مسيّرات الدعم السريع... هجمات انتقامية تتنقل بين المدن السودانية

16 سبتمبر 2025   |  آخر تحديث: 04:03 (توقيت القدس)
الدمار في الخرطوم، 29 أغسطس 2025 (الطيب الصديق/رويترز)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- مليشيات الدعم السريع تشن هجمات مكثفة بالطائرات المسيرة الانتحارية على أهداف مدنية وعسكرية في السودان، مما يسبب أضراراً كبيرة للبنية التحتية وانقطاع التيار الكهربائي.
- الجيش السوداني يتصدى لبعض الهجمات، لكن الدعم السريع يستمر في استهداف مواقع حيوية، مما يعكس استراتيجية ممنهجة لتدمير البنية التحتية، مع تطور في قدراتها العسكرية.
- استخدام الطائرات المسيرة يعكس فشلاً عسكرياً للدعم السريع، ويثير قلق المواطنين، حيث تهدف الهجمات إلى إرسال رسائل سياسية وتعزيز موقفها العسكري والسياسي.

وسط المعارك المتواصلة بين الجيش السوداني ومليشيات الدعم السريع في إقليمي دارفور وكردفان، باشرت "الدعم" شنّ هجمات مكثفة بالطائرات المسيّرة الانتحارية على أهداف مدنية وعسكرية في عدد من المدن، على رأسها العاصمة الخرطوم، وذلك بعد عملية عسكرية واسعة بدأها الجيش والقوات المساندة له في الأيام الماضية ضد مواقع سيطرة "الدعم السريع" في إقليم كردفان جنوب وسط البلاد. وتسببت هجمات الطائرات المسيّرة في أضرار طاولت محطات الكهرباء ومستودعات الوقود والمطارات المدنية الولائية، وبعض المواقع العسكرية التابعة للجيش. وكانت معارك ضارية قد اندلعت مطلع الأسبوع الماضي في عدد من المناطق في إقليم كردفان، بعد هدوء شهدته المنطقة في الفترة الماضية. ودارت اشتباكات متزامنة وغارات جوية كثيفة، نفذها الجيش في مناطق أم صميمة ورهيد النوبة وكازقيل والرياش، واستمرت المناوشات في منطقة كازقيل بولاية شمال كردفان.


شنت الدعم السريع هجوماً بطائرات مسيرة طاول محطة أم دباكر لتوليد الكهرباء

تقدم الجيش السوداني

وعقب تحقيق الجيش تقدماً على حساب قوات الدعم السريع في المنطقة، شنّت الأخيرة هجوماً واسعاً بطائرات مسيرة انتحارية، في الثامن من سبتمبر/ أيلول الماضي، على عدد من المواقع المدنية والعسكرية في مدن العاصمة الخرطوم الثلاث؛ الخرطوم وبحري وأم درمان، ما أدى إلى انقطاع التيار في مناطق عديدة في أم درمان، وقد سمع المواطنون أصوات الانفجارات منذ الصباح الباكر. وبعد يوم من الهجوم، أعلنت وزارة الطاقة في بيان أن الهجوم طاول محطة كهرباء منطقة المرخيات بأم درمان، إلى جانب مصفاة الخرطوم للنفط التي أصيبت بعدد من المسيرات، ركزت على مركز التحكم والعدادات وخزانات الغاز وخطوط الوقود الرابطة لمحطة كهرباء "قري 3". وأشارت الوزارة إلى أنها كانت قد شرعت في عمليات صيانة هذه المواقع، التي استُهدفت لتوفير الخدمات الضرورية لمواطني ولاية الخرطوم. ولفتت إلى أن "الدعم السريع" كانت قد استهدفت أيضاً بذات الطريقة في 30 أغسطس/ آب الماضي حقل النفط ومطار مدينة هجليج بولاية جنوب كردفان، مما أدى إلى مقتل خمسة أشخاص.

وفي هجوم مماثل بالطائرات المسيرة استهدفت مليشيات الدعم السريع، السبت الماضي، مدينة الأبيض عاصمة ولاية شمال كردفان. وأفاد الجيش السوداني، في بيان، بأن مضاداته الأرضية تصدت بفعالية لاستهداف "مسيرات المليشيا الانتحارية لبعض المنشآت بالأبيض، ولم تحدث أي خسائر في الأرواح". كذلك شهدت مدينة كوستي في ولاية النيل الأبيض، صباح أول من أمس الأحد، هجوماً واسعاً شنته "الدعم السريع" بطائرات مسيرة طاول محطة أم دباكر لتوليد الكهرباء، ومستودعات الوقود بالنيل الأبيض ومطار كنانة المدني. واعتبر مجلس السيادة في السودان، في بيان عقب الهجوم، أنه لم تمضِ ساعات من بيان الآلية الرباعية (الجمعة الماضي) الذي تطرق للوضع السوداني، والدعوة للسلام وإيقاف الحرب، حتى أقدمت مليشيا الدعم السريع على إرسال مسيرات انتحارية على مدينة كوستي بولاية النيل الأبيض. وأضاف المجلس أن المسيرات استهدفت المنشآت المدنية ومنشآت البنية التحتية لتدمّرها، في استهداف ممنهج للبنية التحتية المرتبطة بحياة الشعب السوداني.

وأشار المجلس إلى أن هذا الاعتداء الإجرامي وما سبقه من اعتداءات يشكل انتهاكاً مستمراً، يُضاف إلى سجل طويل من جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبتها هذه "المليشيا الإرهابية". وقد أصبح هذا المنهج سلوكاً لها في ظل ما وصفه بالصمت الإقليمي والدولي المريب، وأضاف أنّ "هذه الحرب موجهة ضد الشعب السوداني، وسيواجهها ويقرر بشأنها لوحده". وكانت القوة المشتركة لحركات الكفاح المسلح (حركات موقعة على سلام مع الحكومة) المساندة للجيش قد أوضحت، في بيان في التاسع من سبتمبر الحالي، أن أسراب المسيرات التي تنطلق هذه الأيام، التي يُحتمل أن تستمر، هي مسيرات تُطلقها فرق مرتزقة، مستأجرة بواسطة مليشيات الدعم السريع. وقال عضو اللجنة الإعلامية للقوة المشتركة الرائد جمال الدين عيساوي، في البيان، إن "هذه الفرق تضم العديد من الجنسيات، من بينهم كولومبيون وليبيون... جرى تدريبها في دول ومعاهد عسكرية متطورة". واعتبر أنها تنشط بغرض لفت وتوجيه الأنظار والرأي العام المحلي والإقليمي والدولي إلى أن حكومة تحالف "تأسيس" الموازية التابعة للدعم السريع "هي حكومة ذات مقدرات عسكرية يمكن أن تجعل منها دولة".

وفي تقرير نشرته في 12 سبتمبر الحالي، نقلت وكالة رويترز عن مختبر جامعة يال الأميركية للأبحاث الإنسانية أن صور الأقمار الاصطناعية أظهرت 13 طائرة مسيرة (دلتا وينغ) إلى جانب معدات إطلاق، بالقرب من مطار مدينة نيالا، عاصمة ولاية دارفور، الخاضعة لسيطرة "الدعم السريع" في غرب السودان في السادس من مايو/ أيار الماضي. وأضاف أن الصور أظهرت أيضاً 16 منصة إطلاق قرب المطار. وبحسب التقرير "عادة ما يكون مدى هذه المسيرات، المصممة للاصطدام بأهدافها، حوالي ألفي كيلومتر، وهو ما يعني أنها قادرة على الوصول إلى أي مكان في السودان. وهذا المدى أبعد بكثير من أي طرز أخرى كانت قوات الدعم السريع تمتلكها في السابق"، ما يشير إلى حجم التطور في القدرات العسكرية لـ"الدعم" خلال الأشهر الأخيرة.


حسن إبراهيم: تستخدم الدعم السريع المسيرات كلما تعرضت لضغط ميداني

 

مسيّرات "الدعم السريع"

في السياق، قال الضابط السابق بقوات الاحتياط حسن إبراهيم لـ"العربي الجديد" إن "الدعم السريع" باتت تمتلك مجموعة من الطائرات الانتحارية، وتركز على استخدامها بعد إسقاط الجيش عدداً من مسيراتها الاستراتيجية التي كانت تشن الهجمات طوال الفترة الماضية. وأضاف أن المسيرات الانتحارية أقل تكلفة وأسهل في التشغيل، لذلك تستخدمها "الدعم" لشن هجمات كلما تعرضت لضغط ميداني وهزائم على يد الجيش والقوات المساندة له، مثلما حدث في شمال وجنوب كردفان الأيام الماضية. وذكر إبراهيم أن تركيز الهجمات على المواقع المدنية مثل محطات الكهرباء وحقول النفط يعكس فشلاً عسكرياً للدعم السريع، إذ إنها لم تعد قادرة على إحداث خسائر بالمواقع العسكرية، لذلك تلجأ لاستهداف البنية التحتية المدنية لجعل المدن غير صالحة للعيش بقطع الكهرباء والماء، بجانب محاولات إحداث خسائر اقتصادية عبر مهاجمة مصافي النفط والمطارات المدنية ومحطات التحكم في الكهرباء. وأشار إلى أنه ينبغي التعامل بجدية أكبر مع هذه المسيّرات عبر توزيع خطوط الدفاع حول المدن، لأن مثل هذه الهجمات تخريبية أكثر منها معارك عسكرية. ويخوض الجيش السوداني ومليشيات الدعم السريع التي كانت تمثل جزءاً من قواته البرية صراعاً عسكرياً منذ 15 إبريل/ نيسان 2023 انتقل إلى معظم ولايات البلاد، قبل أن ينحسر تمدد "الدعم السريع" نتيجة تقدم متواصل للجيش والقوات المساندة له وتتركز المعارك بصورة أساسية في جنوب وسط وغرب البلاد.

في هذا الصدد، رأى الصحافي السوداني محمد محمود، في حديثٍ لـ"العربي الجديد"، أن هذه المسيرات أصبحت مصدر قلق للمواطنين، خصوصاً بعد وصولها من قبل حتى مدينة بورتسودان العاصمة المؤقتة، شرقي البلاد. وأضاف أن خطورة هذه المسيرات الانتحارية تكمن في كثافة استخدامها من قبل الدعم السريع والانفجارات التي تُحدثها في كل هجوم، معتبراً أن الهجوم الأخير على الخرطوم، كشف عن قصور في جانب الاستعداد لمثل هذه الهجمات، لجهة أن المسيرات عبرت مسافات بعيدة وكانت مرئيّةً بوضوح، لكن لم يتم التصدي لها إلا عند اقترابها أو وصولها إلى الأهداف. وأشار محمود إلى أن الدعم السريع تكبّدت الكثير من الخسائر في المعارك الميدانية أخيراً، لذلك يُعد استخدامها سلاح الطائرات المسيرة بهذه الطريقة محاولة للانتقام عبر الوصول إلى المدن والأهداف التي لا تستطيع بلوغها ميدانياً. كما أنها تُوجّه في الوقت نفسه رسائل سياسية بأنها تمتلك القدرة على شن هجمات جوية كما يفعل الجيش، خصوصاً بعد تشكيلها حكومة موازية واتخاذها مدينة نيالا عاصمةً لها.