أزمة توزيع الخبز في غزة: طوابير الفجر ومعاناة لا تنتهي

06 أكتوبر 2025   |  آخر تحديث: 16:21 (توقيت القدس)
فلسطينيون يتهافتون للحصول على الخبز في مخيم النصيرات، 22 مايو 2025 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تحديات الحصول على الخبز: أزمة الخبز في غزة تمثل معاناة يومية، حيث يضطر المواطنون للانتظار لساعات طويلة للحصول على الخبز بسبب نقص المواد الخام والحصار، مما يزيد من صعوبة الحياة اليومية بجانب طوابير المياه والمساعدات المحدودة.

- السوق السوداء والتوزيع غير العادل: غياب آلية تنظيمية فعالة يفاقم الأزمة، حيث تنتشر السوق السوداء وتباع السلع بأسعار مرتفعة، مع تفضيل بعض المتاجر لزبائن محددين، مما يزيد التوترات الاجتماعية والازدحام.

- الحاجة إلى تدخلات جادة: هناك ضرورة لتدخلات من الجهات المعنية لتنظيم توزيع الخبز بعدل وتوفير المواد الخام، لضمان الكرامة الإنسانية وتخفيف الضغوط النفسية والمعيشية عن المواطنين في غزة.

تبرز أزمة الخبز في قلب المعاناة اليومية التي يعيشها سكان قطاع غزة، كواحدة من أبرز صور الصراع مع الحياة، فالخبز، الذي يُفترض أن يكون أبسط مقومات العيش، بات في كثير من الأحيان تحدياً يتطلّب صبراً وانتظاراً لساعات طويلة، وسط أوضاع معيشية قاسية. تعتمد آلية توزيع الخبز في غزة بشكل رئيسي على شبكة من المتاجر الصغيرة والمنافذ المحلية المنتشرة في الأحياء، والتي تعمل غالباً تحت ضغط شديد، بسبب نقص المواد الخام، كالدقيق والوقود، الناتج عن الحصار المستمر والانقطاعات المتكررة في الإمدادات.

الصورة
تدافع على الخبز في مخيم النصيرات، 22 مايو 2025 (حسن جيدي/الأناضول)
تدافع على الخبز في مخيم النصيرات، 22 مايو 2025 (حسن جيدي/الأناضول)

وعادة ما يُورّد الخبز إلى هذه المتاجر في ساعات مبكرة من الصباح، الأمر الذي يدفع مئات المواطنين للاصطفاف منذ الفجر، أملاً في الحصول على ربطة خبز تسدّ رمق أسرهم، وهو ما تسبّب في خلق معاناة إضافية إلى جانب طوابير المياه وتكايا الطعام وغيرها من المساعدات الشحيحة.

ويوضح الخمسيني الفلسطيني محمود البلعاوي، وهو عامل بناء سابق، أنه يضطر للخروج من خيمته التي نزح إليها مع أسرته المكونة من سبعة أفراد قبل أذان الفجر، ومع ذلك يجد أشخاصاً سبقوه في الطابور الطويل، والذي ينتظر فيه ما يزيد عن أربع ساعات للحصول على ربطة خبز تزن 2 كيلوغرام. ويبيّن البلعاوي لـ "العربي الجديد" أن الانتظار الطويل مرهق جداً، خاصةً في ظل عدم ضمان الحصول على ربطة الخبز، إذ تنفد الكمية المخصصة للمتجر قبل وصول دوره، ويقول "لا نملك خياراً آخر سوى الانتظار، في ظل ظروف قاسية وخطيرة وغير مستقرة". ويوضح البلعاوي أن أزمة الخبز تعتبر واحدة من الأزمات اليومية التي يعيشها الفلسطينيون في غزة، حيث الطوابير التي لا تنتهي، والمعاناة الكبيرة والمتفاقمة يوماً بعد الآخر من جراء تواصل العدوان الإسرائيلي وتداعياته الكارثية على الواقع المعيشي بمختلف جوانبه.

الخبز في غزة.. سوق سوداء تُضاعف المعاناة

ويفاقم من الأزمة غياب آلية مركزية لتنظيم عملية التوزيع، ما يفتح المجال لظواهر سلبية كالسوق السوداء، حيث يُباع الخبز بأسعار مضاعفة، في استغلال لحاجة الناس وصبرهم الطويل، كما أن بعض المتاجر قد تُفضّل تزويد زبائن محدّدين على حساب بقية الأهالي، ما يعمق الشعور بالتمييز ويزيد من حدّة التوترات الاجتماعية.

ويحاول النازح الفلسطيني خالد شقاليه (48 عاماً) من حي النصر إلى منطقة الزوايدة وسط قطاع غزة توزيع الأدوار على أسرته، إذ يخرج هو للاصطفاف في طابور الخبز أمام سوبرماركت قريب، فيما يهتم نجله البكر محمد (16 عاماً) بتعبئة المياه، ونجله الأصغر سعيد (تسع سنوات) بالوقوف في طابور التكية (إن وجد). ويلفت شقاليه لـ "العربي الجديد" إلى أن استمرار العدوان على غزة يساهم في تضاعف الأزمات وزيادة تعقيدها، وقد بات تأثيره يصل إلى أدق التفاصيل اليومية، مثل القدرة على الحصول على الخبز، أو تعبئة المياه الخاصة بالاستخدام اليومي، أو مياه الشرب أو الطعام. ومع ذلك يبيّن شقاليه أن آلية التوزيع عبر المتاجر غير عادلة، ويشوبها الكثير من التجاوزات، خاصّة في ظل عدم احترام الدور، وتعمّد القائمين على بعضها تسليم أشخاص بدون دور، إلى جانب قيام البعض بشراء الخبز بالتسعيرة الرمزية (3 شيكل) وبيعها بأسعار مضاعفة للأشخاص الذين لم يتمكنوا من الاستلام. (الشيكل يساوي 3.3 دولارات تقريباً).

الصورة
معاناة الحصول على رغيف الخبز في أول أيام عيد الفطر، مدينة غزة، 30 مارس 2025 (Getty)
معاناة الحصول على رغيف الخبز في مدينة غزة، 30 مارس 2025 (Getty)

ويؤدي الطلب الكبير على الخبز، مقابل محدودية الكميات المتوفرة، إلى ازدحام شديد وطوابير طويلة تمتد لعشرات الأمتار، خاصة في المناطق المكتظة، هذا المشهد اليومي يتكرّر أمام معظم نقاط التوزيع، ويتسبب في حالة من التوتر والقلق، لا سيما بين كبار السن والمرضى الذين لا يقوون على الوقوف طويلاً، وبين النساء اللواتي يضطررن أحياناً لجلب أطفالهن في هذا الزحام.

وتقول الفلسطينية سمر دياب (38 عاماً)، وهي ربة منزل وأم لخمسة أيتام فقدوا والدهم في قصف إسرائيلي مباغت على حي الشيخ رضوان بعد استئناف الاحتلال حربه على غزة، إنها تضطر للوقوف في الطابور المخصص للنساء للحصول على كمية قليلة من الخبز تسدّ رمق عائلتها.
وتقول دياب لـ "العربي الجديد": "أذهب إلى طابور الخبز وأنا أحمل صغيرتي هدى (أربعة أعوام)، وأترك باقي الأولاد نائمين بمفردهم داخل الخيمة"، مبينةً أنها تضطر لذلك بفعل عدم امتلاك الأدوات الخاصة بالعجين أو صناعة الخبز بعد نزوحها الأخير، والذي لم تتمكّن فيه من نقل أي شيء بسبب الغلاء الشديد في أسعار المواصلات.
وتتابع "الازدحام صعب جداً، ومليء بالتدافع والصراخ، فيما ينفد الخبز بسرعة، وهو ما يجعلني في حالة متواصلة من الإرهاق والقلق من العودة إلى أبنائي بدون خبز، وقد حدث ذلك مرات عديدة، إلا أنني أواصل محاولات الوقوف في الطابور على أمل الحصول على الخبز".

ولا تقتصر المعاناة في ظل هذه الظروف على ندرة الخبز، بل تمتد إلى الكرامة الإنسانية التي تُداس في طوابير الانتظار، حيث يُضطر المواطنون للوقوف لساعات طويلة، في مشهد يلخّص حجم الضيق اليومي والضغط النفسي والمعيشي الذي يرزح تحته سكان القطاع.

وتقول الستينية أم سعيد صبح، وهي أرملة تعيش وحدها داخل خيمة غربي مدينة دير البلح، ويعتني بها جيرانها أحياناً، إنها لا تتمكّن من الوقوف في طابور الخبز، وتعتمد على الجيران لتوفير بعض الأرغفة يومياً في حال تمكنوا من الحصول على الخبز. وتبين صبح لـ "العربي الجديد" أن الطعام والخبز يعتبران من الحقوق الأساسية لأي إنسان في العالم، خاصة إذا كان كبيراً في السن أو من الفئات الهشة، إلا أن الحرب تجاوزت في قساوتها كل حدود العقل والمنطق، وقد بات الحصول على رغيف خبز ساخن حلماً صعب المنال. 

وفي ظل حالة البلبلة الحالية تبقى الحاجة ماسة لتدخلات جادة من الجهات المعنية والمؤسسات الإغاثية، تهدف إلى إعادة تنظيم عملية التوزيع بعدل وتنظيم، وتوفير المواد الخام بكميات كافية، بحيث لا يتحوّل الحصول على لقمة العيش إلى صراع يومي في طوابير الألم.

المساهمون