إضراب المعلمين في إدلب وريف حلب للأسبوع الثاني... طلاب يخشون الضياع
استمع إلى الملخص
- يعاني المعلمون من ضغوط معيشية كبيرة تدفعهم للتفكير في ترك المهنة، ويطالبون برفع الرواتب وتحسين ظروف العمل لضمان استقرارهم المهني والمعيشي.
- نجح الإضراب في إيصال مطالب المعلمين للمسؤولين، حيث وعدت وزارة التربية والتعليم بتحسين الأوضاع، لكن لم يتم تحديد إطار زمني واضح لتنفيذ التعهدات.
يعيش القطاع التعليمي في إدلب وريف حلب واحدة من أكثر أزماته تعقيداً، بعد دخول إضراب المعلمين أسبوعه الثاني احتجاجاً على تدني الرواتب التي لا تتجاوز في كثير من الأحيان 120–150 دولاراً، في وقت ترتفع فيه تكاليف المعيشة إلى مستويات غير مسبوقة، وبينما يتمسك المعلمون بحقوقهم، يقف آلاف الطلاب في حالة ضياع يومي، فلا مدارسهم تعمل، ولا بدائل تعليمية كافية تعوضهم عن أيام الدراسة المهدرة.
وفي ظل غياب الدعم واستنزاف الموارد المحلية، تتعمق الفجوة بين احتياجات العملية التعليمية وقدرة المؤسّسات على الاستجابة، لتتحول المدارس إلى ساحات فارغة، ويغدو مستقبل الطلاب معلقاً بانتظار حل يوقف الانهيار المتسارع للعملية التعليمية. ويقول محمد العلي والد لثلاثة طلاب في بلدة دير حسان شمال إدلب، خلال حديثه لـ"العربي الجديد"، إن الإضراب ترك أثراً كبيراً على الحياة اليومية للأسر، موضحاً أن أطفاله يستيقظون كل صباح ويطرحون عليه السؤال نفسه، "هل عاد المعلمون إلى مدارسهم"، لكنه لا يملك أي إجابة مطمئنة يقدمها لهم. ويلفت العلي إلى أنّ حالة القلق لا تقتصر على أبنائه فحسب، بل تشمل معظم أهالي المنطقة الذين يتخوّفون من ضياع العام الدراسي بالكامل، خصوصاً لطلاب المراحل الحساسة مثل الصفوف الانتقالية والتاسع والبكالوريا، وخاصة أن انقطاع العملية التعليمية كل هذه المدة دفع بالكثير من الأطفال إلى الاعتياد على البقاء في المنازل أو قضاء الوقت في الشوارع، وهو ما ينعكس سلباً على انضباطهم الدراسي ودافعيتهم.
توافقه منيرة التمر، وهي نازحة تعيش في عفرين شمال غرب مدينة حلب، وتقول "أبناؤنا يعانون من الفراغ والضياع، وليس لدينا القدرة على دروس خصوصية، وكثيراً من الأطفال بدأوا يميلون إلى العمل بدلاً من الدراسة، في محاولة لدعم أسرهم، وهذا أخطر ما قد يحدث".
ويقول الطالب يوسف عمران (15 عاماً) من مدرسة في أطمة "لا نفهم التفاصيل بين الرواتب والحكومة، نحن نريد ألّا نخسر عامنا، ولا سيّما أن التعليم الذاتي ليس خياراً في ظل ضعف الإنترنت، وغياب التوجيه الأكاديمي، وكل يوم يمر دون دراسة يجعلنا نبتعد عن أحلامنا أكثر وأكثر".
من جانبه يقول المعلم عمر بركات إنّ الأزمة لم تعد تتعلق بانخفاض الأجور فحسب، بل بانهيار كامل في الظروف المعيشية المحيطة بالمعلم، وأنه كما معظم المعلمين يعيش في حالة ضغط نفسي يومي، إذ أصبح تأمين الاحتياجات الأساسية تحدياً حقيقياً، ويفكر فعلياً بترك التدريس بحثاً عن مصدر دخل بديل، كالبيع في الأسواق، أو العمل في ورشات البناء، أو ربما التطوع في الجيش ووزارة الدفاع، وأضاف لـ"العربي الجديد" :"هذه التحولات ليست مجرد خيارات، بل محاولات للبقاء على قيد الحياة، خاصة أن التعليم لم يعد قادراً على توفير الحد الأدنى من الاستقرار المالي للمعلم". ويحذر من استمرار هذا الوضع الذي "سيدفع المزيد من الكوادر التعليمية إلى مغادرة المهنة نهائياً، ما يعني نزيفاً خطيراً في الخبرات التي يحتاجها القطاع التعليمي اليوم أكثر من أي وقت مضى".
أما معلمة الرياضيات ميساء الحاج، فتقول إنّ "قرار الإضراب كان آخر ما يمكن أن يلجأ إليه المعلمون، إذ حاولنا الاستمرار في التدريس رغم الأوضاع القاسية، لكن الضغوط المعيشية دفعتنا إلى مرحلة لم يعد بالإمكان فيها تحمل المزيد"، وتؤكد الحاج لـ"العربي الجديد"، أنهم يدركون تماماً حجم الانعكاسات السلبية التي يخلفها توقف المدارس على الطلاب، سواء من ناحية فقدان المهارات أو تراجع التحصيل الدراسي أو تنامي ظاهرة التسرّب، إلا أن العودة إلى الصفوف دون أي إصلاحات تعني ببساطة أن يعيش المعلم تحت خط الفقر لسنوات طويلة. وتوضح أن مطالب المعلمين لا تقتصر على رفع الرواتب فحسب، بل تشمل وضع نظام واضح يضمن استقرارهم المعيشي والمهني، بما في ذلك تحديد سلم أجور عادل، وتأمين صحي يغطي الحد الأدنى من الاحتياجات الطبية، فضلاً عن توفير برامج دعم من الجهات الحكومية أو المنظمات التعليمية، تضمن استمرار العملية التعليمية وعدم اضطرار الكوادر للبحث عن أعمال بديلة، معتبرة أن المعلم الذي لا يشعر بالاستقرار لن يستطيع تقديم تعليم جيّد مهما بذل من جهد.
من جهة أخرى أوضح الموجه التربوي رياض عساف، لـ"العربي الجديد"، أنّ الإضراب، وبعد مرور أسبوع واحد فقط على بدئه، نجح في إيصال رسالة المعلمين إلى أعلى المستويات، إذ عقد معاون وزير التربية والتعليم اجتماعاً موسعاً مع شريحة كبيرة من المعلمين في مختلف المناطق، واستمع باهتمام لمطالبهم وظروفهم، مؤكداً خلال اللقاء أن الوزارة "تسعى جاهدة لتحسين واقع الكوادر التعليمية والعملية التربوية عامّة"، مضيفاً أن المعلمين أوصلوا وجهة نظرهم بوضوح، معتبرين أنّ للطالب حقاً أساسياً في التعلم والذهاب إلى المدرسة، تماماً كما للمعلم حق في أن يعيش حياة كريمة في ظل موجات الغلاء المستمرة. ويشير إلى أن المسؤولين استقبلوا رسائل مطولة من الكوادر التعليمية حول ظروفهم المعيشية ومطالبهم، وتلقت هذه الرسائل استجابة أولية تمثلت في وعود جدية من الوزارة بالعمل على تلبية جزء مهم من هذه المطالب، ويتابع لـ"العربي الجديد"، أن مديري التربية بدورهم أبلغوا المعلمين بضرورة استئناف الدوام قريباً، بناء على ما تلقوه من وعود حكومية بزيادة الرواتب وتحسين بيئة العمل، لكن لم يجر تحديد إطار زمني واضح لتنفيذ تلك التعهدات، مؤكداً في الوقت نفسه أن الحوار مستمر والمؤشرات الأخيرة توحي بوجود نية حقيقية لتنفيذ مطالب الكوادر التعليمية وتأمين حقوقهم كاملة، والوصول إلى حل قريب ينهي حالة الشلل في المدارس.