وثائق إبستين.. ستارمر يأمر بتحقيق عاجل وسط شبهات تسريب أسرار حكومية
استمع إلى الملخص
- تطالب المعارضة البريطانية بتوسيع التحقيق ليشمل تعيين ماندلسون سفيراً في واشنطن، بينما تراجع شرطة لندن التقارير بشأن سوء سلوك مزعوم.
- امتدت تداعيات القضية إلى العمل الخيري، حيث أغلقت مؤسسة سارة فيرغوسون الخيرية أبوابها، واستقال ماندلسون من حزب العمال بعد تلقيه أموالاً من إبستين.
أمر رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، اليوم الثلاثاء، بفتح تحقيق "عاجل" للكشف عن أبعاد العلاقة بين جيفري إبستين، المجرم المدان بالتجارة بالبشر لأغراض جنسية، والسفير البريطاني السابق لدى الولايات المتحدة اللورد بيتر ماندلسون. وجاء القرار استجابة لضغوط متزايدة على ستارمر وتزامناً مع إعلان الشرطة البريطانية النظر في احتمال فتح تحقيق جنائي رسمي في علاقة إبستين بماندلسون، وتأثيرها على سلوك الأخير عندما كان وزيراً في الحكومة. وكان ماندلسون قد شغل مناصب وزارية رفيعة عدّة في أكثر من حكومة عمالية، من بينها حكومة غوردن براون التي تولى فيها حقيبة وزارة الأعمال بين عامَي 2008 و2010.
وتشير بعض وثائق إبستين التي نشرتها وزارة العدل الأمريكية، الجمعة، إلى أن ماندلسون ربما سرب في تلك الفترة رسائل بريد إلكتروني حكومية سرية إلى إبستين أكثر من مرة. ووفق الوثائق، تظهر إحدى الرسائل أن ماندلسون أبلغ إبستين مسبقاً بخطة للاتحاد الأوروبي قيمتها 500 مليار يورو لإنقاذ العملة الأوروبية خلال الأزمة المالية العاصفة في تلك الفترة. ولم يصدر عن ماندلسون أي تعليق فوري على الوثائق التي تتضمن هذا البريد الإلكتروني.
وقالت تقارير بريطانية إنّ الوثائق الأميركية تتضمن رسائل بريد إلكتروني أخرى من شخصيات رفيعة في الحكومة البريطانية حُجبت أسماؤها موجهة إلى إبستين. وفي إحدى الرسائل تمت الإشارة إلى وثيقة سرية للحكومة البريطانية تتعلق ببيع أصول بقيمة 20 مليار جنيه إسترليني. وتشير رسالة أخرى إلى قول ماندلسون إنه "يبذل قصارى جهده" لتغيير سياسة الحكومة بشأن مكافآت المديرين في المصارف البريطانية، فيما تضمنت رسالة ثالثة ما يبدو أنه اقتراح بأن "يهدّد" رئيس بنك "جيه بي مورغان" وزير الخزانة البريطاني "على نحوٍ غير مباشر" دون ذكر تفاصيل الهدف من ذلك.
وأعلن مكتب ستارمر أنه طلب من سير كريس وورمالد، وزير شؤون مجلس الوزراء، مراجعة جميع المعلومات المتاحة بشأن الاتصال بين اللورد ماندلسون وإبستين "على نحوٍ عاجل"، وأكد المكتب مجدداً أنه ينبغي ألا يظلّ ماندلسون عضواً في مجلس اللوردات، ورغم تعيينه بناءً على طلب حزب العمال، فإنّ الحزب لا يملك صلاحية إلغاء عضويته.
في المقابل، طالبت المعارضة البريطانية بتوسيع نطاق التحقيق الحكومي ليشمل كيفية تعيين ماندلسون سفيراً في واشنطن، إذ أُقيل من هذا المنصب الدبلوماسي الرفيع في شهر سبتمبر الماضي بعد سبعة أشهر فقط من شغله إثر تكشف معلومات عن علاقته بإبستين. كما دعا حزب المحافظين، أكبر أحزاب المعارضة، إلى التحقيق مع ديفيد لامي نائب رئيس الوزراء ووزير العدل، وبات مكفادين وزير العمل والمعاشات في الحكومة الحالية، اللذين عملا وزيري دولة مع ماندلسون في وزارة الأعمال.
وفي خطاب إلى مفوض شرطة العاصمة، قال ستيفن فلين زعيم الهيئة البرلمانية للحزب الوطني الإسكتلندي في مجلس العموم إنه إذا جرى التحقيق في هذه الادعاءات وثبتت صحتها فسيكون الأمر بالغ الخطورة لماندلسون والمسؤولين عن تعيينه ولحكومة المملكة المتحدة ككل. وطالب فلين بأن ينظر التحقيق في جميع رسائل البريد الإلكتروني والملفات التي كُشِف عنها، وبأن يشمل كل فترة عمل ماندلسون في حكومات حزب العمال، معبراً عن اعتقاده بأن هذا التحقيق يحقق مصلحة عامة واضحة.
وأعلنت شرطة لندن أنها "تراجع التقارير بشأن سوء سلوك مزعوم في منصب عام" بعد اتهام ماندلسون بتسريب معلومات حكومية حساسة إلى إبستين، وذلك عقب تقديم الحزب الوطني الاسكتلندي وحزب "الإصلاح" بلاغين إلى الشرطة بفتح تحقيق جنائي. ولم تعلن الشرطة بعد فتح تحقيق رسمي بانتظار فحص المعلومات المتوفرة، إذ أوضحت إيلا ماريوت مفوضة الشرطة اليوم الثلاثاء أنه ستجري مراجعة جميع التقارير لتحديد ما إذا كانت تستوفي المعايير الجنائية اللازمة لفتح تحقيق. وأضافت في بيان رسمي أنه في حال ورود معلومات جديدة وذات صلة فسيجري تقييمها والتحقيق فيها إذا اقتضت الضرورة، ويذكر أن عقوبة الإدانة بجريمة سوء السلوك خلال شغل منصب عام قد تصل إلى السجن المؤبد.
ولم تقتصر تداعيات القضية على السياسة وحدها، بل امتدت إلى العمل الخيري والدوائر الاجتماعية المحيطة بالمؤسسة الملكية. فقد أعلنت مؤسسة سارة فيرغوسون الخيرية إغلاق أبوابها "لأجل غير مسمّى"، عقب الكشف عن تفاصيل جديدة تتعلق بعلاقتها بجيفري إبستين، وردت ضمن الدفعة نفسها من الوثائق التي أفرجت عنها وزارة العدل الأميركية، والبالغ عددها نحو ثلاثة ملايين صفحة. ووفق ما أوردته صحيفة الغارديان، أظهرت المراسلات أن فيرغوسون وصفت إبستين في إحدى الرسائل بـ"الأخ الذي لطالما تمنّته"، في حين كشفت رسائل أخرى عن توتر لاحق في العلاقة، اتهمته فيها باستغلال صداقتهما للوصول إلى الأمير أندرو. وأوضحت المؤسسة في بيان أن قرار الإغلاق جاء بعد أشهر من النقاش داخل مجلس الأمناء، رغم سجلها الواسع في الشراكات الإنسانية الدولية.
وكانت التداعيات السياسية لوثائق جيفري إبستين، المدان بالاتّجار بالقاصرات، قد بدأت بالظهور في بريطانيا عقب ظهور اسم السفير البريطاني السابق لدى الولايات المتحدة، اللورد بيتر مندلسون، في أحدث وثائق أفرجت عنها وزارة العدل الأميركية. وتعد هذه المرة الأولى التي تظهر فيها أعراض الفضيحة على المشهد السياسي المباشر، بعدما اقتصرت سابقاً على الاهتمام الشعبي والحقوقي إثر افتضاح علاقة الأمير أندرو بإبستين، التي انتهت بتجريد الملك تشارلز الثالث لشقيقه من ألقابه الملكية، ومطالبة رئيس الوزراء كير ستارمر للأمير بالمثول للشهادة أمام الكونغرس.
وتكشف الوثائق أن مندلسون وزوجه رينالدو أفيلا دا سيلفا تلقيا أموالاً تقدر بعشرات آلاف الدولارات من إبستين، كما ظهرت صور لمندلسون بملابسه الداخلية في مكان وتوقيت غير معروفَين. ورغم غياب إشارات صريحة لممارسات غير قانونية في الوثائق، وجد مندلسون نفسه مضطراً للاستقالة من حزب العمال، علماً أنه أُقيل من منصبه الدبلوماسي في سبتمبر الماضي، بعد سبعة أشهر من تعيينه، إثر تكشف معلومات أولية عن تلك العلاقة.
وتشير الوثائق إلى أن إبستين مارس ضغوطاً على مندلسون للتدخل لدى وزراء كبار للتأثير في سياسات ضريبية، ما يعزز مطالب التحقيق. واتخذت زعيمة المحافظين، كيم بادينوك، من هذه الادّعاءات مبرّراً للمطالبة بتحقيق في "فساد المناصب العامة"، منتقدة ازدواجية ستارمر في التعامل مع قضيتَي الأمير أندرو ومندلسون. وتكتسب القضية أهميتها من ثقل مندلسون التاريخي، الملقب بـ"أمير الظلام"، لدوره المركزي في صياغة استراتيجيات "حزب العمال الجديد" التي أعادت توني بلير إلى السلطة عام 1997، وبراعته في التعامل مع الإعلام، ما يجعل من الصعب تجاوز تداعيات ارتباط اسمه بملف إبستين.