هذا الالتباس الذي لا ينتهي

06 مايو 2026   |  آخر تحديث: 00:45 (توقيت القدس)
في العاصمة الجزائرية، 14 إبريل 2022 (رياض كرامدي/فرانس برس)
+ الخط -
اظهر الملخص
- الصحافة في الجزائر ليست "ضد السلطة" بل "سلطة مضادة"، تسهم في منع هيمنة السرديات وتعمل كوسيط بين الدولة والمجتمع، رغم الالتباس القائم بين السلطة والسياسة والإعلام.

- بعد 2019، تبنت السلطة الجزائرية نهجاً حازماً تجاه الصحافة، نتيجة لظروف الحراك الشعبي وتغوّل بعض الظواهر التعبيرية، مما أدى إلى تقليص المساحات النقدية للحفاظ على السلم والاستقرار.

- يجب فك الاشتباك بين السلطة والصحافة لتعزيز حرية التعبير، مما يمكن الصحافة من تمثيل المجتمع بفعالية أكبر والدفاع عن المصالح الوطنية في الساحة الدولية.

ليس صحيحاً ذلك المفهوم الذي دفعت به عوامل الاشتباك السياسي سابقاً، والذي قدّم الصحافة في الجزائر على أنها "ضد السلطة"، بينما المعنى الأكثر موضوعية هو كون الصحافة "سلطة مضادة"، تسهم في منع تغوّل وهيمنة السرديات. ثمة في الجزائر كثير من الالتباس القائم بين السلطة والسياسة والصحافة، بين الحاكم والسياسي والإعلامي، خارج الصورة المثالية للسلطة المنزّهة، أو الصورة المتخيلة للصحافة الحرة.

في الواقع، لم تسمح الظروف المتسارعة في كل مراحل البناء السياسي للدولة والمجتمع في الجزائر، منذ الاستقلال، بإجراء نقاش هادئ وموضوعي لهذه العلاقة بين السلطة بوصفها منتظماً متشابكاً لتدبير الشأن العام، مطلوباً دائماً للمساءلة، والصحافة بوصفها سلطة نقدية للسياسات العامة، وهذا صميم دورها، وناقلاً للقيم الثقافية والسياسية، وفاعلاً يمثل حالة وسيطة بين الدولة والمجتمع، سواء بعد الاستقلال حين كانت الصحافة جزءاً من حزام الدعاية الضرورية لبناء الدولة الوطنية، أو في مرحلة الانفتاح التي بدأت فيها الصحافة تتلمس المستوى النقدي بشكل فوضوي، أو في مرحلة الأزمة الأمنية التي كان فيها سؤال الموت هو الأكثر حضوراً، وفي المرحلة التي تلت ذلك حين كان ترميم النسيج الداخلي أولوية الدولة والمجتمع.

السلطة في الجزائر ما بعد 2019، اختارت تكريس التصلب في السياسات الداخلية، وانحازت إلى نهج حازم يعبّر عنه الرئيس عبد المجيد تبون في كل مناسبة، إزاء المسائل ذات الصلة بالصحافة ومساحات الإعلام وهوامش النقد. كان ذلك نتيجة ثلاثة أسباب على الأقل، قراءة خاصة لظروف وسياقات الحراك الشعبي، وتغوّل بعض الظواهر التعبيرية التي استهدفت الإضرار ببعض جوانب النسيج المجتمعي، وحالة الانتكاسة واللايقين التي أصيبت بها منظومة الحكم في تلك الفترة، في تقديرات البعض، فإن ذلك كان ضرورياً على مسطرة الحفاظ على عوامل السلم والاستقرار الأهلي، وحماية الدولة والمجتمع، على الرغم من أن هذا الخيار ذهب في تقدير مقابل إلى الحد الأقصى، بحيث استولى لذات النوازع، على كل المساحات النقدية.

لكن هذا المسار خلق واقعاً جديداً، بحيث انتقلت المسألة من حالة التباس في العلاقة بين السلطة والصحافة، وبين السياسي والإعلامي، إلى حالة التصاق كبير بين كل هذه الأطراف، انعدمت فيها الفواصل والمسافات الآمنة حتى. ليست السلطة وحدها المسؤولة عن هذه المآلات، فالسلطة تبقى كذلك وهي معنية لذاتها بتدبير كل ما يكفل لها بسط سرديتها السياسية، لكن المؤسسة الإعلامية والصحافية في الجزائر، تتحمّل المسؤولية في ذلك، وفي الاستقالة الطوعية عن دورها النقدي، المساعد أولاً للدولة والسلطة والحكومة في تحديد ورصد مكامن العطالة في السياسات ذات الصلة بتدبير الشأن العام، وللمجتمع في صياغة الأسئلة الموضوعية عن المشكلات والمساعدة في تأهيلها.

سيتعيّن في لحظة سياسية مناسبة، فك هذا الاشتباك والتشابك، لأنه بقدر ما يتوفر للصحافة قدر أكبر من الأريحية في تعاطيها مع المسألة السياسية، بقدر ما تكون أكثر تعبيراً عن المجتمع في كل تمثلاته السياسية والاقتصادية والثقافية، وأكثر تأثيراً وقدرة على الدفاع عن الرصيد الوطني في المجال الخارجي، خصوصاً في ظروف وسياقات المرحلة الدولية القائمة.