مدريد منصة تفاوض جديدة حول الصحراء و"الحكم الذاتي الحقيقي" في الواجهة

08 فبراير 2026   |  آخر تحديث: 16:06 (توقيت القدس)
علم المغرب في الصحراء الغربية، نوفمبر 2020 (فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تقود الولايات المتحدة جهودًا دبلوماسية لإحياء مفاوضات الصحراء الغربية، باختيار مدريد لاجتماع سري يضم المغرب، الجزائر، موريتانيا، وجبهة البوليساريو، بهدف التوصل إلى تسوية سياسية مستندة إلى قرار مجلس الأمن.
- تعمل المغرب على تحديث مقترح الحكم الذاتي لعام 2007، مستلهمة من نماذج أوروبية، مع تضمين استفتاء وتعديل دستوري، دون إدراج خيار الاستقلال.
- جبهة البوليساريو، بدعم جزائري، مستعدة للتعاون بشرط تضمين خيار الاستقلال في الاستفتاء، مما يجعل اجتماع مدريد اختبارًا حاسمًا للمفاوضات المستقبلية.

رغم أنه لم يصدر أي تعليق رسمي يؤكد أو ينفي انعقاد لقاء تفاوضي حول الصحراء الغربية في مدريد، في ظلّ انشغال الأوساط السياسية والإعلامية في إسبانيا بمتابعة نتائج انتخابات إقليم أراغون، المرتقب إعلانها مساء اليوم الأحد، إلّا أن ذلك لم يمنع تداول وسائل إعلام إسبانية معلومات عن تحرك دبلوماسي تقوده الولايات المتحدة لإعادة تحريك مسار تفاوضي ظل متعثراً لسنوات.

وبحسب هذه المصادر، اختارت واشنطن العاصمة الإسبانية، بوصفها مقر القوة الاستعمارية السابقة في الإقليم، لاحتضان اجتماع سري يضمّ وزراء خارجية المغرب والجزائر وموريتانيا، إلى جانب ممثل جبهة البوليساريو، في محاولة لدفع أطراف النزاع نحو تسوية سياسية بعد أكثر من نصف قرن على اندلاع القضية، وبصيغة غير مسبوقة منذ "المسيرة الخضراء" عام 1975.

وتأتي هذه المبادرة الأميركية في أعقاب القرار الصادر عن مجلس الأمن في 31 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، الذي اعتبر أن التوصل إلى "حكم ذاتي حقيقي" يشكل "الخيار الأكثر قابلية للتطبيق" من أجل حل سياسي للنزاع حول الإقليم. وبات القرار، الذي صاغته واشنطن وصدر من دون اعتراض، يشكل على ما يبدو الإطار المرجعي الأساسي لأي تحرك دبلوماسي جديد.

من جانبها، اكتفت وزارة الخارجية الإسبانية بالإعلان عن لقاءات منفصلة عقدها الوزير خوسيه مانويل ألباريس في مدريد مع نظيريه الجزائري والموريتاني، أمس السبت، على أن يلتقي قريباً وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة، إضافة إلى المبعوث الأممي للصحراء الغربية ستافان دي ميستورا، والمندوب الأميركي لدى الأمم المتحدة مايكل والتز. وتشارك هذه الأطراف في مسار تفاوضي ترعاه واشنطن مباشرةً، في ظل تصاعد الضغوط الأميركية لإعادة تحريك ملفات نزاعات دولية طويلة الأمد. وكانت "العربي الجديد" قد سألت مصادر في وزارة الخارجية الإسبانية عن الاجتماع السري المتوقع انعقاده اليوم، لكن لم تتلق أيّ تأكيد أو نفي.

وترجح مصادر إعلامية إسبانية أن يكتفي المغرب بعرض نسخة موسعة ومحدثة من مقترح الحكم الذاتي الذي قدمه عام 2007، باعتباره أرضية للنقاش، من دون الدخول بعد في تفاصيل تفاوضية نهائية. وتختلف صيغة مدريد عن الجولات السابقة التي عقدت في مانهاست بالولايات المتحدة (2007–2008) وجنيف (2018–2019)، سواء من حيث مستوى التمثيل أو تعدّد الرعاة، ما يمنحها طابعاً تجريبياً قد يرسم ملامح المسار المستقبلي.

في موازاة ذلك، يتحرك المغرب على جبهة أخرى تتعلق بإعادة صياغة مضمون مقترح الحكم الذاتي نفسه، فقد كانت الرباط قد أعلنت عن عزمها تقديم نص جديد "أكثر تفصيلاً" من مقترح 2007، الذي وُصف حينها بالعمومية ومحدودية الصلاحيات. وضمن هذا السياق، بحثت السلطات المغربية في نماذج أوروبية للحكم الذاتي، من بينها أقاليم ما وراء البحار الفرنسية، وتجربتا أسكتلندا وأيرلندا الشمالية، إضافة إلى نموذج الجماعات المستقلة في إسبانيا، ولا سيّما كاتالونيا، التي تحضر باعتبارها مرجعاً متكرراً في النقاش الإعلامي والدبلوماسي.

وبحسب ما أوردته صحف إسبانية، فإن النسخة الجديدة من المقترح المغربي قد تكون أوسع بنحو عشرة أضعاف من نص 2007، مع التنصيص على عرضها للاستفتاء، وإدماجها في الدستور عبر تعديل دستوري. غير أن الرباط ما زالت ترفض حتى الآن أن يتضمن أي استفتاء خيار الاستقلال، رغم تأكيد وزير خارجيتها أن الحكم الذاتي يشكل، في نظر المغرب، ممارسة فعلية لحق تقرير المصير.

في المقابل، جددت جبهة البوليساريو، من مخيّمات تندوف في الجزائر، استعدادها للتعاطي المرن مع الجهود الدولية، مؤكدة أنها لا ترفض مبدأ الحكم الذاتي، شريطة أن يُعرض ضمن استفتاء حر يتيح للشعب الصحراوي الاختيار بينه وبين الاستقلال. وتتمسك الجبهة، مدعومة من الجزائر، بتوصيف النزاع بوصفه قضية تصفية استعمار، وهو توصيف لا يزال حاضراً في أدبيات الأمم المتحدة.

وتتزامن هذه التحركات الخارجية مع نقاش داخلي مغربي محدود حول مضمون الحكم الذاتي وحدوده، في بلد ما زالت بنيته السياسية شديدة المركزية، رغم اعتماد مسار "الجهوية المتقدمة" منذ أكثر من عقد. في هذا السياق، تبدو مدريد محطة اختبار: هل يكتفي المغرب بتقديم نص محسن شكلياً، أم أن الضغوط الأميركية والدولية ستدفع نحو نقاش أعمق حول طبيعة السلطة والصلاحيات في الإقليم؟ الإجابة قد تتضح مع تقدم هذا المسار التفاوضي غير المسبوق، الذي أعاد الصحراء الغربية إلى واجهة الدبلوماسية الدولية بعد سنوات من الجمود.