الإنفلونزا تفتك بأطفال غزة.. الفيروس الموسمي تهديد يومي

04 يناير 2026   |  آخر تحديث: 15:54 (توقيت القدس)
لا يحتمل الواقع الصحي الهش أبسط الأمراض في غزة، 27 ديسمبر 2025 (الأناضول)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يواجه قطاع غزة موجة إنفلونزا موسمية تهدد حياة الآلاف بسبب الظروف الصحية الهشة، حيث يعيش السكان في خيام تفتقر للدفء، مما يزيد من انتشار الفيروس بين الأطفال وكبار السن.

- تتفاقم الأزمة الصحية بسبب نقص الأدوية والمستلزمات الطبية، حيث تعاني الصيدليات من نقص حاد، وتعمل المراكز الصحية بإمكانات محدودة، مما يزيد من خطورة الإصابات.

- يشدد الأطباء على ضرورة الضغط لإدخال الأدوية وتوفير بيوت متنقلة، وينصحون بمراجعة المراكز الطبية والاهتمام بتدفئة الأطفال وتعزيز المناعة.

تغزو قطاع غزة موجة قاسية من الإنفلونزا الموسمية هذا الشتاء تحوّلت من وعكة صحية اعتيادية إلى تهديد حقيقي لحياة الآلاف، في ظل تداعيات حرب أنهكت الأجساد قبل الحجر، وخلفت واقعاً صحياً هشّاً لا يحتمل أبسط الأمراض. ولا يمر الفيروس الموسمي على أجساد الغزيين مروراً عابراً كما العادة بعدما وجد بيئة خصبة للانتشار وتفاقم حدته، إذ يُحاصر انعدام الدفء الأطفال وكبار السن داخل خيام مهترئة لا تقي من برد ورياح، كما يفتك سوء التغذية بمناعتهم الضعيفة.

تتكدس العائلات في مساحات ضيّقة داخل مدارس ومراكز وأزقة مخيمات النزوح العشوائية التي تنتشر فوق أنقاض البيوت المدمّرة. يتشاركون الهواء ذاته والبرد ذاته والمرض ذاته. سعال طفل لا يجد غطاءً كافياً يتحوّل بسرعة إلى عدوى تنتقل بين أفراد الأسرة، ثم إلى الخيمة المجاورة فالمخيم كله، في ظل غياب أبسط شروط العزل الصحي. ويضاعف سوء التغذية، الناتج عن نقص الغذاء وغياب التنوع الغذائي، بسبب الحصار الإسرائيلي والتأثيرات الكارثية للمجاعة، من خطورة الإصابات، خصوصاً بين الأطفال ذوي الأجساد الهزيلة، وكبار السن الذين أثقلهم التعب والأمراض المزمنة، ولا تقوى هذه الأجساد على مكافحة الفيروس الذي يحتاج إلى مناعة قوية، ما يزيد فترة المرض، ويضاعف أعراضه، ويحوّل الحالات البسيطة إلى خطيرة.

قالت سمر عبد الهادي (42 عاماً) التي احتضنت طفلها محمد (8 أعوام) الذي يعاني من سعال متواصل، وحاولت عبثاً تدفئته داخل خيمتها التي تضم سبعة من أفراد أسرتها، لـ"العربي الجديد: "أصيب ابني بالإنفلونزا قبل نحو أسبوع، ولم تهدأ السخونة أو السعال حتى اللحظة، وهو لا يستطيع الحركة واللعب بسبب ضعف جسده المنهك". وتابعت: "عرضته على طبيب أخبرني أن الانفلونزا قوية هذا العام، بسبب تداعيات المجاعة وسوء التغذية والتدفئة، وكتب لي وصفة لكنني لم أجد الأدوية والمسكنات المطلوبة، ما دفعني إلى شراء بدائل ذات فعّالية أقل. حاولت خفض حرارة طفلي باستخدام خرقة مبللة بالماء، وأخاف أن تزيد مضاعفات تعبه فالبرد داخل الخيمة لا يُحتمل، خاصة مع الأمطار والرياح التي تدخلها من كل اتجاه، وابني يرتجف طوال الليل، وأنا عاجزة أمام مرضه".

أما رنا خويطر التي تعيش داخل مخيم نزوح عشوائي، فقالت لـ"العربي الجديد": "يعاني طفلي خالد (11 عاماً) من ضيق تنفس وسعال متواصل منذ أكثر من أسبوعين، رغم أنه تلقى العلاجات اللازمة من الإنفلونزا. الليل هو الأصعب إذ تشتد الأعراض مع انخفاض درجات الحرارة، لذا أنام وأنا خائفة من أن ترتفع درجة حرارته أو يختنق من الكحة، وأنا عاجزة عن فعل شيء. ليس أطفالنا أرقاماً تكتب في سجلات المرض والموت، فمن حقهم توفّر أبسط مقومات العيش الآمن".

ويعتبر نقص الأدوية من أبرز التحديات التي تواجه المرضى، فرفوف الصيدليات شبه فارغة، والمراكز الصحية تعمل بإمكانات محدودة وتفتقر إلى أدوية الإنفلونزا الأساسية، وتلك المعنية بخفض الحرارة والمضادات الحيوية لمنع الالتهابات، في وقت دُمّرت البيوت التي كانت درعاً يقي من برد الشتاء. وقال مدير مبنى الأطفال والولادة في مجمع ناصر الطبي أحمد الفرا لـ"العربي الجديد": "الإنفلونزا الموسمية التي تضرب قطاع غزة حالياً ذات خصوصية عالية بسبب التداعيات القاسية للعدوان الإسرائيلي المدمّر على قطاع غزة، كما زادت أسباب عدة المخاطر، وأهمها سوء التغذية الذي تسبب في تدني جهاز المناعة لدى الأطفال والأمهات الحوامل، وأيضاً البرد الشديد الذي يعصف بالقطاع في ظل انقطاع الكهرباء وانعدام التدفئة والبيوت الآمنة بسبب التدمير الإسرائيلي الواسع للمناطق السكنية".

وأشار إلى "التأثيرات السلبية الكبيرة لغياب أجهزة التبخير اللازمة لأمراض الصدر، والمضادات الحيوية والمكملات الغذائية، والعناصر المحفزة لجهاز المناعة من أغذية وأدوية، لذا نشاهد أطفالاً ورجالاً ونساءً في حالات سيئة تستدعي دخولهم إلى غرف العناية المركزة، خصوصاً أولئك الذين يعانون من أمراض مزمنة وأخرى مناعية، والكبار الذي يعانون من أمراض الضغط والسكر والكلى".

وشدد على "عدم إمكان الحدّ من انتشار المرض بسبب التكدس الهائل داخل مخيمات النزوح، لذا من الضروري الضغط على الاحتلال الإسرائيلي لإدخال الأدوية ومستلزمات إجراء التحاليل الطبية اللازمة لمواجهة الأمراض والحدّ من تأثيراتها، وأيضاً السماح بدخول بيوت متنقلة أو مواد أولية لصنعها من أجل ضمان الحدّ الأدنى من الدفء في مواجهة موجات الصقيع والأمطار". وتابع: "لا تتوفر المحاليل الوريدية وعلاجات الغدة الدرقية والأنسولين لمرضى السكري وأشرطة فحص السكر والمسكنات، ما يعني أن هناك أزمة طاحنة في الأدوية والمستهلكات والمضادات الحيوية تفوق حدتها تلك خلال الحرب".

ورغم صعوبة الواقع، ينصح الفرا الأهالي بمراجعة المراكز الطبية بشكل متواصل، والاهتمام بتدفئة الأطفال بقدر الإمكان، إلى جانب تناول الحمضيات والسوائل الدافئة والأوراق الخضراء والابتعاد عن المعلبات واللجوء إلى الطعام الطبيعي.

المساهمون