من الشانزليزيه إلى غرينلاند: مشاركة دنماركية تعكس تحوّل أوروبا
- اجتمع قادة "تحالف الراغبين" في باريس لمناقشة الضمانات الأمنية لأوكرانيا، مما يعكس رغبة أوروبية في تنسيق دفاعي أكبر بعيداً عن الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة، مع تأكيد ماكرون على التعاون الأوروبي المشترك.
- غياب الولايات المتحدة عن العرض يعكس تغير العلاقة عبر الأطلسي، حيث تسعى أوروبا لتطوير دفاع جوي مستقل بالتعاون مع أوكرانيا، مع دور دنماركي بارز في تعزيز القدرات الدفاعية الأوروبية.
لم يعد العرض العسكري الفرنسي التقليدي في 14 يوليو/ تموز
من كل عام مجرد احتفال وطني، بل تحول هذا العام إلى رسالة سياسية وعسكرية حول سعي أوروبا لتعزيز قدراتها الدفاعية في ظل التهديد الروسي، وتزايد الغموض بشأن الالتزام الأميركي تجاه حلف شمال الأطلسي (ناتو). وتبرز المشاركة الدنماركية بخاصّة، إذ لا تقتصر على حضور رئيسة الحكومة ميتا فريدركسن، بل تشمل مساهمة عسكرية من القوات الدنماركية، بينها القوات الجوية والحرس الملكي، في واحدة من أبرز المشاركات الأوروبية في العرض.وتأتي هذه الخطوة في سياق رغبة كوبنهاغن في تأكيد أنّ أمنها يرتبط بدفاع أوروبي أقوى وبحلف "ناتو" متماسك، خاصة مع تصاعد التوتر حول القطب الشمالي وغرينلاند. ويحمل عرض هذا العام طابعاً أوروبياً غير مسبوق، بمشاركة قوات من دول عدة، بينها ألمانيا وبولندا وبريطانيا ودول الشمال الأوروبي، مع نحو 6800 جندي مشاة وزيادة في عدد المركبات والطائرات العسكرية مقارنة بالعام الماضي. ويهدف ذلك إلى إظهار قدرة القارة على تحمل مسؤولية أكبر عن أمنها في مرحلة تشهد تغيرات جيوسياسية عميقة.
أوروبا والتنسيق الدفاعي
وقبل العرض، اجتمع في باريس قادة "تحالف الراغبين"، أمس الاثنين، لمناقشة مستقبل الضمانات الأمنية لأوكرانيا، في خطوة عكست رغبة أوروبية في بناء تنسيق دفاعي أكبر بعيداً عن الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة. وأكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في اليوم الوطني، اليوم الثلاثاء، أن فرنسا لا تواجه التحديات الأمنية وحدها، مشدداً على أن أوروبا تتحول إلى قوة تعتمد على الدول التي تشكل القارة، وعلى استعدادها للدفاع المشترك.
وقال ماكرون: "نعم، السلام هو هدفنا، لكننا مستعدون للدفاع عن حريتنا وعدالتنا، حتى لو تطلب الأمر التضحية". وركز ماكرون في خطابه أيضاً على رفض النزعات القومية التي تدفع الدول إلى الاعتقاد بأنها قادرة على حماية نفسها منفردة. وأكد: "الوطنية نعم، القومية لا". وأضاف أن بناء القدرات الدفاعية الأوروبية يجب أن يكون مشروعاً مشتركاً، وليس مجموعة من الجهود المنفصلة لكل دولة. وتأتي هذه الرسالة في وقت تشهد فيه أوروبا صعوداً للأحزاب اليمينية المتشددة في عدد من الدول، ما يثير نقاشاً حول مستقبل المشروع الأوروبي وقدرته على الحفاظ على التعاون بين الدول.
ماكرون: بناء القدرات الدفاعية الأوروبية يجب أن يكون مشروعاً مشتركاً، وليس مجموعة من الجهود المنفصلة لكل دولة
وشارك في العرض أكثر من 30 رئيس دولة وحكومة، بينهم رئيسة الحكومة الدنماركية ميتّا فريدركسن، التي اعتبرت أن الحضور الأوروبي الكبير يحمل رسالة واضحة مفادها أن القارة لن تستسلم أمام التهديدات الروسية أو الهجمات الهجينة. وقالت فريدركسن للتلفزيون الدنماركي إن الوضع الأمني الحالي هو السبب الرئيسي وراء هذا الحضور الواسع، مؤكدة أن الدنمارك "لن تستطيع الدفاع عن نفسها من دون ناتو قوي وأوروبا قوية".
ويحمل غياب الولايات المتحدة عن العرض هذا العام دلالة رمزية كبيرة، كما يرى مراقبون دنماركيون، خصوصاً مقارنة بعام 2017 عندما شارك الرئيس الأميركي دونالد ترامب
كضيف شرف في العرض الفرنسي، في مشهد جسّد آنذاك التقارب بين واشنطن وباريس.لكن العلاقة عبر الأطلسي تغيرت منذ ذلك الحين، مع استمرار ترامب في انتقاد الحلفاء الأوروبيين بسبب الإنفاق الدفاعي، وتهديده بتقليص الالتزام الأميركي إذا لم تتحمل أوروبا مسؤوليات أكبر. ولهذا أصبح عنوان العرض غير المعلن هو "الصحوة الاستراتيجية الأوروبية"، في إشارة إلى محاولة القارة إعادة تعريف دورها الأمني في عالم أكثر اضطراباً. ورغم تأكيد قادة "ناتو" أهمية التضامن عبر الأطلسي خلال القمم الأخيرة، فإنّ التحركات الأوروبية الأخيرة تعكس رغبة متزايدة في بناء قدرات دفاعية مستقلة، خصوصاً في مواجهة روسيا وعدم وضوح السياسة الأميركية المستقبلية.
المواجهة مع روسيا؟
وعلى هامش اجتماعات باريس، تعمل مجموعة من الدول الأوروبية مع أوكرانيا على تطوير منظومة دفاع جوي أوروبية قادرة على مواجهة الصواريخ الباليستية بعيدة المدى، بهدف تقليل الاعتماد على أنظمة مثل "باتريوت" الأميركية التي تواجه قيوداً في الإنتاج والتوريد. ورأت رئيسة الحكومة الدنماركية أن تعزيز الدفاع الأوروبي لا يعني التصعيد مع موسكو، بل هو إجراء دفاعي ضروري. وقالت فريدركسن: "إنه دفاع صاروخي. الطرف المهاجم الوحيد، سواء في الحرب الهجينة أو الحرب في أوكرانيا، هو روسيا".
أصبحت الدنمارك من أكثر الدول الأوروبية التي تدفع نحو تعزيز القدرات الدفاعية
تعكس المشاركة الدنماركية في عرض باريس العسكري التحول الأوسع في السياسة الدفاعية لكوبنهاغن. بعد سنوات من تقليص الإنفاق العسكري، أصبحت الدنمارك من أكثر الدول الأوروبية التي تدفع نحو تعزيز القدرات الدفاعية، خصوصاً في شمال الأطلسي والقطب الشمالي. وتحاول كوبنهاغن اليوم الموازنة بين تحالفها التاريخي مع واشنطن ودورها المتزايد داخل أوروبا. وبالنسبة للحكومة الدنماركية، التي تمرّ بفترة عصيبة في العلاقة بواشنطن على خلفية أزمة غرينلاند ورغبة ترامب السيطرة عليها، لا يمكن الفصل بين أمنها القومي ومستقبل التعاون الأوروبي. وبينما يرى مؤيدو هذا المسار أن أوروبا بدأت تستعيد مسؤوليتها الاستراتيجية، يحذر آخرون من أن بناء قوة دفاعية أوروبية حقيقية ما يزال يواجه تحديات كبيرة، من التمويل والتنسيق إلى اختلاف الأولويات بين الدول. لكن رسالة باريس كانت واضحة: في عالم يتغير بسرعة، تسعى أوروبا إلى الانتقال من موقع الاعتماد إلى موقع المشاركة في تحديد مستقبل أمنها.