هذه المستوطنة تهدد عشرات آلاف الدونمات من سهل عرابة
عرابة ثاني أكبر وأهم سهل في فلسطين التاريخية بعد مرج بن عامر
لم يمضِ سوى نحو شهرين ونصف شهر على إقامة بؤرة استيطانية إضافية في منطقة "الراس الشمالي" ببلدة عرابة جنوب غربي جنين شمالي الضفة الغربية المحتلة، حتى دشن مستوطنون مكانها مطلع الأسبوع الماضي، مستوطنة أطلقوا عليها اسم عيمك دوتان. وتهدد هذه المستوطنة عشرات آلاف الدونمات من أراضي سهل عرابة، كما تشكل خطراً على حياة الأهالي وممتلكاتهم، في سياق مشروع استيطاني يستهدف محافظة جنين. وتتصاعد المخاوف من التمدد الاستيطاني نحو سهل عرابة، الذي تُقدّر مساحته بنحو 33 ألف دونم، وهو ثاني أكبر وأهم سهل في فلسطين التاريخية بعد مرج بن عامر. ويُخشى أن يكون الاستيلاء على أجزاء منه مقدمة لتدحرج استيطاني يطاول ما تبقى منه، ويهدد بمحو سلة غذائية كاملة لصالح المستوطنين.
اطرح أسئلة حول هذا الموضوع
يتم إنشاء النصوص والإجابات بواسطة الذكاء الاصطناعي اعتمادًا على تقارير العربي الجديد، لذا يُنصح بالتحقق من المصادر المرفقة. (خدمة تجريبية)
هذا الموقع محمي بواسطة reCAPTCHA وتطبّق عليه سياسة الخصوصية وشروط الخدمة الخاصة بشركة Google.
ادعاءات أمنية تدمر مصادر دخل المزارعين
يترقب المزارع الفلسطيني من بلدة عرابة حازم الشاعر، هدم مزرعته الواقعة في سهل عرابة، بعدما تلقى في السادس من الشهر الحالي إخطاراً باقتلاع الاحتلال أشجاراً ونباتات مزرعة العنب الخاصة به، والمقامة على مساحة سبعة دونمات، التي تضم نحو 850 شجرة، بذريعة وجود مخاوف أمنية مرتبطة بمستوطنة عيمك دوتان. ويقول الشاعر لـ"العربي الجديد" إن "المزرعة قائمة منذ 13 عاماً، وتبعد نحو كيلومترَين عن المستوطنة الجديدة"، مشيراً إلى أن الأرض منخفضة عن الشارع ولا تشكل أي خطر أمني كما يدعي الاحتلال.
الإخطار بحسب الشاعر، منحه 48 ساعة فقط قبل تنفيذ الهدم، ما دفعه وأفراد عائلته وأصدقاءه إلى التوجه، صباح اليوم التالي، بشكل عاجل، لقطف محصول العنب كاملاً، رغم أنه لم يكن ناضجاً، ثم بيعه لتفادي خسارة المحصول بالكامل. مزرعة الشاعر كانت تنتج نحو 15 طناً من العنب سنوياً، بقيمة تقدر بنحو 50 ألف دولار، ويؤكد المزارع الفلسطيني أنها مصدر رزق خمس عائلات من إخوته، مشيراً إلى أنه توجه إلى القضاء عبر بلدية عرابة. ويحذّر الشاعر من أن ما يجري لا يقتصر على مزرعته، بل قد يكون مقدمة للاستيلاء على مزيد من الأراضي ومصادرتها في المنطقة.
منذ نحو 16 عاماً يزرع الصحافي أحمد زكي العريدي، الذي يمتلك أراضي زراعية في بلدة عرابة، أراضي عائلته البالغة نحو 120 دونماً، فيما يستهدف قرار التدمير (ضمن سلسلة من إخطار الهدم في المنطقة) نحو 15 دونماً منها مزروعة بأشجار الزيتون التي "زرعها الأجداد والآباء"، تفصلها عن مستوطنة عيمك دوتان مسافة تقدر بعشرات الأمتار. وكانت هذه الأراضي، وفق العريدي، تنتج نحو تسعة آلاف دينار أردني (نحو 12700 دولار أميركي) من زيت الزيتون، مؤكداً في حديث لـ"العربي الجديد"، أن خسارة هذا الدخل تعني ضربة مباشرة لاقتصاد أسرته ومعيشة أبنائها.
أحمد زكي العريدي: إقامة المستوطنة الجديدة تمثل تهديداً مباشراً لأراضي المزارعين ومصدر رزقهم
ويقول العريدي إن "إقامة المستوطنة الجديدة في منطقة الراس الشمالي التي تعرف أيضاً باسم النّقِب، تمثل تهديداً مباشراً لأراضي المزارعين ومصدر رزقهم"، محذراً من أن تدمير الأشجار وشق الطرق الاستيطانية قد يكون مقدمة للتوسع والاستيلاء على مساحات أكبر من الأراضي، ما يهدد سهل عرابة البالغة مساحته 33 ألف دونم. ويحذر أيضاً من اعتداءات المستوطنين على المزارعين، معتبراً مستوطنة عيمك دوتان "مركزاً (مقدمة) لتمهيد (تكثيف) الاعتداء على الأراضي وربط المستوطنات بشوارع جديدة".
فصل عرابة عن سهلها
يوضح رئيس بلدية عرابة أحمد العارضة، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن "المستوطنين في أواخر شهر مايو/ أيار من العام الحالي، أقاموا بؤرة استيطانية في منطقة الراس الشمالي، في المنطقة الواقعة بين بلدة عرابة وسهلها التاريخي، ثاني أكبر سهل ومرج في فلسطين من حيث المساحة". ويبيّن أن المستوطنين "وضعوا بيوتاً متنقلة، ثم أجروا عمليات تجريف وأنشأوا بنية تحتية لها، وصولاً لإعلان تدشينها مستوطنةً أطلقوا عليها اسم عيمك دوتان".
وبحسب العارضة، فإن الأراضي التي جرفها الاحتلال بهدف إقامة المستوطنة عليها، حتى الآن، تقدر مساحتها بنحو 220 دونماً، إلا أن الخطورة، وفق قوله، تكمن في موقع المستوطنة، التي تفصل المنطقة الجبلية شمالي عرابة عن سهلها، وتطل مباشرة على السهل الزراعي. ووفق رئيس البلدية، فإن مساحة عرابة الجغرافية مع سهل عرابة تبلغ نحو 57 ألف دونم. ويشير رئيس البلدية إلى أن المنطقة باتت محاطة بسلسلة من المواقع الاستيطانية والعسكرية. فمستوطنة مابو دوتان المقامة على أراضي عرابة منذ عام 1985، تقع إلى غرب البلدة، فيما تقع مستوطنة عيمك دوتان شمالها، وذلك إلى جانب معسكر دوتان في الجهة الشرقية، ما يشدد، بحسب العارضة، الحصار على عرابة ومحيطها.
تهديد متواصل
يؤكد العارضة أن نحو 1400 دونم من أراضي الزيتون تأثرت مباشرةً بالمستوطنة الجديدة، بعدما أقام المستوطنون سواتر ترابية على الطرق الزراعية المؤدية إليها، ومنعوا المزارعين الفلسطينيين من الوصول إلى أراضيهم، وسط تخوف من تصاعد الاعتداءات مع اقتراب موسم الزيتون في شهر أكتوبر/ تشرين الأول المقبل. ولا تتوقف المشكلة عند هذه المساحة، إذ يوضح العارضة أن نحو 1500 دونم أخرى محاذية لمستوطنة مابو دوتان، لم يتمكن المزارعون من الوصول إليها منذ السابع من أكتوبر 2023، ما يرفع إجمالي أراضي الزيتون المتضررة إلى نحو ثلاثة آلاف دونم.
ويحذر العارضة من أن الخطر الأكبر يطاول سهل عرابة، لافتاً إلى أنه ثاني أكبر سهل داخلي في فلسطين التاريخية بعد مرج بن عامر. وبحسب العارضة، فإن السهل يشكل مصدر رزق لآلاف المزارعين من عرابة والقرى والبلدات المجاورة، فيما اضطرت عائلات ومزارعون إلى ترك أراضٍ يملكونها أو يستأجرونها بعدما أصبح الوصول إليها محفوفاً بخطر الاعتداءات. ويلفت العارضة إلى أن كثيراً من أبناء عرابة الذين كانوا يعملون في الداخل الفلسطيني المحتل عام 1948، توجهوا بعد أحداث السابع من أكتوبر 2023، إلى الزراعة وأقاموا مشاريع زراعية، لكن هذه المشاريع أصبحت مهددة بسبب الاعتداءات وصعوبة الوصول إلى الأراضي.
ويشدد على أن "المستوطنين ينفذون اعتداءات يومية على المزارعين، وينزلون (يقتحمون) إلى الأراضي وهم مسلحون، ويطالبون المواطنين بمغادرة أراضيهم بدعوى أنها لهم، في جزء من محاولات دفع الأهالي إلى الرحيل والسيطرة على الأرض". ويحذر العارضة في هذا السياق من خطورة استهداف أراضي عرابة، الواقعة على بعد نحو 12 كيلومتراً جنوب غرب مدينة جنين، وتتوسط محافظات جنين ونابلس وطولكرم وطوباس، ما يؤثر بالشريان الواصل بين تلك المحافظات. وفي مواجهة ذلك، يقول العارضة إن "بلدية عرابة تعمل على توثيق الاعتداءات اليومية المتواصلة، وتسجيل إفادات المواطنين، والتواصل مع هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية ومحامين، لرفع القضايا أمام القضاء"، معتبراً أن استمرار هذه الممارسات يهدد بإفراغ المنطقة من سكانها ومزارعيها.
تعود نواة تأسيس بلدة عرابة إلى الكنعانيين، في منطقة تل دوتان الكنعانية، إذ يوضح العارضة أن البلدة تضم مواقع أثرية أخرى كبلدتها القديمة وقصور آل عبد الهادي والمسجد الكبير والقصبات (أبنية وشوارع عتيقة) والبوابات التاريخية المحيطة بها، إضافة إلى منطقة الحفيرة ومنطقة الخِرَب (موقعان أثريان). ويبلغ عدد سكان عرابة، وفق رئيس بلديتها، نحو 17 ألف نسمة، فيما ارتبطت البلدة تاريخياً بالاغتراب، إذ يقول إن نحو 65 ألفاً من أبناء عرابة يعيشون خارجها، في إطار هجرات امتدت على مدى عقود.
تشتهر عرابة تاريخياً بالزراعة، وفي مقدمتها أشجار الزيتون، ولا سيما الزيتون الرومي الذي يمتد لآلاف السنين، إلى جانب سهلها الزراعي الذي تزرع فيه محاصيل متنوعة تشمل الفقوس والخيار والشمام والبطيخ والسمسم والعدس والبيقية والكرسنة (أعشاب) والبامية والبندورة، إضافة إلى العنب واللوزيات والتين والصبر (صبار). ويرتبط اسم عرابة كذلك بتاريخ نضالي فلسطيني طويل، إذ يقول العارضة إن أبناء البلدة شاركوا في مقاومة الاحتلال منذ أكثر من 100 عام، وإنها كانت حاضرة في الانتفاضة الأولى (1987)، وشهدت اقتحامات ومواجهات مبكرة مع قوات الاحتلال. ويشير إلى وجود عدد كبير من الشهداء والأسرى والجرحى من أبناء البلدة.
ما أهمية عيمك دوتان الاستراتيجية؟
يؤكد المختص بالشأن الإسرائيلي، الفلسطيني عزام أبو العدس، أن إقامة مستوطنة عيمك دوتان في منطقة عرابة تكتسب أهمية أمنية واستراتيجية واقتصادية لإسرائيل، باعتبارها تتيح السيطرة على مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، ولا سيما سهل عرابة. ويوضح في حديث لـ"العربي الجديد"، أن إسرائيل انسحبت عام 2005 (ضمن خطة فك الارتباط
الإسرائيلية أحادية الجانب، هي غانيم وكاديم وحومش وصانور) من أربع مستوطنات في منطقة جنين، بعدما أصبحت تشكل عبئاً أمنياً بسبب عمليات إطلاق النار خلال انتفاضة الأقصى (2000-2005)". إلا أن المنطقة، وفق أبو العدس، أصبحت "أكثر جذباً لإسرائيل خلال العام الأخير، في ظل ما وصفته بتحقيق الأمن في الضفة الغربية وتراجع نشاط التشكيلات المسلحة، خصوصاً في جنين". ويوضح أن المستوطنة الجديدة، لقربها من معسكر دوتان، تتيح لإسرائيل السيطرة على عشرات آلاف الدونمات بعدد محدود من المستوطنين والجنود.ويشير أبو العدس إلى أن الهدف الأوسع من حجم الاستيطان المكثف، يتمثل بمنع وجود فلسطيني متواصل جغرافياً في الضفة الغربية، عبر أدوات عسكرية واستيطانية، حيث تعتبر إسرائيل أن المستوطنات تمنحها امتداداً جغرافياً وسيطرة أمنية، خصوصاً مع دمج المستوطنين في المنظومة الأمنية. وبشأن تسمية المستوطنة الجديدة عيمك دوتان، يوضح أبو العدس أن "عيمك" تعني بالعبرية "الوادي"، وبالتالي فإنّ عيمك دوتان تعني "وادي دوتان" للإشارة إلى العمق والامتداد، معتبراً أن استخدام الأسماء المرتبطة بالجغرافيا والتاريخ، ومنها "دوتان" ذات الارتباط بالموقع الكنعاني القديم، يندرج في إطار ترسيخ الرواية التاريخية والجغرافية الإسرائيلية عبر سرديات توراتية.
محاصرة جنين بالاستيطان
لم تكتفِ سلطات الاحتلال الإسرائيلي بإعادة المستوطنات الأربع التي أخليت عام 2005 من منطقة جنين، إذ يؤكد مسؤول ملف التوثيق في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية أمير داود، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن مجموع المواقع الاستيطانية وصل خلال الأشهر الماضية إلى 12 موقعاً، في إطار تسارع استيطاني واضح في محافظة جنين ومحيطها.
أمير داود: الاحتلال صادر نحو ألف دونم من أراضي محافظة جنين خلال السنوات الثلاث الماضية
ويوضح أن مستوطنة عيمك دوتان، تأتي ضمن طوق استيطاني يحيط بالمحافظة من مختلف الجهات، لافتاً إلى أن مستوطنة "نوعا"، التي أقيمت أخيراً، والواقعة إلى الجنوب من جنين بين بلدتي قباطية ومسلية، تشكل مع عيمك دوتان جزءاً من هذا الطوق. ويشير داود إلى أن الاحتلال أصدر قبل نحو أسبوعين أوامر عسكرية لربط المستوطنين بطريق استيطاني يجري حالياً العمل فيه، بما يعكس أن الأمر يتجاوز إقامة مواقع استيطانية منفردة إلى إحكام السيطرة على الجغرافيا الفلسطينية، عبر منظومة متداخلة من المستوطنات والبؤر والطرق والأوامر العسكرية والحواجز.
ويلفت كذلك إلى وجود "عشرات الإخطارات" بالهدم وإزالة الأشجار في مناطق شرقي جنين وجنوبيها، خلال الأسبوع الأخير، وكلها في سياق خدمة المشروع الاستيطاني في المنطقة. ويؤكد أن الاحتلال صادر نحو ألف دونم من أراضي محافظة جنين خلال السنوات الثلاث الماضية، بموجب 27 أمراً عسكرياً صدرت في مواقع متفرقة، بعضها مترابط، مؤكداً أن هذه الأوامر تمثل بنية عسكرية وأمنية تمهّد للبناء الاستيطاني.