صدام حفتر في تركيا بصفة عسكرية... دلالات الزيارة وتوقيتها
استمع إلى الملخص
- الزيارة قد تمثل اعترافاً ضمنياً بسلطة حفتر العسكرية، وربما تكون جزءاً من استراتيجية تركية لتعزيز الانفتاح على شرق ليبيا، بالتنسيق مع واشنطن لإضعاف التحالف الروسي مع حفتر.
- تركيا تسعى لبناء جسور مع الشرق الليبي لضمان حصة في أي تسوية مستقبلية، واستضافة صدام قد تهدف لفهم التوجهات الداخلية لمعسكر حفتر وتحسين صورته دولياً.
في زيارة مفاجئة، حملت دلالات سياسية وعسكرية لافتة، اختتم صدام حفتر، حاملاً صفة رئيس أركان القوات البرية التابعة لقيادة والده اللواء المتقاعد خليفة حفتر، زيارةً إلى تركيا أجراها أمس الجمعة، التقى خلالها رئيس أركان القوات البرية التركية، الفريق أول سلجوق بيراكتار أوغلو، في مقر رئاسة القوات البرية التركية في أنقرة. وجرت مراسم استقبال "رسمية رفيعة المستوى" لصدام لدى وصوله، وفق بيان نشره المكتب الإعلامي لقيادة حفتر، دون أن يعلن الجانب التركي رسمياً عن الزيارة، بينما أفاد مكتب إعلام قيادة حفتر بأن الزيارة جاءت "تلبية لدعوة تركية"، ولم يُعلن حتى الآن عن تفاصيل الزيارة واللقاء الثنائي، وما إذا كانت قد تضمنت توقيع اتفاقات بين الجانبَين.
وسبقت زيارة صدام إلى تركيا مواقف متصاعدة في المشهد الليبي، ففي منتصف مارس/آذار الماضي، وخلال اجتماع وزاري في طرابلس، لمناقشة ملف الهجرة غير الشرعية، وجه رئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة لقيادات عسكرية شاركت في الاجتماع بالاستعداد للتوجه إلى الجنوب للسيطرة على الحدود الجنوبية للبلاد وتأمينها، متهماً حفتر بالتواطؤ في ملف الهجرة غير الشرعية وتسهيل مرورها عبر الحدود الجنوبية، وأعقب ذلك تسريبات لوسائل إعلام ليبية حول اجتماع مغلق عقده الدبيبة، يوم 26 مارس الماضي، مع قيادات عسكرية من الجنوب لتشكيل لواء عسكري بالتنسيق مع مجموعات من غرب ليبيا، وسط تكهنات بأن الدبيبة يحاول استثمار الخلافات بين حفتر وقائد لواء 128 حسن الزادمة، الذي أقاله حفتر في ديسمبر/كانون الثاني الماضي، وحل لواءه، إثر خلافات معه، وخوفاً من خروجه عن سيطرته، سيّما وأن الزادمة يحظى بدعم قبلي واسع في الجنوب.
وفي خطوة يبدو أنها جاءت رداً على ذلك، عقد صدام اجتماعاً مفاجئاً في سبها، يوم الاثنين الماضي، صباح يوم عيد الفطر في ليبيا، مع "آمري الكتائب، وآمري الغرف العسكرية، ورؤساء الأجهزة الأمنية"، ووفقاً المكتب الإعلامي لقيادة حفتر، جرى خلاله "استعراض مستجدات الأوضاع الأمنية في المنطقة الجنوبية، ومناقشة الصعوبات التي تواجه سير عمل الأجهزة الأمنية". وإثر الاجتماع، استنكر عدد من القيادات الأمنية والعسكرية في الجنوب، ضمن بيان متداول، اجتماع صدام في سبها، وطالبوا بضرورة توحيد الجيش في البلاد، وعدم تجاهل الضباط في الجنوب، وسط ترجيحات بأن البيان أصدره ضباط موالون للزادمة.
في خضم هذه التطورات، تحركت أرتال عسكرية تابعة لقوة العمليات المشتركة الموالية للدبيبة، صباح أمس الجمعة، من مصراتة نحو طرابلس، ما دفع المجلس الرئاسي إلى إصدار بيان، بصفته القائد الأعلى للجيش، حذر فيه جميع الأطراف المسلحة من أي تحركات أو تنقلات خارج تعليماته، واعتبر أن خلاف ذلك خرق "يعرّض مرتكبيه للمساءلة القانونية دون استثناء"، وقال إن أي تحركات أو تنقلات للجهات الأمنية والعسكرية "يجب أن تجري بناء على تعليمات صريحة ومسبقة من المجلس والجهات المختصة وضمن الإطار القانوني المحدد"، مذكّراً بصلاحياته على "الإشراف الكامل والتوجيه المباشر للعمليات الأمنية والعسكرية كافة".
ويرى الكاتب والصحفي عبد الله الكبير أن زيارة صدام إلى تركيا تمثل منعطفاً في سياسة أنقرة تجاه ليبيا، فالاستقبال الرسمي لصدام بلباسه العسكري يمثل "اعترافاً ضمنياً" بسلطته العسكرية، على الرغم من أن المجلس الرئاسي لم يمنحه أي صفة رسمية. ويربط الكبير، في حديثه لـ"العربي الجديد" هذا التحرك بسياسة تركية براغماتية تهدف إلى تعزيز الانفتاح على شرق ليبيا، الذي بدأ منذ نحو العامين، بعد سنوات من التحالف الحصري مع غربها، سعياً لتعزيز مصالحها الاقتصادية، لا سيّما مع حصول الشركات التركية على عقود إعمار في مناطق شرقية.
ومن وجهة نظر الكبير، قد تكون واشنطن وراء هذا التقارب بين أنقرة وسلطة حفتر لإضعاف التحالف الروسي مع حفتر، لافتاً إلى أنّ توقيت زيارة صدام لأنقرة يوافق يوم 4 إبريل، وهي ذكرى هجوم حفتر على طرابلس عام 2019 الذي كانت تركيا سبباً مباشراً في تقويضه بدعم قوات حكومة الوفاق السابقة، معتبراً أن هذا التوقيت قد يحمل رسالة مفادها أنّ تركيا قادرة على لعب دور في المعسكرَين، ما يمنحها ورقة ضغط لاحتواء أي تصعيد محتمل.
ويلفت الكبير أيضاً إلى أن توقيت الزيارة، الذي أعقب زيارة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إلى واشنطن بيوم واحد، يفتح الباب لتكهنات حول تنسيق أميركي-تركي لدفع حفتر نحو تخفيف تحالفاته مع الجانب الروسي، خاصة مع تبريراته لتحالفه مع الروس بأنه يأتي لحماية نفسه من دعم تركيا لقوات غرب البلاد لأي هجوم على مواقعه، ويعتبر الكبير أن الدعوة التركية لصدام قد تحمل رسائل مباشرة لحفتر كضمانات أمنية بعدم دعمها أي هجوم من قوات الحكومة في طرابلس على مواقع حفتر، بل ويمكنها منعها، في ظل الحديث حول استعدادات الحكومة لدعم تصعيد مسلح في الجنوب.
في المقابل، يشكّك أستاذ العلوم السياسية حسين الرقيق في وجود أميركي وراء التحرك التركي نحو زيادة حجم التعامل مع السلطة العسكرية لحفتر، مشيراً إلى أن أنقرة تعمل وفق استراتيجية متعددة الأبعاد في أكثر من ملف في المنطقة، ويوضح الرقيق، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن "تركيا تحافظ على تحالفها مع الحكومة في طرابلس والفصائل المسلحة عبر دعمها السياسي والعسكري من جهة، ومن جهة أخرى تبني جسوراً مع الشرق لضمان حصة في أي تسوية سياسية أو اقتصادية مستقبلية"، لافتاً إلى "أهمية موقع الساحل الليبي بالنسبة لتركيا وإدراكها أن استقرار ليبيا رهن توازنات إقليمية معقدة، ولذا فهي تسعى لعدم حصر وجودها إلى جانب واحد ضمن متغيرات إقليمية دفعتها إلى إعادة تقييم وجودها وسياساتها في ليبيا".
ويرجّح الرقيق أن الهدف التركي المباشر من استضافة صدام قد يكون للاقتراب أكثر من معسكر حفتر، وفهم التوجهات الداخلية بعد التصدعات التي أصابت علاقات حفتر في جنوب ليبيا خاصة مع الزادمة، الذي قد يأتي في ظل سعي تركيا لتوسيع استثماراتها في الجنوب أيضاً الغني بمواقع النفط والغاز. وفي جانب حفتر، يرى الرقيق أن من مصلحته نسيان موقف تركيا السابق منه، والاتجاه للارتباط بعلاقات معها لاستباق أي عزلة دولية قد تفرض عليه بسبب علاقاته مع موسكو، ولتحسين صورته بوصفه "شريكاً قابلاً للحوار" مع القيادات في غرب البلاد التي تشكّل تركيا في أوساطها ثقلاً عسكرياً وسياسياً.
ويلفت الرقيق إلى أن حفتر قد يستفيد من الارتباط بتركيا بوصفها حليفاً في حلف شمال الأطلسي "ناتو" يمكنه نقل رسائل إلى واشنطن وبروكسل، مضيفاً أنّ "الوقت مبكر لفهم هدف استقبال صدام المفاجئ، لكنّ موقع تركيا في ليبيا قد يؤهلها للعب دور الوسيط بين حفتر وطرابلس، خاصة من بوابة صدام الذي يعد أكثر أولاد حفتر انفتاحاً على غرب البلاد، وله صلات وتحالفات غير معلنة مع شخصيات مؤثرة في حكومة الوحدة الوطنية، وهو ما ستدعمه واشنطن التي ترمي كل خطواتها إلى توحيد الجيش والسلطة السياسية لإضعاف التوغل الروسي في ليبيا"، ويستدرك الرقيق بأن طبيعة الزيارة والاستقبال العسكري لصدام في تركيا يجعل التكهن بمستقبل علاقة تركيا بحفتر "عصياً في ظل توازنات هشة وتحالفات مرنة وأجندات المتشابكة، وحتى الآن كل ما يمكن قوله إنّ حفتر يحاول إدارة التناقضات الدولية المتنافسة في لعبة معقدة قد تغيرها أي مفاجآت ميدانية أكثر من الخطوات والاستقبالات الرسمية".