استمع إلى الملخص
- تعاني الأسر في المناطق المتضررة مثل إدلب وريف اللاذقية من صعوبة في ترميم منازلها، مما يزيد من قسوة الشتاء. يستخدم السكان البطانيات لتغطية النوافذ، ويخشون من تكرار مآسي الشتاء السابق.
- أطلق منسقو الاستجابة الإنسانية نداءً عاجلاً للمجتمع الدولي، محذرين من كارثة محتملة في مخيمات النازحين، حيث يعجز 95% منهم عن تأمين مواد التدفئة.
يقاسي السوريون العائدون والنازحون صعوبة في تأمين التدفئة، وسط ارتفاع كلفتها وغياب المساعدات، حتى صار الشتاء إنذاراً بتجدّد عذاباتهم ومحدودية خياراتهم.
يُشعل فصل الشتاء مع قدومه كل عام أزمة التدفئة لدى السوريين الباحثين عن مواد ومحروقات تدوم لأطول وقت ممكن وذات كلفة أقل، لاستخدامها في مواجهة البرد والعواصف الشديدة. تتنوّع هذه المواد وتترافق مع محاولات الأهالي والنازحين التقشف في استهلاكها، لاستخدامها خلال أيام الصقيع والبرد القارس.
لا تُخفي علياء الشردوب قلقها مع قدوم الشتاء، وهي التي عاشت معاناة البرد في مخيمات النزوح لسنوات، وتقول لـ"العربي الجديد": "إنه شتاء مختلف بالنسبة لي ولعائلتي، كوننا عدنا مؤخراً إلى منزلنا المدمّر في مدينة معرة النعمان جنوبي محافظة إدلب، والذي هُجّرنا منه قسراً عام 2019 مع سيطرة قوات النظام السوري المخلوع (نظام الأسد) على المدينة وبلدات عدة. وما زلنا حتى اليوم غير قادرين على ترميم المنزل".
حال علياء تشبه حال العديد من سكان المنازل المهدمة في أرياف إدلب شمال غربي سورية وفي محافظات أخرى، حيث يستخدمون البطانيات لمنع البرد وتغطية نوافذ المنازل، بينما يأملون أن تكون حالة مؤقتة ريثما يتمكنون من ترميم منازلهم. وتؤكد أن ما تعيشه ليس خوفاً عادياً، بل رعب وحذر من موسم يحوّل الحياة إلى جحيم يجمّد الأجساد والقلوب، مضيفةً: "الشتاء هنا لا يعني الأمطار والثلوج فحسب، بل يعني فيضان المنازل المهدمة التي تتسرّب إليها مياه الأمطار من كل حدب وصوب، وتُحوّل شوارع المدينة المليئة بالحفريات إلى برك موحلة، ما يُفاقم انتشار حالات الالتهاب الرئوي وأمراض الجهاز التنفسي، خصوصاً بين الأطفال وكبار السن".
وتخشى علياء تكرار مآسي الشتاء التي عاشتها سابقاً في مخيمات النزوح، وتضيف: "كنا نشهد حوادث مأساوية، كاحتراق الأطفال والنساء والمسنّين عند محاولاتهم اليائسة إشعال وسيلة تدفئة تقيهم البرد الشديد، وذلك بطريقة بدائية خطيرة"، كاشفة أن مادة البيرين أصبحت "حلماً صعب المنال" بسبب ارتفاع كلفتها، وهي مادة شائعة للتدفئة تُصنع من مخلفات بذور الزيتون بعد عصرها. وتصف علياء معاناتها في تأمين مواد التدفئة كل عام بأنها معركة حقيقية وحتى "وجودية" ضد البرد، حيث يحلّ عليها الشتاء وكأنه إنذار مبكر بتجدد عذاباتهم وقسوة الحياة عليهم، وتقول: "الشتاء في إدلب يذكرنا بوضعنا الصعب، وينبّهنا إلى أن توفير الدفء لأولادنا وعائلاتنا رفاهية لا يمكننا أن نحظى بها".
وشاع في محافظة إدلب استخدام العديد من مواد التدفئة، إلى جانب مادة البيرين، منها قشور الفستق الحلبي وقشور البندق وقشور بذور المشمش، والتي تُعتمد في مدافئ خاصة، بالإضافة إلى المازوت والفحم الحجري. كذلك تلجأ العائلات الأشد فقراً إلى استخدام المواد البلاستيكية وما تجمعه خلال فصل الصيف، من حطب أو أخشاب وورق مقوّى، للاستخدام في التدفئة، كونها عاجزةً عن تأمين مواد تدفئة أخرى، نظراً لكلفتها المرتفعة.
في ريف اللاذقية شمال غربي سورية، كل شيء قابل للاشتعال يمكن استخدامه في التدفئة ومواجهة البرد، كما يشير خليل العبد الله لـ"العربي الجديد"، ويضيف: "لكن الشائع لدى الكثيرين، خصوصاً في مناطق جبلة، هو استخدام الحطب لارتفاع سعر المازوت، إضافة إلى مادة "التمز"، وهي ذات "البيرين" لكن تُطلق عليها في اللاذقية هذه التسمية.
وحول تفضيل الأهالي للحطب، يوضح العبد الله أنه الأكثر جدوى في مناطق ريف اللاذقية الباردة، ويقول: "في ريف جبلة نبدأ باستخدام المدفأة مع بداية نوفمبر/ تشرين الثاني من كل عام، إذ يصبح من الصعب تحمّل البرد، ولا سيّما عند ساعات الليل، والحطب هو الأفضل والأكثر كفاءةً في هذه المناطق"، ويضيف: "كان العام الماضي صعباً للغاية، إذ تدنّت درجات الحرارة إلى حدود ست درجات مئوية تحت الصفر في معظم الأيام. لم أشهد طيلة حياتي برداً مماثلاً، خصوصاً أنني كنتُ عائداً إلى منزلي في ريف جبلة بعد رحلة نزوح مريرة، ولم أكن قد تجهزتُ لفصل الشتاء، فمرضتُ ومرض أولادي بسبب البرد القارس. وكل ما أرجوه هذا العام ألا نمرّ بشتاء كارثي قاسٍ".
ويلفت العبد الله إلى أن العائلات الفقيرة في المنطقة تعتمد على الورق المقوّى والألبسة البالية لحرقها في المدافئ، ويقول لـ"العربي الجديد": "لا يمكن الاعتماد على التيار الكهربائي في التدفئة، فهو ينقطع بشكل متكرر، ولا يدوم أكثر من ساعة في أفضل الأحوال".
وفي العاصمة دمشق، لا تختلف أوضاع السكان عن باقي المحافظات السورية لجهة تأمين مواد التدفئة، إذ تقول خديجة عصام لـ"العربي الجديد": "ننشغل بموضوع التدفئة كل عام وبكلفتها المرتفعة، ونحتار بأي وسيلة سنواجه الشتاء القارس، لكننا بعد تفكير طويل قررنا الاعتماد على الغاز". وتتابع خديجة: "على الرغم من ارتفاع سعر الغاز وإشكالية توفره، لكنه يبقى الخيار الأنسب مقارنة بالخيارات الأخرى، مثل المازوت الذي لا يتوفر بشكل دائم، أو الكهرباء التي تُقنّن باستمرار".
ويعتبر العديد من السوريين أن الغاز بديلاً جيداً عن مواد التدفئة الأخرى، رغم بعض الصعوبات في تأمين الأسطوانة ووجود بديل جاهز حال فراغها، وفقاً لما يوضحه عمرو المحمد، المنحدر من ريف حمص وسط البلاد. ويقول لـ"العربي الجديد" إنه خلال سنوات نزوحه في لبنان كان يستخدم الغاز لتدفئة أطفاله، ومع العودة وجد أنه الخيار الأنسب، لكنه يتطلب تهوية جيدة للغرفة بشكل دائم، ويضيف: "قد ألجأ إلى خيار المازوت لصعوبة استخدام الحطب في المنزل، لكنني لم أقرّر بعد وسيلة التدفئة التي سأعتمدها".
تجدر الإشارة إلى أنه في 23 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، أطلق منسّقو الاستجابة الإنسانية في شمال غربي سورية، نداءً عاجلاً إلى المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية، محذّرين من "كارثة محتملة" في مخيمات النازحين، ولا سيّما مع اقتراب فصل الشتاء واشتداد الحاجة لتأمين مواد التدفئة. ووفقاً لبيان منسّقي استجابة سورية، لا يزال أكثر من 1.521 مليون مدني يقيمون في المخيمات، أي ما يعادل نحو 75.18% من إجمالي عدد النازحين، رغم حركة العودة.
وأكد البيان ذاته أن عودة كثير من النازحين إلى مدنهم أو قراهم شمال غربي سورية لا تزال محدودة، بسبب الدمار الكبير وعجز الأهالي عن ترميم منازلهم. وأشار إلى أن أكثر من 95% من العائلات داخل المخيمات تعجز عن تأمين مواد التدفئة للشتاء المقبل، وأن 83% من النازحين داخل المخيمات لم يتلقّوا إمدادات التدفئة الشتاء الماضي.