صعود اليمين الشعبوي في أوروبا: النرويج نموذج وبريطانيا على مفترق الطريق

09 سبتمبر 2025   |  آخر تحديث: 15:33 (توقيت القدس)
ستور خلال الإدلاء بصوته في مركز اقتراع بأوسلو، 8 سبتمبر 2025 (جواد بارسا/فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- في النرويج، شهد "حزب التقدم" اليميني الشعبوي نمواً ملحوظاً، مستغلاً قضايا مثل الهجرة والضرائب، بينما في بريطانيا، عاد نايجل فاراج بقوة، مستفيداً من تراجع ثقة الجمهور في الأحزاب التقليدية.

- في فرنسا، يتقدم حزب التجمع الوطني في استطلاعات الرأي، وفي ألمانيا، يحقق حزب البديل من أجل ألمانيا تقدماً غير مسبوق، مما يعكس توسع التيار الشعبوي في ظل التحديات الاقتصادية.

- تشهد أوروبا موجة شعبوية مدفوعة بإحباط ثقافي وشعور بتهديد الهوية الوطنية، مما يثير تساؤلات حول مستقبل الديمقراطيات الأوروبية وقدرتها على احتواء الغضب الشعبي.

أصبحت الانتخابات النرويجية الأخيرة علامة فارقة في التيار السياسي في أوروبا. فقد شهد "حزب التقدم" الشعبوي اليميني نمواً لافتاً، بمضاعفة نسبته المئوية عن انتخابات 2021. تزامن ذلك مع بروز شواهد مماثلة على الساحة البريطانية، مع عودة نايجل فاراج بقوة. هذه التحولات تثير تساؤلات عميقة حول مستقبل الديمقراطيات الأوروبية، واتجاهات الرأي العام في القارة.

النرويج: يسار وسط يحكم ويمين شعبوي يتمدد

حافظ حزب العمال (يسار الوسط) بقيادة يوناس غار ستور على السلطة في النرويج، بائتلاف هش مع أحزاب يسارية وخضراء، محققاً بين 87 و89 مقعداً من أصل 169، متجاوزاً عتبة الأغلبية (85) بفارق ضئيل. لكن اللافت كان تضاعف دعم "الحزب التقدمي" اليميني الشعبوي من 11% في انتخابات 2021، إلى نحو 24% رغم استقرار البلاد اقتصادياً. هذا الصعود يُعبّر عن تحوّل ثقافي، إذ بدأ الحزب بجذب الشباب عبر قضايا كالهجرة والضرائب والنظام العام، منتقداً ما يسميه "نخبة أوسلو".

ورغم تبنّيه لغة يمينية شعبوية، يسعى الحزب للتمايز عن أمثال مارين لوبان (فرنسا) وخيرت فيلدرز (هولندا) وفيكتور أوربان (المجر)، ويفضّل التقارب مع المحافظين البريطانيين والليبراليين الدنماركيين. وفي تصريح لافت، قالت زعيمة الحزب سيلفي ليستهاوغ، إن أكثر من يُعجبها دولياً هي ميتا فريدركسن، رئيسة وزراء الدنمارك الاجتماعية الديمقراطية، رغم اتهامها من يسار كوبنهاغن بالانزياح نحو اليمين.

بريطانيا: فاراج يقتحم المشهد مجدداً

في بريطانيا، عاد نايجل فاراج، مهندس البريكست وزعيم حزب "إصلاح المملكة المتحدة"، إلى الواجهة بزخم كبير. ففي خضم تراجع ثقة الجمهور في الأحزاب التقليدية، وتنامي الإحباط من أداء الحكومة، يتصدر حزبه استطلاعات الرأي بنسبة تتراوح بين 30 و34%، متفوقاً على حزب العمال الحاكم (20–25%) والمحافظين. فقد استغل فاراج فضائح حكومية، منها استقالة نائبة رئيس الوزراء أنجيلا راينر بسبب قضية ضريبية، لتقديم نفسه منقذا من "طبقة سياسية فاسدة ومنفصلة عن الواقع"، كما قال أخيراً في مؤتمر حزبه بمدينة برمنغهام.

هذا الصعود لا يعكس فقط شعبية فاراج، بل أزمة بنيوية في النظام الحزبي البريطاني. فحتى مع إيمان غالبية البريطانيين اليوم بأن البريكست كان قراراً خاطئاً، لا يزال فاراج قادراً على تعبئة الشارع بخطابه المناهض للهجرة والنخب السياسية. وقد أظهر استطلاع حديث أن 20% من البريطانيين يعتبرون فاراج الشخصية الأنسب لتمثيل المملكة المتحدة، متفوقاً على رئيس الوزراء كير ستارمر (19%).

فرنسا وألمانيا: التيار يتوسع

في فرنسا، يتقدم حزب التجمع الوطني المناهض للهجرة بثبات في استطلاعات الرأي. وتشير الأرقام إلى أن زعيمه الشاب جوردان بارديلا قد يفوز بالجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية المقبلة بنسبة 36%، بدعم مباشر من مارين لوبان. وفي ألمانيا، يحقق حزب البديل من أجل ألمانيا تقدماً غير مسبوق، متجاوزاً أحزاب الائتلاف الحاكم في بعض الاستطلاعات. فبعد عشر سنوات من سياسة الترحيب باللاجئين والمهاجرين، التي تبنتها المستشارة السابقة أنجيلا ميركل، تواجه ألمانيا اليوم تحديات اقتصادية، مع أكثر من 3 ملايين عاطل عن العمل، ما وفر أرضاً خصبة للخطاب الشعبوي.

موجة شعبوية أوروبية: الصورة العامة

لأول مرة في التاريخ الحديث، تشهد أكبر اقتصادات أوروبا، فرنسا وألمانيا وبريطانيا، تقدماً متزامناً لأحزاب يمينية شعبوية في استطلاعات الرأي. ويُضاف إلى هذه الموجة أحزاب في:

  • إيطاليا: "إخوة إيطاليا" بقيادة رئيسة الوزراء جيورجيا ميلوني.
  • بولندا: حزب القانون والعدالة، مشاركاً في الحكم في مناسبات عدة.
  • المجر: تحالف فيديز بقيادة أوربان.
  • السويد: الديمقراطيون السويديون، بقيادة جيمي أوكوسون.

فنلندا، النمسا، إسبانيا، هولندا.. والقائمة تطول، والواقع أن معظم هذه الأحزاب باتت تشارك في الحكم (كحال فنلندا مع حزب الفنلنديين الحقيقيين، وكذلك هولندا والنمسا)، أو تدفع السياسات الوطنية نحو مواقف أكثر تشدداً في ملفات الهجرة، الأمن، والهوية الوطنية.

دوافع الموجة

رغم تنوع السياقات بين دول مثل النرويج، بريطانيا، فرنسا، وألمانيا، فإن عدة عوامل مشتركة تبدو وراء هذا المدّ الشعبوي:

  • إحباط ثقافي أكثر منه اقتصاديا: شعور بأن الهوية الوطنية مهددة، وأن النخب الحاكمة منفصلة عن المجتمع.
  • ضعف القيادات التقليدية: كما في بريطانيا، حيث يفتقر حزب العمال والمحافظون إلى شخصيات ملهمة.
  • تلاشي الفروقات بين الأحزاب الكبرى: ما يدفع الناس للبحث عن "أصوات حقيقية" خارج النظام السياسي التقليدي، وخصوصاً في تبني بعض الوسط السياسي الحزبي خطابات أقصى اليمين، على أمل سحب بساط احتكار الشعبويين لخطاب يدغدغ مشاعر الناخبين من تحت أقدام أحزابهم.
  • استغلال مشاعر الريف ضد المدينة: تروّج معظم الأحزاب الشعبوية لرواية مفادها أن "أهل الأقاليم" يتعرضون للتهميش لصالح نخب المدن الكبرى. حدث ذلك في تجربة الإيطالي ماتيو سالفيني في سياق "رابطة الشمال"، قبل أن يشطب منها الشمال لتوسيع تمدده نحو كل إيطاليا.
  • الخوف من الهجرة والتغيير الديمغرافي: خاصة بعد موجات اللاجئين خلال العقد الماضي، وتبني بعض الشعبوية لخطاب "الغزو" و"الاستبدال الكبير".

وعليه تعيش أوروبا اليوم جدالاً حول ما ستؤول إليه ديمقراطيتها مستقبلاً، ففي النرويج، احتفظ يسار الوسط بالحكم، لكنّ "التقدم" الشعبوي بات القوة الثانية في البلاد. وفي بريطانيا، قد ينجح فاراج في قلب الطاولة إذا استمرت الأحزاب التقليدية في التخبط. أما في فرنسا وألمانيا، فتتزايد المؤشرات على اقتراب الأحزاب اليمينية الشعبوية من مفاصل السلطة. وهذا كله يطرح سؤالاً وجودياً على الديمقراطيات الأوروبية: هل ستتمكن من تجديد نفسها واحتواء الغضب الشعبي؟ أم أنها ستستسلم للمدّ الشعبوي، بكل ما يحمله من وعود.. ومخاطر؟