كير ستارمر يحذّر من عودة العنصرية إلى الخطاب السياسي في بريطانيا
استمع إلى الملخص
- أثارت تصريحات حزب "ريفروم يو كي" حول ترحيل المهاجرين انتقادات واسعة، حيث وصفها ستارمر بالعنصرية. أكد ستارمر أن بريطانيا تخوض "معركة من أجل روحها" ضد "باعة الوهم"، مشدداً على أن حزب العمّال يقف ضد التجزئة والكراهية.
- تواجه حكومة حزب العمّال تراجعاً في شعبيتها بسبب عدم تحقيق النمو الاقتصادي وارتفاع الهجرة. صعد حزب "ريفروم يو كي" في استطلاعات الرأي، مستفيداً من الغضب الشعبي. دعا ستارمر إلى استعادة المعنى الحقيقي للانتماء الوطني ورفض الكراهية.
يتّسع الانقسام السياسي في بريطانيا مع تصاعد تحذيرات رئيس الوزراء كير ستارمر من عودة الخطاب العنصري إلى المشهد العام، وسط اتهامات مباشرة لحزب "ريفروم يو كي" (إصلاح المملكة المتحدة) اليميني المتطرف بزعامة نايجل فاراج بأنه يمزّق البلاد بخطاب الكراهية والانقسام. وفي مقابلة مع قناة "آي تي في"، قال ستارمر إن "الخطاب العنصري والتقسيمي الذي ظننا أننا تجاوزناه منذ عقود عاد الآن إلى السياسة البريطانية وعاد الناس للإحساس بالخوف من جديد"، واعتبر "أن تكون بريطانياً يعني أن تكون متسامحاً وعطوفاً ومتّحداً مع الآخرين وأن ترفض العنصرية والانقسام. هذه هي الوطنية الحقيقية"، بحسب تقرير نشرته اليوم صحيفة "ذا غارديان" البريطانية.
جاءت المقابلة، بعد حديث لستارمر خلال مؤتمر حزب العمّال السنوي في ليفربول أواخر سبتمبر/أيلول الماضي، إذ أطلق ما وصفه بـ "المعركة من أجل روح البلاد"، معتبراً أن الصراع لم يعد بين اليسار واليمين، بل بين "تجديد وطني قائم على الوحدة" تمثّله حكومته، و"سياسة الغضب والانقسام" التي يقودها اليمين الشعبوي، وقال إن "التحكم في الهجرة مطلب مشروع، لكن عندما يتحوّل إلى عنف أو كراهية فهذا ليس رأياً، بل جريمة"، بحسب ما أوردته وكالة أسوشييتد برس.
أمّا صحيفة "ذا تلغراف" فأشارت في تقرير لها اليوم، إلى أنّ تصريحات ستارمر جاءت ردّاً على سؤال للطبيب ومقدّم البرامج أمير خان، الذي قال إنه "لم يشعر يوماً بأنه أقل أماناً في بلده كما الآن"، في إشارة إلى تصاعد الشعور بالخوف بين أبناء الأقليات، وردّ ستارمر بأن "الانقسام الذي يزرعه اليمين المتشدد يشكّل خطراً على النسيج الوطني البريطاني".
وكان كير ستارمر قد وصف في سبتمبر الماضي خطة حزب "ريفروم يو كي" لترحيل المهاجرين الجماعي بـ "العنصرية"، بعد أن تعهّد الحزب بترحيل مئات الآلاف من المقيمين القانونيين وإجبار غير الأوروبيين على إعادة التقديم للحصول على تأشيرات بشروط أكثر صرامة، تشمل مستوى أعلى من الدخل وإتقاناً أكبر للغة الإنكليزية. وأثارت تلك المقترحات موجة انتقادات واسعة، بعدما قالت النائبة عن الحزب سارة بوتشن إن "الإعلانات في بريطانيا باتت مليئة بالوجوه السوداء والآسيوية"، وهو تصريح أثار غضباً واسعاً داخل الأوساط السياسية والإعلامية.
ورغم اعتذارها لاحقاً، رفض فاراج وصف التصريحات بأنها عنصرية، مكتفياً بالقول إنها "قبيحة"، بيد أنّه رفض تعليق عضويتها من الحزب. وفي المقابل، زعم بأنه "أبعد اليمين المتطرف عن السياسة البريطانية" منذ سنوات، معتبراً أن حزبه لا يمثل أي أجندة عنصرية.
من جهة أخرى، ذكرت وكالة أسوشييتد برس أن خطاب كير ستارمر في ليفربول حمل نبرة مختلفة عن المعتاد، أكثر حدة وانفعالاً. إذ قال إن بريطانيا تخوض "معركة من أجل روحها" في مواجهة من سمّاهم "باعة الوهم الذين يقدّمون حلولاً سحرية ويزرعون الشك في مستقبل البلاد"، وأكّد أن حزب العمّال يقف ضد التجزئة وضد الكراهية ومع الأمل والعمل، وأضاف: "أرفض تماماً أن يُقال إن بريطانيا مكسورة. بلادنا قادرة على النهوض من جديد إذا نبذنا سياسة الغضب والشك".
ويأتي ذلك بينما تواجه حكومة حزب العمّال تراجعاً في شعبيتها بعد فوزها الكاسح في انتخابات 2024، إذ لم يتحقق النمو الاقتصادي الموعود وارتفعت معدلات الهجرة، وتفاقمت أزمة تكاليف المعيشة. علاوة على التصريحات الإذاعية لوزيرة الخزانة رايتشل ريفز التي أقرّت أن "الرياح الاقتصادية المعاكسة من الحرب في أوكرانيا والشرق الأوسط إلى الرسوم الأميركية الجديدة، فرضت واقعاً صعباً على الحكومة"، وأشارت إلى أن الموازنة المقبلة في 26 نوفمبر/تشرين الثاني ستتضمن "قرارات قاسية، مع تأكيدها أنّ البلاد لا يمكن أن تُبنى بخطاب الغضب والانقسام".
في الوقت نفسه، صعد حزب "ريفروم يو كي" في استطلاعات الرأي، متفوّقاً على حزب العمّال بفارق من رقمين، مستفيداً من الغضب الشعبي بشأن ملف الهجرة والضرائب. هذا الصعود يعكس، كما رأت "ذا تلغراف"، تحوّلاً في المزاج الشعبي البريطاني نحو مزيد من التشدد والانغلاق، ما يجعل المواجهة مع حكومة ستارمر أكثر تعقيداً.
وتُجمع تحليلات صحيفة "ذا غارديان" ووكالة أسوشييتد برس على أنّ ما يواجهه ستارمر اليوم ليس خصومة حزبية عابرة، بل إنّه تحدٍ ثقافي وأخلاقي يعيد رسم حدود الخطاب العام في بريطانيا، وسط ما وصفه وزير الصحة ويس ستريتينغ سابقاً بـ"عودة العنصرية القبيحة إلى الشوارع والإعلام". في ختام حديثه، دعا ستارمر البريطانيين إلى استعادة المعنى الحقيقي للانتماء الوطني، وقال: "يمكننا أن نرفع علمنا بفخر ونحن نحتفي باختلافنا ونرفض الكراهية في الوقت نفسه. أن تكون وطنياً لا يعني أن تخاف من الآخر، بل أن تؤمن بأن التنوع جزء من قوتنا".