شهادات توثّق كيف انهارت قلعة الأسد في الساحل السوري

07 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 04:06 (توقيت القدس)
عناصر الأمن العام في اللاذقية، 26 ديسمبر 2024 (عارف وتد/فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- شهدت جبهة الساحل السوري انهيارًا سريعًا بسبب تفكك القيادة العسكرية وانهيار الروح المعنوية للجنود، مما أدى إلى فقدان الثقة بقدرة النظام على الصمود.
- غياب الأوامر العسكرية وتخلي الضباط عن مواقعهم أدى إلى فوضى وارتباك، حيث غادر الضباط دون توجيه الجنود، مما دفعهم للهروب وترك مواقعهم.
- تقدمت قوات المعارضة نحو اللاذقية دون مقاومة، حيث كانت الحواجز خالية والآليات متروكة، مما يعكس انهيار النظام الكامل في الساحل السوري.

مع اقتراب انهيار نظام بشار الأسد

في الثامن من ديسمبر/ كانون الأول 2024، بدت جبهة الساحل السوري التي لطالما اعتُبرت خزان النظام البشري، وكأنها تسقط من دون مقاومة حقيقية. وتكشف شهادات مجندين وضباط من ريف اللاذقية وجبلة لـ"العربي الجديد"، ما حصل آخر ساعات حكم الأسد في منطقة الساحل السوري مسقط رأسه، وكيف تفككت بنيته العسكرية والأمنية قبل ساعات من دخول قوات المعارضة إلى اللاذقية. وللساحل السوري خصوصية عن باقي المناطق السورية من حيث تنوعه الطائفي وهو مسقط عائلة الأسد وخزانه البشري في الجيش، كذلك تتمركز فيه أبرز القواعد العسكرية الروسية وأهمها قاعدتا حميميم وطرطوس. علي جنيدي، صف ضابط من ريف جبلة خدم في ريف اللاذقية الشمالي عند نقاط التماس مع قوات المعارضة، يروي لـ"العربي الجديد" أن الأيام السابقة لسقوط النظام كانت مليئة بالغموض والصدمة. ورغم توالي الأخبار عبر شبكات التواصل الاجتماعي عن انهيارات متسارعة في الجبهات، لم يصدر أي توجيه رسمي للعسكريين في الساحل السوري.


مهند حاج علي: دخلنا الشيخ ضاهر وحُطِّم تمثال الأسد وسط احتفالات الناس

غياب الأوامر العسكرية

يقول جنيدي إنه "في السادس من ديسمبر سيطر مقاتلو غرفة عملية ردع العدوان (ضمت فصائل من المعارضة السورية التي أطاحت حكم الأسد) على مدينة حماة وتوجهوا نحو حمص وسط البلاد، ومع ذلك لم يصل إلينا أي أمر عسكري". ويتابع: "كان الأمر محيراً لنا، لكن الضابط المسؤول عنا أكد أن القوات الروسية ستتدخل وتوقف الهجوم، وأن الجيش بدأ يعيد انتشاره تمهيداً لهجوم مضاد، لكن فجأة بدأ كل شيء يتغير. أذكر أنه في يوم السابع من ديسمبر، أي قبل سقوط الأسد بيوم واحد، غادر الضابط المسؤول عنا الجبهة من دون إعطاء أي أمر، وبقي بعض المجندين والمتطوعين فقط، وكان عددنا في النقطة لا يتجاوز ثمانية أفراد". ويضيف جنيدي: "في تلك الليلة كنا نتابع ما يحصل عبر الهاتف ثم تلقيت اتصالاً من عائلتي تطلب مني العودة إلى المنزل، وترددت في الأمر، ثم ركبت دراجتي النارية وعدت إلى قريتي التي تبعد مسافة نحو 40 كيلومتراً. كان الطريق مخيفاً وموحشاً فارغاً من كل شيء، كان هناك بعض المجندين على الطريق بدأوا بالهروب". يضيف جنيدي: "بعد سقوط النظام أدركت كم كانت أرواحنا بلا قيمة... تُركنا وهرب الجميع من دون أي توجيه".

أما أيهم، الذي فضل عدم الكشف عن كامل اسمه، وكان متطوعاً في شعبة الأمن العسكري برتبة مساعد في مدينة جبلة (25 كيلومتراً، جنوب اللاذقية) في عهد النظام المخلوع، فيقدم شهادة مشابهة. يقول أيهم لـ"العربي الجديد" إن الضباط حاولوا في البداية طمأنة العناصر بأن الوضع تحت السيطرة، وأن الجيش سيستعيد حلب. لكن مع سقوط حماة في الخامس من ديسمبر 2024 وانهيار خطوط الدفاع، بدأ الخوف ينتشر بين المجندين والمتطوعين. ويضيف: "حتى مساء السابع من ديسمبر، كنا نقوم بدوريات روتينية في مدينة جبلة، ثم فجأة غادر الضابط المسؤول بسيارته من دون أن يطلب منا القيام بأي شيء. فهمنا أن الأمور انتهت، وعدتُ إلى قريتي على دراجتي". بعد أيام، علم أيهم أن الفرع الأمني في جبلة احترق بالكامل، ورجّح أن عناصر النظام أنفسهم أضرموا فيه النار خوفاً من تسريب الوثائق. وعلى الرغم من دعوات مليشيات موالية للنظام السابق لحمل السلاح والدفاع عن الساحل السوري في الساعات الأخيرة، بقيت جبهات ريف اللاذقية هادئة حتى ليلة سقوط النظام.

في فجر الثامن من ديسمبر 2024، تجمّع مقاتلو فصائل المعارضة في الساحل السوري في قرية بداما قرب الحدود السورية مع تركيا استعداداً لدخول اللاذقية. ويروي مهند حاج علي لـ"العربي الجديد"، تلك اللحظات قائلاً: "تحركنا من دون أي معلومات واضحة عن الحواجز. توقعنا مقاومة شرسة أو معارك طاحنة. لكن أول حاجز اقتحمناه كان خالياً، ثم توغلنا أكثر بلا أي اشتباك تقريباً". وخلال الطريق نحو اللاذقية، وجد المقاتلون عشرات الدبابات والآليات العسكرية متروكة، ومجندين بلباس مدني يفرّون في القرى والطرق. ويضيف: "واجهنا إطلاق نار في حاجز واحد فقط، وكل ما تبقى كان منهاراً بالكامل". بعد ثلاث ساعات من التقدم، وصل المقاتلون إلى مدخل مدينة اللاذقية. ويشير حاج علي إلى أن "الآلاف كانوا ينتظروننا… لم يكن هناك أي حاجز أو قوة عسكرية… دخلنا الشيخ ضاهر وحُطِّم تمثال الأسد وسط احتفالات الناس".


حسن حاج عبيد: الضباط اختفوا قبل الجنود، تاركين العناصر من دون أوامر أو توجيهات

أسباب سقوط الساحل السوري

من خلال تتبع روايات المقاتلين والمجندين، يرجح حسن حاج عبيد، وهو ضابط برتبة ملازم أول، انشق عن النظام المخلوع قبل سنوات، أسباب سقوط الساحل السوري في نقاط رئيسية، أبرزها تفكك القيادة العسكرية لقوات النظام المخلوع. ويوضح في حديثٍ لـ"العربي الجديد" أن الضباط اختفوا قبل الجنود، تاركين العناصر من دون أوامر أو توجيهات. ويضيف حاج عبيد أن قيادة النظام لم تصدر أي تعليمات لإعادة التموضع أو الانسحاب المنظم، وهذا الأمر ساهم في الانهيار السريع ودخول قوات النظام والضباط في حالة الشك مما يحصل. ويشير حاج عبيد إلى سبب آخر لانهيار دفاعات النظام في الساحل السوري وهو انهيار الروح المعنوية، فمع سقوط المدن الكبرى المتتالي، فقد الجنود الثقة بقدرة النظام على الصمود. كذلك فإن حجم الهجوم وسرعة سيطرة قوات "ردع العدوان" على حماة ثم حمص خلال ساعات شلّت قدرة النظام على إعادة تشكيل دفاعات الساحل.

المساهمون