موسكو وواشنطن تثيران مخاوف سباق تسلح نووي

03 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 02:12 (توقيت القدس)
من حفل إطلاق الغواصة النووية الروسية "خاباروفسك"، سيفيرودفينسك، 1 نوفمبر 2025 (الأناضول)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تصاعد التوترات بين روسيا والولايات المتحدة بعد إلغاء القمة بين بوتين وترامب، مع التركيز على الأزمة الأوكرانية ومعاهدة "ستارت 3"، حيث أظهرت الدولتان استعداداتهما لسباق تسلح يشبه "الحرب الباردة".
- توجيه ترامب لإجراء تجارب نووية يواجه تحديات تقنية وسياسية، بينما أجرت روسيا اختبارات لأسلحة جديدة كرسالة ردع، مع التأكيد على أن هذه الاختبارات لا تعني بدء سباق تسلح جديد.
- الوضع الجيوسياسي الحالي يعكس تعقيدات في المفاوضات حول معاهدات جديدة للحد من الأسلحة، مع سعي روسيا لإظهار قوتها العسكرية وتحديات الولايات المتحدة في تحديث ترسانتها النووية.

منذ إلغاء قمّة الرئيسين الروسي والأميركي، فلاديمير بوتين ودونالد ترامب، التي كان متوقعاً أن تجمعهما في العاصمة المجرية بودابست، بالتوازي مع تعثّر جهود التسوية في أوكرانيا وغموض آفاق الرقابة على الأسلحة مع قرب انتهاء مدة معاهدة الحدّ من الأسلحة الهجومية الاستراتيجية (ستارت 3) في فبراير/شباط المقبل، أصدرت موسكو وواشنطن في الفترة الأخيرة مجموعة من الإشارات تفيد بجاهزيتهما للعودة إلى سباق تسلح أشبه بـ"الحرب الباردة".

وعاد الكرملين أمس الأحد، ليعتبر أنه "لا حاجة" لعقد قمة بين بوتين وترامب. وقال المتحدث باسم الكرملين، دميتري بيسكوف، لوكالة تاس الروسية للأنباء، إن عقد اجتماع عاجل بين الرئيسين أمر ممكن، لكن لا توجد حاجة لذلك في الوقت الحالي، مضيفاً أن عقد اجتماع عاجل "أمر ممكن من الناحية الافتراضية، ولكن في الوقت الراهن لا توجد ضرورة له"، مضيفاً أن تسوية الأزمة الأوكرانية تتطلب دبلوماسية راسخة وليس لقاء. وكانت صحيفة فاينانشال تايمز، قد ذكرت في 31 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، أن ترامب ألغى القمة بسبب إصرار موسكو على مواقف متعنتة بشأن أوكرانيا.

الاستعدادات الأميركية لإجراء تجارب نووية ستستغرق ما لا يقل عن عام نظراً لتقادم المعدات بميدان نيفادا

وفي وقت أجرت روسيا في ظرف أيام معدودة، تدريبات لقواتها النووية واختباراً لصاروخ "بوريفيستنيك" المجنح بعيد المدى الذي يعمل بالدفع النووي، والغواصة المسيّرة "بوسيدون" القادرة على حمل رؤوس حربية نووية، وجّه ترامب وزارة الحرب الأميركية (بنتاغون) باستئناف تجارب الأسلحة النووية فوراً. واعتبر وزير الحرب بيت هيغسيث أن استئناف التجارب النووية للولايات المتحدة "خطوة مسؤولة".

سباق تسلح أم رسالة ردع؟

مع ذلك، أعرب خبراء عسكريون وسياسيون روس استطلعت "العربي الجديد" آراءهم، عن قناعتهم بأن طلب ترامب إجراء تجارب نووية لا يعني بالضرورة ترجمته إلى تفجير ذخائر نووية على أرض الواقع، معتبرين أن إجراء روسيا اختبارات لأحدث أسلحتها ليس من باب إطلاق سباق تسلح جديد، بل شكّل رسالة ردع قد تليها تهدئة والتوصل إلى حلّ وسط في مسألة مستقبل الرقابة على الأسلحة.

وأوضح رئيس قسم العلوم السياسية والاجتماعية في جامعة بليخانوف الاقتصادية الروسية، أندريه كوشكين، أن الاستعدادات لإجراء تجارب نووية تستغرق ما لا يقل عن عام نظراً لتقادم المعدات بميدان التجارب الأميركي نيفادا، متوقعاً في الوقت نفسه أن تجري واشنطن اختبارات وتدريبات على استخدام السلاح النووي بلا تفجيرات. وحول ما إذا كان الأمر سيفضي إلى سباق تسلح جديد، قال كوشكين الذي خدم لثلاثة عقود في الجيش السوفييتي والروسي ويحمل رتبة عقيد احتياط، في حديث لـ"العربي الجديد" إنّ "تصريحات ترامب بشأن الاختبارات النووية لا تعني بالضرورة إجراء تفجيرات لذخائر نووية على أرض الواقع، خصوصاً أن الاستعدادات لها قد تستغرق ما بين سنة وثلاث سنوات لتهيئة ميدان التجارب نيفادا الذي أجريت فيه خلال السنوات الأخيرة تجارب بلا انفجارات لذخائر نووية". ولفت إلى أن "الاختبارات النووية لا تقتصر على تجارب تفجير قنابل نووية، بل تشمل أيضاً محاكاة إجراء عمليات التفجير بواسطة أجهزة الحاسوب"، مشيراً إلى وجود عقبات أخرى أمام التجارب النووية الحقيقية، مثل ضرورة الانسحاب الكامل من معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية، بالإضافة إلى الأعباء الاجتماعية، مثل حتمية خروج تظاهرات مناهضة لاستئناف التجارب النووية في الولايات المتحدة وأوروبا على حد سواء.

يشار إلى أن الولايات المتحدة وقّعت على معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية في عام 1996، ولكنها لم تصدق عليها. وأجرت واشنطن آخر تجربة نووية في سبتمبر/أيلول عام 1992، وكانت عبارة عن تفجير تحت الأرض في موقع نيفادا للأمن النووي. وفي أكتوبر 1992، فرض الرئيس الأميركي آنذاك جورج بوش الأب حظراً على إجراء المزيد من التجارب، بقي سارياً على مدار الإدارات المتعاقبة، وجرت الاستعاضة عنها بتجارب تستخدم محاكاة حاسوبية متقدمة. كما أجرت في أكتوبر 2023 تجربة في ميدان تجارب نووية تحت سطح الأرض، ولكن من دون استخدام ذخيرة نووية. أما روسيا، فوقّعت على المعاهدة في عام 1996 أيضاً، وصدقت عليها في عام 2000، ولكن بوتين وقّع في نهاية عام 2023 على قانون سحب التصديق على المعاهدة. من جهتها، لم تجرِ روسيا ما بعد السوفييتية أي تجارب نووية على الإطلاق.

الاختبارات النووية تشمل محاكاة إجراء عمليات التفجير بواسطة أجهزة الحاسوب

تصعيد ما قبل انتهاء "ستارت 3"

وفي معرض تعليقه على دوافع روسيا لإجراء اختبارات لأحدث أسلحتها في الفترة الأخيرة، قال كوشكين: "لا شك أن هذه التجارب لها علاقة مباشرة بإحجام الولايات المتحدة عن تأكيد قبولها تمديد العمل بمعاهدة ستارت 3 لمدة عام كما اقترح بوتين، ولذلك سعت روسيا لتظهر أمام العالم أنها تملك أسلحة مثل بوريفيستنيك وبوسيدون تستطيع الوصول إلى أي مكان في العالم بلا وسائل لاعتراضها".

بدوره، اعتبر الخبير في "مكتب التحليل العسكري - السياسي"، الأستاذ المساعد في قسم التحليل السياسي في جامعة بليخانوف الاقتصادية الروسية، فاديم ماسليكوف، أن اختبار صاروخ بوريفيستنيك أثار مخاوف الإدارة الأميركية نظراً لقدرته على التحليق لمسافات غير محدودة، متوقعاً أن تستخدم روسيا هذه الورقة ضمن المساومات بشأن شروط إبرام معاهدة جديدة للحد من الأسلحة الاستراتيجية. وقال ماسليكوف في حديث لـ"العربي الجديد": "اختبارا بوريفيستنيك وبوسيدون أجريا من دون حشوهما بالذخيرة النووية رغم أنهما كليهما يعملان بالدفع النووي، ما أثار مخاوف ترامب والمحيطين به، خصوصاً أن بوريفيستنيك قادر على اختراق كافة المنظومات للدفاعين الجوي والمضاد للصواريخ".

وشكّك ماسليكوف في قدرة الولايات المتحدة على إجراء تجارب نووية في القريب العاجل، مضيفاً: "أطلق الرئيس الأميركي الأسبق، باراك أوباما، برنامجاَ واسع النطاق لتحديث الترسانة النووية الأميركية، إلا أنه لم يتم تحقيقه. كما أعلن ترامب خلال ولايته الأولى (2017 - 2021) عن استعداده لإجراء تجارب نووية، ما يعني أن هناك إرادة سياسية، ولكن انعدام النتيجة يدل على غياب الإمكانيات التكنولوجية اللازمة".

وقلّل الخبير من أهمية المزاعم بشأن انطلاق حلقة جديدة من سباق تسلح بين البلدين، معتبراً أن "الميزانية العسكرية الأميركية لن تتحمل أعباء جديدة في إطار أي سباق تسلح بين روسيا والولايات المتحدة، خصوصاً أن تكلفة تصميم وإنتاج الأسلحة الاستراتيجية تفوق كثيراً تكاليف الدبّابات والطائرات، ما يعني أن بوريفيستنيك وبوسيدون وغيرهما من الأسلحة الروسية، قد تصبح ورقة مساومة روسية في المفاوضات حول إبرام معاهدة جديدة للحد من الأسلحة الهجومية الاستراتيجية، بعدما باتت ضرورة ملحّة".

من جانب آخر، رأى الخبير في مركز بحوث قضايا الأمن التابع لأكاديمية العلوم الروسية، الباحث المتخصص في الشأن الأميركي، قسطنطين بلوخين، أن ترامب قد ينفذ وعيده بإجراء تجارب نووية على أرض الواقع في ظل الوضع الجيوسياسي الراهن ودخول الولايات المتحدة حرباً باردة جديدة مع روسيا والصين في آن معا. واعتبر بلوخين في حديث لـ"العربي الجديد"، أنه "لا ينبغي اعتبار تصريحات ترامب مجرد تهديد من أجل الاستهلاك الإعلامي، بل قد يتم تنفيذه على أرض الواقع باعتباره يعكس الوضع الجيوسياسي الراهن، ولكن حتى هذا السيناريو لن يشكل كارثة". وذكّر بأن التجارب النووية كانت جزءاً لا يتجزأ من "الحرب الباردة" بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي السابق من دون أن تفضي إلى صدام مباشر بينهما.

وحول رؤيته للأسباب التي دفعت ترامب إلى الإعلان عن إمكانية إجراء تجارب نووية وما إذا كان ذلك من شأنه أن يطلق سباق تسلح جديداً، قال: "أولاً، هذا رد فعل على اختباري بوريفيستنيك وبوسيدون والسعي إلى سد التأخر في مجال الأسلحة فرط الصوتية بإظهار القوة في فئات أخرى من الأسلحة. ثانياً، تسعى الولايات المتحدة لتحديث ثالوثها النووي بمكوناته البرّي والجوي والبحري، ما يشمل إجراء اختبارات. وثالثاً، هذه إشارة واضحة إلى أن الولايات المتحدة دخلت حرباً باردة جديدة ومنافسة بلا هوادة مع روسيا والصين في آن معاً هذه المرة".

قسطنطين بلوخين: ترامب قد ينفذ وعيده في ظل الوضع الجيوسياسي الراهن ودخول الولايات المتحدة حرباً باردة جديدة مع روسيا والصين في آن

وأثار الوعيد الأميركي بإجراء تجارب نووية حفيظة روسيا، إذ ذكّر المتحدث باسم الرئاسة الروسية، دميتري بيسكوف، يوم الخميس الماضي، بأن موسكو وواشنطن فرضتا في تسعينيات القرن الماضي، حظراً على التجارب النووية ووقّعتا على معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية. مع ذلك، أقر بيسكوف بأن الولايات المتحدة هي دولة ذات سيادة يحق لها اتخاذ قرارات سيادية، مستشهداً في الوقت نفسه بتأكيدات بوتين المتكررة أن روسيا ستتصرف حسب الوضع في حال مخالفة الحظر. كما نفى أن يكون اختبار صاروخ بوريفيستنيك اختباراً نووياً، معرباً عن أمله أن يكون قد تم نقل المعلومات إلى ترامب بصورة دقيقة.

وكان بوتين قد أعلن أثناء زيارته إلى مستشفى عسكري في موسكو يوم الأربعاء الماضي، أن اختبارات طوربيد بوسيدون أجريت من على متن غواصة، مرجحاً أن هذه المسيّرة تحت المائية لن يكون لها قريباً مثيل في العالم من جهة سرعات وأعماق السير، زاعماً أنه لا توجد وسائل لاعتراضها. علماً أن تاريخ "بوسيدون" يعود إلى عام 2018، حين استعرض بوتين منظومة أطلقت عليها في ما بعد هذه التسمية، موضحاً أن هذه المركبات تحت المائية المسيرة ستكون قادرة على التحرك على عمق كبير بسرعة تفوق سرعة الغواصات والطوربيدات الحديثة بأضعاف.

وقبل ذلك بأيام عدة، قدّم رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الروسية، فاليري غيراسيموف، إحاطة لبوتين أبلغه فيها باستكمال اختبارات صاروخ بوريفيستنيك الذي حلّق لنحو 15 ساعة قطع خلالها 14 ألف كيلومتر. ورغم أن اختبار بوريفيستنيك أثار حفيظة الغرب، إلا أن روسيا اعتبرت أنه أجري مع مراعاة الالتزامات الدولية الروسية. وبذلك تكون روسيا قد عملت في الأسابيع الأخيرة جاهدة على استعراض عضلاتها العسكرية والنووية، إذ أشرف بوتين في الأسبوع قبل الماضي، على تدريبات للقوات النووية الاستراتيجية الروسية بمشاركة عناصرها البرّية والبحرية والجوية المعروفة مجتمعة باسم الثالوث النووي.