هجمات الفصائل في العراق... أهداف مدنية أكثر منها أميركية

09 مارس 2026   |  آخر تحديث: 10:51 (توقيت القدس)
هجوم لفصائل عراقية على مدينة سوران في كردستان العراق، 8 مارس 2026 (صفين حامد/فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تشهد الساحة العراقية تصاعداً في الهجمات التي تنفذها فصائل مسلحة، مستهدفة منشآت مدنية وبنى تحتية حيوية مثل النفط والاتصالات والكهرباء، مع تزايد الهجمات على مقارّ مرتبطة بجهات أجنبية كالقنصلية التركية.

- التحقيقات تشير إلى استخدام طائرات مسيّرة انتحارية في الهجمات، مستهدفة السفارة الأميركية ومواقع نفطية، مما يهدد البنى التحتية الحيوية ويؤدي إلى إرباك قطاعات خدمية واقتصادية.

- "تنسيقية المقاومة الإسلامية في العراق" أعلنت تنفيذ 26 هجوماً وهددت إقليم كردستان، مما يعكس تعقيد المصالح والاعتبارات الإقليمية والمحلية في العراق.

تشهد الساحة العراقية تصاعداً ملحوظاً في وتيرة الهجمات التي تنفذها فصائل مسلحة داخل البلاد في ارتداد للحرب الإقليمية الجارية في المنطقة، غير أنّ طبيعة الأهداف التي يجري استهدافها تتركز بمعظمها على منشآت مدنية وبنى تحتية حيوية، في وقت تبقى فيه الهجمات المباشرة على المواقع العسكرية الأميركية أقل مقارنة بتلك المدنية.

ووفق معطيات ميدانية متقاطعة، فإنّ سلسلة الهجمات الأخيرة طاولت منشآت نفطية، وشبكات اتصالات، ومحطات كهرباء، فضلاً عن مشروع مائي ومنشآت صناعية بينها مصانع، إضافة إلى منازل ومقارّ شركات ومنظمات مدنية، كما طاولت بعض الهجمات مقار مرتبطة بجهات أجنبية، بينها القنصلية التركية في شمال البلاد، في مؤشر إلى اتساع قائمة الأهداف المدنية والاقتصادية داخل البلاد. وفي المقابل، تبدو الهجمات التي تستهدف المصالح الأميركية أقل مقارنة ببقية الأهداف، فباستثناء قصف متقطع طاول قاعدة حرير في أربيل، والهجوم الصاروخي باتجاه السفارة الأميركية داخل المنطقة الخضراء في بغداد، فإن معظم العمليات المسلحة تركزت داخل الجغرافيا العراقية نفسها، وعلى بنى تحتية.

وطاولت هجمات مسيّرات وصواريخ الفصائل منشآت مدنية، منها محطة كهرباء في منطقة الدورة ببغداد، ومنزلاً سكنياً في حي التراث ببغداد، وأبراج اتصالات تابعة لشركة "كورك تليكوم"، وفنادق، ومجمعاً سكنياً، فضلاً عن مواقع لقوات البيشمركة وشركات نفطية في الإقليم، كما استهدفت مطار البصرة وشركات نفطية فيها، وغير ذلك من الأهداف التي ركزت على البنى التحتية في البلاد، تقابلها هجمات متقطعة على قاعدتي حرير بأربيل وفيكتوريا ببغداد، وهجوم واحد استهدف السفارة الأميركية في العاصمة أيضاً.

هذا التباين في طبيعة الأهداف، أصبح محلّ ملاحظة في الأوساط العراقية، سواء على المستوى الأمني أو الشعبي. ويقول ضابط رفيع في رئاسة أركان الجيش العراقي، إن "التحقيقات تؤكد قطعاً أن الهجمات التي طاولت مواقع في بغداد والبصرة وأربيل، واستهدفت مصالح أميركية عسكرية ودبلوماسية، ومنشآت مدنية، كلها كانت من داخل العراق، باستثناء قاعدة حرير التي تلقت عدة هجمات إيرانية"، ويبيّن أن المتابعة الميدانية للهجمات خلال الفترة الأخيرة، تظهر بوضوح أن معظم الهجمات كانت بواسطة طائرات مسيّرة انتحارية، وانطلقت من داخل العراق، سواء على السفارة الأميركية، أو معسكر فيكتوريا الذي توجد فيه القوات الأميركية في جوار مطار بغداد، أو مواقع نفطية تعمل بها شركات أجنبية وبريطانية في البصرة".

ويؤكد الضابط لـ"العربي الجديد"، أنه على عكس دول الخليج التي تشهد اعتداءات يومية من إيران، فإن الهجمات التي تحصل على العراق يجري تثبيتها على أنها انطلقت من داخل الأراضي العراقية نفسها، مضيفاً، طالباً عدم ذكر اسمه، أن "هذه العمليات بدأت تشكل تهديداً مباشراً للبنى التحتية الحيوية التي يعتمد عليها العراقيون"، ويحذر الضابط من أن "استمرار هذا النمط من الاستهداف قد يؤدي إلى إرباك قطاعات خدمية واقتصادية أساسية، خصوصاً مع استهداف مرافق مرتبطة بالطاقة والاتصالات والمياه، وهي قطاعات تعاني أصلاً من هشاشة بنيوية وتحديات تشغيلية".

وتتقاطع هذه القراءة مع ما أظهرته تقارير ميدانية سابقة رصدت اتساع دائرة الاستهداف لتشمل منشآت إنتاج الطاقة وحقولاً نفطية وشركات تعمل في مجالات الخدمات والبنى التحتية، ما أدى في بعض الحالات إلى تعطيل جزئي للأعمال أو إلحاق أضرار مادية بالمرافق المستهدفة.

رسائل تهديد من الفصائل

في غضون ذلك، بعثت "تنسيقية المقاومة الإسلامية في العراق"، التي أعلنت تنفيذ 26 هجوماً، أمس الأحد، رسائل تهديد إلى إقليم كردستان، الذي يُعدّ الأكثر عرضة لهجماتها، وقالت في بيان "في الوقت الذي نجدد وعيدنا إلى الأميركيين، وقيادات الأحزاب الكردية في إقليم كردستان العراق، من مغبّة التورط في إسناد العصابات الإجرامية الكردية المدعومة من الكيان الصهيوني، التي تبغي التسلل إلى داخل الجمهورية الإسلامية، فإنّ قوى الاستكبار وتلك الأحزاب ستواجه استهدافاً شديداً لمصالحهم الاقتصادية، وشركاتهم، وأدوات نفوذهم، ومعسكراتهم في العراق والمنطقة، وسنحيلها إلى ركام لا تستوعبه حساباتهم"، وفقاً للبيان، وهدّدت بما أسماها البيان قدرة هذا الفصائل على "ردع أدوات المشروع الأميركي الصهيوني في عموم العراق".

وفي السياق، يرى المختص في شؤون الجماعات المسلحة حسين الرياشي، أن اختيار هذه الأهداف لا يأتي بالضرورة عشوائياً، ويقول لـ"العربي الجديد"، إنّ "الفصائل المسلحة تتحرك وفق أجندات خاصة بها، وغالباً ما تختار أهدافها بناءً على حسابات ميدانية وسياسية محددة"، مضيفاً أن "بعض العمليات قد يرتبط بمحاولات ضغط على أطراف داخلية، سواء في إقليم كردستان أو على الحكومة الاتحادية في بغداد"، ويشير الرياشي إلى أنّ "استهداف منشآت اقتصادية أو خدمية يمكن أن يكون وسيلة لإرسال رسائل سياسية أو لفرض معادلات نفوذ داخلية"، لافتاً إلى أن "التحرك المسلح في العراق لا ينفصل عن شبكة معقدة من المصالح والاعتبارات الإقليمية والمحلية".

وتعكس هذه التطورات اتجاهاً لافتاً في مسار الهجمات داخل العراق، إذ باتت البنى التحتية المدنية في مقدمة الأهداف، بينما تتراجع نسبياً الهجمات التي تستهدف القواعد الأجنبية مقارنة بالمراحل السابقة من التصعيد. وفي ظل هذا الواقع، تتزايد المخاوف داخل الأوساط الأمنية والاقتصادية من أن استمرار استهداف المنشآت المدنية قد يؤدي الى تداعيات أوسع على الخدمات الأساسية والاستقرار الاقتصادي، في بلد يعتمد بدرجة كبيرة على بنية تحتية هشة أصلاً، ويواجه ضغوطاً متزايدة بفعل التوترات الأمنية الإقليمية.