- منطقة سنجار تشهد توترات بسبب نفوذ حزب العمال الكردستاني، مما يعقد جهود إعادة الإعمار وعودة النازحين، وتركيا ترى أن العراق غير جاد في معالجة هذا الملف، مما يزيد من احتمالية التصعيد العسكري.
- تصريحات تركيا تأتي في وقت تسعى فيه لتعزيز نفوذها الإقليمي، وقد تكون محاولة للضغط على العراق للتعاون في ضبط الحدود، بينما يطالب العراق باحترام سيادته وحل دبلوماسي.
عاد التركيز إلى واجهة الخطاب الرسمي في أنقرة على مدينة سنجار العراقية (115 كيلومتراً غرب الموصل)، التي تخضع لنفوذ عناصر حزب العمال الكردستاني، وفصائل محلية مرتبطة به، وسط تأكيدات أن الموقف التركي قد يكون مدفوعاً بتقارير تؤكد انتقال عناصر بارزة في حزب العمال، من الحسكة شمال شرقي سورية إلى مناطق في جبل سنجار، وسنوني، داخل العراق، إثر التطورات العسكرية والأمنية التي شهدتها الأراضي السورية في الأسابيع الماضية.
وقال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إن على بغداد أن "تستخلص الدروس" مما حدث في سورية أخيراً. وشدد فيدان خلال حوار متلفز بثته قناة "سي أن أن" التركية، مساء الاثنين الماضي، على أن حزب العمال الكردستاني "سيصبح قضية رئيسية في العراق"، مؤكداً أن لا "منطقة في تركيا يمكن لهذا التنظيم أن يحتلها، بينما يحتل مساحات واسعة من الأراضي في العراق"، متسائلاً: "كيف يمكن لدولة ذات سيادة أن تسمح بحدوث ذلك؟". ورجح "حدوث تغييرات قريباً" في مناطق سنجار ومخمور وقنديل شمالي العراق، مطالباً بأن تُظهر الحكومة العراقية "إرادة" في ما يتعلق بحزب العمال الكردستاني، مصرحاً بأن "التنظيم لا يمكنه البقاء في قضاء سنجار ولا ينبغي له".
هاكان فيدان: تنظيم العمال الكردستاني لا يمكنه البقاء في قضاء سنجار ولا ينبغي له
وكشف وزير الخارجية التركي عن عقد قرابة 20 اجتماعاً مع رئيس "الحشد الشعبي" فالح الفياض، قائلاً إن "سنجار محاطة بعناصر الحشد الشعبي، وقد عقدت قرابة عشرين اجتماعاً مع رئيس هيئة الحشد الشعبي فالح الفياض، وعندما يتقدم الحشد الشعبي براً وتنفذ تركيا عمليات جوية، فإن الأمر يستغرق يومين أو ثلاثة. إنها عملية عسكرية بسيطة إلى هذا الحد". واعتبر أن "بغداد لديها القدرة على التعامل مع تنظيم حزب العمال الإرهابي"، وأن تركيا تدرك سبب إيوائه في العراق، مشيراً في هذا السياق إلى وجود "توازنات أخرى"، لم يذكرها داخل العراق. وختم فيدان بالقول إن تركيا تعمل مع أي حكومة أو رئيس وزراء منتخب في العراق، مؤكداً أن "أياً كان من يتولى السلطة، فسنعمل معه".
اعتراض عراقي على كلام فيدان حول سنجار
وعلى خلفية تصريحات فيدان، استدعت وزارة الخارجية العراقية، السفير التركي لدى العراق، أنيل بورا إينان، إلى مقر الوزارة، وأعرب وكيل الوزارة للعلاقات الثنائية، السفير محمد حسين بحر العلوم، عن استياء العراق من التصريحات المتداولة في وسائل الإعلام، مؤكداً أنها تمثل إساءة إلى العلاقات الودية بين العراق وتركيا، وتُعد تدخلاً في الشأن الداخلي العراقي وتجاوزاً للأعراف الدبلوماسية. وشدد على أن ملف سنجار وسائر المناطق العراقية شأن وطني خالص، ويجري التعامل معه وفق الأولويات والآليات الوطنية، مؤكداً رفض أي تدخل خارجي لفرض حلول أو لاستخدام هذا الملف للتأثير سياسياً أو عسكرياً.
من جانبه، أوضح السفير التركي أن تصريحات وزير الخارجية فُهمت على نحو غير دقيق نتيجة ترجمة غير صحيحة، وفق بيان للخارجية العراقية، مبيناً أن حديث الوزير كان يتعلق بعناصر حزب العمال الكردستاني الموجودين في العراق، ولا علاقة له بالشأن العراقي الداخلي أو بالمواطنين العراقيين. وأكد أن سياسة بلاده تجاه العراق ثابتة، وتحترم سيادته، ولا تتدخل في شؤونه الداخلية.
وتثير تصريحات الوزير التركي حول سنجار، تساؤلات عن مصير مسار عملية السلام التي بدأتها أنقرة وحزب العمال الذي قرر "إنهاء الكفاح المسلح"، وإلقاء السلاح، قبل بضعة أشهر، حيث دخلت العملية فعلياً مساراً غامضاً منذ ما يزيد على شهر بالتزامن مع المواجهات في حيّي الأشرفية والشيخ مقصود شمالي حلب، وما أعقبها من عمليات عسكرية استعادت فيها دمشق السيطرة على محافظتي دير الزور والرقة، وصولاً إلى توقيع الاتفاق بين الحكومة السورية و"قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) في 29 يناير/ كانون الثاني الماضي.
وتحدث مستشار في الحكومة العراقية في بغداد، لـ"العربي الجديد"، عن معلومات قد تكون وراء إطلاق فيدان تصريحاته الأخيرة. وبيّن المستشار، الذي طلب عدم ذكر اسمه، أن "التقارير المتداولة عن انتقال عناصر كردية مسلحة مطلوبة لتركيا ضمن تنظيمات حزب العمال الكردستاني من الحسكة إلى داخل العراق، وتحديداً إلى سنجار، قد تكون سبباً وراء الانزعاج والتصعيد التركي"، مضيفاً: "تركيا ترى أن العراق غير جاد في معالجة الملف وليس عاجزاً". ولفت المسؤول العراقي إلى أن منطقة جبل سنجار، وخانصور (10 كيلومترات عن الحدود العراقية السورية من جهة الحسكة) "ما زالت مساحة نفوذ مغلقة لمسلحي حزب العمال الكردستاني، والقلق التركي جاء بسبب تحوّل المنطقة إلى ملاذ انتقل إليه مسلحون غير معروفي العدد بالأسابيع الأخيرة، ولا يعلم ما إذا كان ذلك انتقالياً، حيث وجهتهم إلى جبال قنديل، أو سيستمرون في التمركز هناك".
مستشار في الحكومة العراقية: منطقتا جبل سنجار وخانصور ما زالت مساحة نفوذ مغلقة لمسلحي العمال الكردستاني
من جهته، تحدث السياسي الكردي ياسين عزيز، لـ"العربي الجديد" من أربيل بإقليم كردستان العراق، عن نقل نحو 100 من عناصر حزب العمال الكردستاني من غير السوريين الذين كانوا ضمن "قسد" إلى مناطق في جبال قنديل شمالي العراق. وأضاف عزيز أن ذلك جاء تنفيذاً للاتفاقية بين "قسد" والحكومة السورية، التي تنص في إحدى نقاطها على إبعاد العناصر غير السورية إلى خارج سورية، من دون أن يكون للعراق أي دور بالموضوع. وتابع: "يمكن أن يتكرر ذلك مع العناصر التي توجد في مدينة سنجار أيضاً، باعتبار أن المناطق التي يسيطر عليها حزب العمال في قنديل واسعة (جبال قنديل تقع داخل العراق ضمن المثلث العراقي التركي الإيراني) ويمكن استيعاب عدد كبير منهم، لكن هذا الأمر بحاجة إلى اتفاقية شاملة بين العراق، ومن ضمنه إقليم كردستان وتركيا، وحتى الولايات المتحدة وربما تدخل فيها إيران". ولفت إلى أن "سبب ذلك أن مقرات العمال الكردستاني قريبة جداً من الحدود الإيرانية، كذلك فإن الأمر يتطلب تنفيذ مشروع السلام الحالي بين حزب العمال الكردستاني والحكومة التركية، الذي يسير ببطء شديد، لذا فالعملية لن تكون بسيطة وسهلة، وبحاجة إلى خطوات عملية وجدية، كذلك فإنها بحاجة إلى سقف زمني معقول".
من "داعش" إلى "العمال الكردستاني"
وتقع مدينة سنجار، وهي أحد أكبر الأقضية الإدارية مساحة في العراق، إلى الشمال الغربي من الموصل، مركز محافظة نينوى، بنحو 115 كيلومتراً، وتبعد عن الحدود السورية 50 كيلومتراً، وتتبع لها مناطق مثل جبل سنجار، وفيشخابور، وسنوني وخانصور، المحاذية للحدود السورية. وتضم المدينة ثلاث نواحٍ وأكثر من 60 قرية، وهي خليط من العرب من عشائر شمر وعبيد والجحيش والحديديين، والعرب المسيحيين، ومن التركمان والأكراد الأيزيديين، إلى جانب قرى آشورية عديدة.
وتعرضت المدينة لواحدة من أفظع جرائم تنظيم داعش ممثلة بعمليات سبي آلاف النساء والأطفال وقتل المئات من الرجال عندما سيطر على المدينة في أغسطس/ آب 2014، قبل أن تتمكن قوات البيشمركة الكردية والتحالف الدولي من تحريرها بعملية استمرت أسابيع عدة شاركت فيها وحدات من "العمال الكردستاني"، التي دخلت المنطقة ضمن غطاء الحرب على "داعش"، بعد أن كانت مناطق وجودها مقتصرة على أرض وبلدات حدودية ضمن إقليم كردستان.
ومنذ عام 2016 يفرض "العمال الكردستاني"، وأذرع مسلحة موالية له، أبرزها "وحدات حماية سنجار"، و"أيزيدي خان"، و"لالش"، التي أسسها بنفسه من سكان محليين عقب اجتياح "داعش" المنطقة، سيطرته على المنطقة، وبسبب ذلك تتعثر عمليات إعادة الإعمار وطيّ صفحة نزوح أهالي المدينة الذين ما زال قسم كبير منهم خارجها. وبين عام 2018 و2024 انتهجت تركيا العمليات العسكرية الجوية لاستهداف قيادات وعناصر "العمال" في سنجار وضواحيها، ونفذت عشرات الهجمات الجوية بواسطة مقاتلات وطائرات مسيّرة، أدت إلى ما تسميه أنقرة "تحييد" عناصر فاعلين في الحزب المصنف على لائحة الإرهاب في تركيا والعديد من دول العالم.
واعتمدت بغداد أخيراً سلسلة إجراءات ضد الحزب، تضمّنت تصنيفه منظمة محظورة، وإغلاق مقار ومواقع له، وحظر عمل عدة أحزاب كردية أيزيدية مرتبطة به، والدفع بقوات الجيش إلى سنجار، لكن هذه الإجراءات ظلت غير عملية على أرض الواقع بسبب نفوذ الحزب في تلك المناطق وكسبه أعداداً غير قليلة من السكان المحليين. ومع اختلاف الظروف الأمنية والسياسية والجغرافية بين العراق وسورية، في ما يتعلق بنفوذ مسلحي حزب العمال وتعدد الجهات المسيطرة على الأرض، فإن خبراء عسكريين عراقيين رجحوا أن أي عمل عسكري تركي ضد سنجار أو داخل العمق العراقي يستهدف حزب العمال الكردستاني، لا يعني انهيار عملية السلام الحالية فقط، بل وصول تركيا إلى قناعة بعدم قدرة بغداد على إنهاء وجود الجماعة على أراضيها.
وقال العميد الركن المتقاعد علي الونداوي، لـ"العربي الجديد"، إن تركيا غير قادرة على العمل البري للوصول إلى سنجار، حيث هناك أكثر من 70 كيلومتراً بالعمق العراقي تضم 44 بلدة رئيسة موزعة السيطرة بين القوات العراقية والبيشمركة، وفعلياً غير ممكن مثل هكذا عمل، لذا تبقى مسألة الهجوم الجوي المكثف هو الخيار المتاح لأنقرة في أي عمل عسكري تقرر تنفيذه ضد "العمال" في سنجار.
وأشار إلى أن لغة التصعيد التركية قد تكون مستفيدة من انكماش "قسد" الكبير وغير المتوقع، وفقدانها التأثير السياسي وحتى الأمني والموقف الأميركي، وأيضاً من المهم النظر إلى الانشغال بالملف الإيراني وإمكانية أن تنفذ تركيا خطوة مثل هذا النوع. لكنه لفت في الوقت ذاته إلى أن التصريحات قد تكون أداة ضغط على الحزب نفسه الذي فقد مساحة تحرك مهمة في سورية، بهدف تسريع مراحل تسليمه السلاح، والتلويح بعمل عسكري.
علي الونداوي: تركيا غير قادرة على العمل البري للوصول إلى سنجار
وتحدث الونداوي عن أن العراق قد يكون هدفاً أيضاً لدفعه إلى الاهتمام بمسألة ضبط الحدود مع الحسكة السورية، لافتاً إلى أن العراق وتركيا لم يحققا أي تقدّم، لا باتفاقية المياه، ولا اتفاق طريق النقل البري، ولا حتى بملف التعاون القضائي وتبادل المعلومات، وهذا قد يعكس انطباعاً مشجعاً على العودة إلى المربع الأول، وهو الضربات الجوية والمدفعية على معاقل "العمال".
امتعاض "الإطار التنسيقي"
وبرزت في الساعات الأخيرة مواقف سياسية من أعضاء في ائتلاف الإطار التنسيقي الحاكم في العراق، حيال تصريحات فيدان. وقال عضو "الإطار" النائب حبيب الحلاوي، إن "مثل هذه التصريحات (تصريحات وزير الخارجية التركي) لا تخدم الاستقرار الإقليمي، بل تسهم في تعقيد المشهد السياسي والأمني"، مشدداً في تصريحات للصحافيين على ضرورة اعتماد "خطاب متوازن يحترم سيادة العراق ومكانته، بعيداً عن أساليب الضغط والتهديد". من جهته، دعا النائب عادل الركابي، في تدوينة على حسابه في منصة إكس، وزارة الخارجية إلى الرد "فوراً" على تصريح وزير الخارجية التركي، معتبراً أن فيدان "خاطب العراق وكأنه دولة تابعة تتلقى الإملاءات".
وتتزامن تصريحات وزير الخارجية التركي، مع إعلان حزب العمال الكردستاني مقتل أحد عناصره في الأراضي السورية بمنطقة عين العرب، وقال إن شكران يلدز قتلت في مواجهات قبل ثلاثة أسابيع في قرية ميلي بمدينة كوباني (عين العرب)، متحدثاً عن سجل مشاركة لها في منطقة سنجار خلال السنوات الماضية، وفقاً لبيان أصدره الحزب الاثنين الماضي.
في السياق، قال النائب عن "الإطار التنسيقي" كريم عليوي، لـ"العربي الجديد"، إن التصريحات الأخيرة لفيدان "خطيرة وعدائية"، مبيناً أن "الحديث عن سنجار أو أي منطقة عراقية أخرى بمنطق الوصاية أو التهديد العسكري هو تجاوز خطير، وأمن العراق يدار حصراً من أبنائه وقواته الرسمية، وليس عبر إملاءات خارجية". وأضاف أن "الوجود العسكري التركي داخل الأراضي العراقية غير شرعي، ويعد احتلالاً مكتمل الأركان، وعلى الحكومة العراقية اتخاذ موقف حازم وواضح، يشمل تفعيل المسارات الدبلوماسية والقانونية الدولية، مع تقديم شكوى رسمية إلى مجلس الأمن، إضافة إلى إعادة النظر بجميع أشكال التعاون مع الجانب التركي ما لم تُحترَم سيادة العراق".
كريم عليوي: التصريحات الأخيرة لفيدان خطيرة وعدائية
من جهته، قال الباحث في الشأن السياسي العراقي جاسم الغرابي، لـ"العربي الجديد"، إن "الموقف التركي الجديد رسائل سياسية وأمنية، تحمل في طياتها ضغوطاً مباشرة على الدولة العراقية". وأوضح الغرابي أن "أهمية تصريحات فيدان لا تكمن في مضمونها فقط، بل في توقيتها وسقفها المرتفع، حيث تتزامن مع تحولات إقليمية حساسة، ما يوحي بمحاولة أنقرة إعادة رسم المشهد لمصلحتها في الجوار التركي، عبر سياسة الأمر الواقع، مستخدمة لغة التهديد بدل الحوار والتنسيق الرسمي". لكنه اعتبر في الوقت نفسه أن تصريحات وزير الخارجية التركي "قابلة للتنفيذ على أرض الواقع إذا ما توفرت الظروف، ما يستوجب التعامل معها بأقصى درجات الجدية من قبل العراق".
(شارك في التقرير من بغداد: عادل النواب)