابهان في أنهما قادمان من خارج الدوائر السياسية التقليدية؛ فقد رفض عدد كبير من قيادات الديمقراطيين دعم ممداني بشكل علني، بمن فيهم الرئيس الأسبق باراك أوباما وزعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر. أما ترامب، فقد رفض أيضاً عدد من قيادات حزبه تزكيته في الانتخابات الرئاسية عام 2016، التي فاز بها، وحتى في الانتخابات الأخيرة، رغم سيطرته الكاملة على مفاصل الحزب.
ومع تنصيب ممداني، البالغ من العمر 34 عاماً، يصبح أصغر عمدة في تاريخ المدينة منذ أكثر من قرن، وأول مسلم، وأول شخص مولود في أفريقيا، وأول شخص من أصول جنوب آسيوية يتولى المنصب. وُلد ممداني عام 1991 في أوغندا لوالده الأكاديمي محمود ممداني ووالدته المخرجة الهندية ميرا ناير، قبل أن ينتقل في السابق إلى الولايات المتحدة. وبدأ نشاطه السياسي عام 2018 في مجلس المدينة، غير أن اللحظة الفارقة كانت عندما قرر الترشح لمنصب عمدة المدينة الأكبر في الولايات المتحدة، والتي تُعد أكثرها شهرة وأهمية عالمياً.
جاء ممداني حاملاً رسالة مفادها بأنه سيغير مدينة نيويورك جذرياً، رافضاً أموال الشركات ومجتمع الأعمال، ومندداً بالإبادة الجماعية للفلسطينيين في غزة. وبدأ بنسبة توقعات لا تتجاوز 1% للفوز في بداية 2025، واختتمها بالفوز على منافسه، حاكم ولاية نيويورك السابق الديمقراطي أندرو كومو، الذي دعمه المليونيرات وقيادات ديمقراطية وجمهورية، بمن فيهم ترامب نفسه، الذي دعا للتصويت لمنافس ممداني الديمقراطي. وركّز ممداني في حملته على القدرة على تحمّل التكاليف، والإسكان، والنقل العام، والرعاية الصحية للأطفال.
في أول خطاب له كعمدة، بعد فوزه في نوفمبر/ تشرين الثاني، أهدى ممداني الفوز لـ"المهاجرين والعمال والملوّنين الذين لا يجدون أنفسهم في الحزب الديمقراطي"، وشكر "المنسيين في سياسات المدينة، أصحاب البقالة اليمنيين، والجدات المكسيكيات، وسائقي السيارات السنغاليين، والممرضات من أوزبكستان، والخالات الإثيوبيات". قبل أن يوجه رسالته إلى ترامب بأن "المدينة بناها المهاجرون وستبقى لهم، وسيقودها مهاجر".
لاحقاً، أثناء استقبال ترامب له في البيت الأبيض، لم يتنازل ممداني عن رسالته التي وعد بها بإحداث تغيير جذري في نيويورك، في المقابل وعد ترامب بمد يد العون له ومساعدته لتكون "مدينته المفضلة" عظيمة مرة أخرى. غير أنه، من اليوم، يراقب ترامب والأميركيون والعالم زهران ممداني وهو يقود المدينة، ومدى قدرته على تطبيق سياساته التي وعد بها.
وعود ممداني الثلاثة
وذكر ممداني في تصريحات هذا الأسبوع لموقع VOX أنه يريد الحكم على مدى نجاحه في إدارة المدينة من خلال الوفاء بوعوده الانتخابية الكبرى الثلاثة؛ وهي حافلات مجانية، ورعاية شاملة للأطفال، وتجميد الإيجارات، بغض النظر عن الانتقادات التي تُوجَّه له. ويؤدي ممداني اليمين الدستورية منتصف ليلة رأس السنة في محطة أنفاق مهجورة تحت مبنى البلدية في ميدان تايمز سكوير الشهير. وذكر في بيان له أنه اختار هذا المكان غير المعتاد للحفل في رسالة رمزية قوية لبدء "حقبة جديدة"، وقال: "كانت هذه المحطة نصباً تذكارياً مادياً لمدينة تجرأت على أن تكون جميلة، وتبني إنجازات عظيمة تؤدي إلى تغيير حياة الطبقة العاملة. ولا ينبغي أن يظل هذا الطموح مجرد ذكرى حبيسة الماضي".