استمع إلى الملخص
- يرى كممجي أن الاحتلال الإسرائيلي فشل في كسر إرادة الأسرى، وأن إبعادهم عزز الروابط مع الشعوب الأخرى، مؤكدًا أن المقاومة الفلسطينية موروث يتجدد.
- يعتقد كممجي أن إبعاد المحررين ساهم في نشر القضية الفلسطينية عالميًا، مشددًا على أن المقاومة شعور مشترك بين جميع الفلسطينيين، وأن معركتهم هي معركة وعي وإرادة.
ينتمي الأسير الفلسطيني المحرر أيهم كممجي إلى حركة الجهاد الإسلامي، وهو ابن جنين، وكان أحد أبرز المشاركين في عملية الهروب الشهيرة عبر "نفق الحرية" من سجن جلبوع في عام 2021. قضى كممجي 20 عاماً في الأسر، بعد أن حُكم عليه بمؤبدين، قبل تحريره في صفقة تبادل الأسرى الأخيرة ضمن اتفاق وقف إطلاق النار الموقع في شرم الشيخ في 10 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي. ويقول لـ"العربي الجديد" إن "فكرة التحرر من داخل السجون، بل فكرة الهروب نفسها، لا تبارح خيال أي أسير منذ اللحظة الأولى التي يدخل فيها إلى السجن".
خلال سنوات أسره تنقل كممجي بين 12 سجناً إسرائيلياً، وعاش رحلة قاسية امتدت بين الصحراء والأغوار وجبل الكرمل، لكنها كانت أيضاً "رحلة استنشقت فيها رائحة زهور فلسطين كلها، وتنقلت بين كل السجون الإسرائيلية ما عدا سجناً واحداً، وكانت مدد البقاء متفاوتة بين سجن وآخر، فأطولها دام خمس سنوات، وأقصرها ثلاثة أشهر".
ويكشف أنه قبل الأسر الإسرائيلي كان معتقلاً في سجون السلطة الفلسطينية، وهرب عام 2004، بعد عام ونصف عام في الاعتقال، وعندما دخل سجون إسرائيل، ظلت الفكرة حاضرة في ذهنه، لكن السنوات الخمس الأولى شهدت أملاً كبيراً بالتحرر ضمن صفقة "وفاء الأحرار" عام 2011، خصوصاً أن له هو ورفاقه "بصمة في هذه الصفقة"، بالتزامن مع أسر الجندي جلعاد شاليط، بعدما نفذت مجموعة عملية خطف الطيار إليا هو إيشيع، وقد وعدتهم المقاومة وقتها بأن يكونوا "على رأس أولوياتها"، لكن "الملف كان صعباً".
بعد فشل تحرره في صفقة 2011، دخل كممجي في إضراب مفتوح عن الطعام لمدة 30 يوماً، وانتهى بتحقيق مطالب عدة للحركة الأسيرة. لاحقاً، نُقل إلى سجن شطة، حيث بدأ "التفكير الجدي الأول" في الهروب، وحُفر نفق على مدى عام ونصف، لكن العملية فشلت بسبب خلل في التنفيذ. تواصلت بعدها التنقلات بين جلبوع وهشارون وهداريم والنقب وعسقلان وسجن إيلون، قبل أن تأتي اللحظة المفصلية في "نفق الحرية".
ورغم قسوة الاعتقال، يتحدث كممجي عن شعور خاص رافقه خلال تنقلاته بين السجون، إذ يرى أن "الحركة القسرية بين جغرافيا فلسطين كانت رحلة روحية وجسدية. سقيت من ينابيع كل فلسطين، من شرقها إلى غربها، ومن جنوبها إلى شمالها. تنسمت رائحة زهور الصحراء، وزهور الأغوار، وزهور جبال الكرمل، وسجدت لله على كل تراب فلسطين. الاحتلال فشل في كسر إرادتنا، أو دفعنا إلى التقوقع، لأن الأسرى أصحاب عقيدة، وخرجوا من بيوتهم وهم يعرفون أن الطريق طويل، وأن المعركة قائمة على السنن الكونية والمعادلات الواقعية، وأن هدفهم إظهار أن الشعب محتل يريد الحرية".
يرى أيهم كممجي أن إبعاد الأسرى المحررين ليس مجرد قرار سياسي، بل عقوبة فرضها الاحتلال لأنه "جبان ويخشى مواجهة الأسرى الذين يعتبرهم قادرين على تحريك الشارع". ويضيف أن "الاحتلال لا يريد وجود قيادات المقاومة في الضفة الغربية، وخصوصاً بعد التجارب التي أثبتت أن الكتائب المسلحة في الضفة أحدثت تحولاً واسعاً، كما حدث في وحدة الساحات". ويقول: "يظن الاحتلال أن الإبعاد سيحرمنا عائلاتنا، ويتركنا في عزلة، لكن المفاجأة أن آلاف العائلات المصرية جاءت لزيارتنا، وجاءت أسر كاملة بأطفالها حتى لا نشعر بغياب أهلنا. الإبعاد كان عقوبة في عقل الاحتلال. لكنه تحول إلى احتضان كبير من الشعب المصري". ويضيف أن "الاحتلال يخشانا لأنه يعرف أننا خصومه الحقيقيون، ولأن الإيمان بقضيتنا أصبح في جيناتنا، وكلما ظن الاحتلال أنه قضى على جيل من المقاومين، يجد أن الجيل الأصغر أكثر شراسة وإصراراً. إنها سُنّة الشعب الفلسطيني، فالمقاومة ليست حالة طارئة، بل موروث يتجدد".
ويعتقد كممجي أن الاحتلال فشل في إقناع العالم بالرواية التي ظل يروج لها طويلاً حول أن الفلسطينيين "إرهابيون"، ومحاولاته المتكررة لضرب الفلسطيني ثم البكاء أمام الكاميرات انكشفت أمام العالم بعد دماء أطفال غزة، وكل المؤسسات الدولية، بما فيها الأمم المتحدة، تعترف بحق الشعوب المحتلة في مقاومة الاحتلال. يتابع: "المقاومة ليست حكراً على الإسلاميين، مثل حماس والجهاد الإسلامي، بل شعور يسري في دماء الكل الفلسطيني، فحركات يسارية مثل الجبهة الشعبية، وأفراد من فتح، ومسيحيون، ويهود مناهضون للصهيونية، جميعهم عاشوا معي في غرف الأسرى، وقاتلوا من أجل فلسطين. حين تكون القضية فلسطين تذوب كل الخلافات. أؤمن إيماناً كاملاً بالتحرر، وهذا الإيمان جزء من القرآن ومن أحاديث النبي، لكنّه أيضاً مبني على إرادة شعب لا ينكسر".
ويرى أن الاحتلال ارتكب خطأً استراتيجياً بإبعاد المحررين، تماماً كما فعل عندما أبعد قيادات الثورة الفلسطينية إلى تونس، لأن "المبعد ينمو في الخارج ويعود أقوى"، والواقع أن الاحتلال "نثر البذور الفلسطينية الحالمة في العالم"، وهذه البذور "تتفتح اليوم في حقول إخواننا، وفي عمقنا التاريخي والاستراتيجي، فالفلسطيني بات يتواصل مع الآسيوي والأوروبي والأميركي والأفريقي، ويشرح لهم قضيته، وصار العالم يعي جيداً أن هذا الفلسطيني يستحق دولة، ويستحق الحرية".
يختم الأسير المحرر أيهم كممجي رسالته قائلاً إن "الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة قاتلت أجساد الأسرى، لكنها نسيت الروح والإرادة، ومعركة الفلسطيني اليوم معركة وعي، وسلاحه هو الفكرة، التي ستصل إلى عقول كل أحرار العالم ووجدانهم. كنت أقول للقاضي الإسرائيلي بثقة إنني سأتحرر رغماً عن أنف الاحتلال، وكان ذلك يقيناً لم يهتز للحظة واحدة، وباليقين نفسه أجزم بأن فلسطين ستتحرر قريباً، وأنني ورفاقي سنعود إلى جنين، وسنصلي ركعتين تحية للدماء الفلسطينية في غزة".