- الحرائق تترك آثاراً نفسية عميقة على السكان وتؤدي إلى تعطيل الحياة اليومية، مما يدفع بعض الأسر للتفكير في الهجرة الداخلية نحو المدن الساحلية.
- شهدت جهود مكافحة الحرائق تحسناً ملحوظاً في صيف 2025 بفضل تحسين أنظمة الإنذار المبكر والمراقبة الجوية، وتساهم مبادرات مثل جمعية "سولي قرين" في تعزيز المقاومة ضد الهجرة المناخية.
مع بداية كل فصل صيف، يتحول الخوف من الحرائق إلى أحد تفاصيل الحياة اليومية لسكان المناطق الجبلية والغابية في تونس، وتخوض آلاف الأسر معركة الحفاظ على مصادر رزقها ومنازلها ومستقبل أبنائها في مناطق باتت مهددة أكثر من أي وقت مضى بفعل التغيرات المناخية، بينما تنشغل فرق الحماية المدنية وأعوان الغابات بوضع خطط للوقاية من اشتعال النيران.
في الشريط الغربي، حيث تمتد الغابات في مناطق عين دراهم ونفزة وسجنان، وفي مرتفعات الوسط مثل القصرين والكاف وسليانة، لا تمثل الغابة مجرد فضاء طبيعي، بل هي مصدر عيش لآلاف العائلات التي تعتمد على تربية الماشية واستغلال الأراضي الزراعية المحاذية للغابات، لكن الحرائق المتكررة خلال السنوات الماضية بدأت تعيد رسم ملامح الحياة في تلك المناطق.
يقول محمد الفطناسي، وهو فلاح من منطقة سلول التابعة لمعتمدية عين دراهم: "حلول الصيف أصبح يحمل معه هاجس الحرائق. لا يخشى الفلاحون قلة المحصول أو نقص مياه الشرب فقط، بل يتحسّبون لاشتعال الحرائق. مزرعتي الصغيرة احترقت، وقد كانت مصدر دخل عائلتي، كما أصبت بشظايا الحرائق، وتضررت مئات الأشجار المثمرة، ما يحتاج إلى سنوات لإعادة غراسة جزء منها، ولا يمنع هذا الخوف من تكرار الكارثة التي لا تزال أسبابها قائمة".
وتتجاوز خسائر الحرائق المناطق الغابية والأشجار المثمرة والمحاصيل الزراعية لتطاول المناطق السكنية أيضاً، كما تتسبب النيران في القضاء على المراعي الطبيعية التي تعتمد عليها الأسر لتربية الأغنام والأبقار، ما يضاعف الأعباء المالية على الفلاحين الذين يضطرون إلى شراء الأعلاف بأسعار مرتفعة.
من إحدى قرى معتمدية سجنان بمحافظة بنزرت، تروي راضية، وهي أم لأربعة أبناء، كيف اضطرت عائلتها إلى مغادرة المنزل نتيجة أحد الحرائق التي نشبت في صيف 2024. تقول: "خرجنا ليلاً ومعنا بعض الوثائق والملابس، ولم يكن لدينا وقت لحمل شيء آخر، لكننا عدنا لاحقاً ورممنا ما أفسدته النيران بعد الحصول على قرض صغير جرى تخصيصه لشراء المواشي والدواجن التي أصبحت مورد رزقنا الجديد".
ولا تقتصر التداعيات على الجانب المادي، إذ تخلف الحرائق آثاراً نفسية عميقة لدى الأطفال وكبار السن، خاصة عندما تتكرر عمليات الإجلاء، ويعيش السكان تحت التهديد الدائم خشية اقتراب النيران من مساكنهم. ويؤدي اندلاع الحرائق أحياناً إلى غلق الطرق والمسالك الريفية، ما يعطل التنقل، ويزيد صعوبات الالتحاق بالمؤسسات التعليمية، كما تجد بعض الأسر نفسها مضطرة إلى منح الأولوية لإعادة بناء مصادر رزقها على حساب التعليم.
ومع تكرار الحرائق يصبح خطر النيران محفزا لفكرة الهجرة الداخلية حيث تختار أسر بأكمها أو بعض من أفرادها مغادرة أراضيهم والتوجه نحو المدن الساحلية أو العاصمة بحثاً عن فرص عمل أقل تأثراً بتغير المناخ والكوارث الطبيعية.
ويؤكد رئيس جمعية "سولي قرين" التي تنشط في مجال تجديد الغطاء النباتي المتضرر من الحرائق، حسام حمدي، أن "الحرائق تعيد تشكيل حياة الأسر في المناطق الغابية، سواء عبر الهجرة، أو إعادة إنتاج وسائل العيش كشكل من أشكال المقاومة". ويوضح لـ"العربي الجديد" أن "المبادرات التي تقوم بها الجمعية تسعى إلى تعزيز أشكال المقاومة ضد الهجرة المناخية عبر غراسة ملايين الأشجار الجديدة في المناطق المتضررة من الحرائق، ومكافحة هشاشة المجتمعات المحلية التي تعتمد على هذه المنظومات الطبيعية".
وأشار حمدي إلى "الجمعية نجحت في غراسة ما لا يقل عن مليوني شجرة، وتجديد غطاء نباتي يمتد على مساحة 3 آلاف هكتار، أغلبها من الأشجار ذات القيمة الاقتصادية على غرار الخروب والبندق، والتي يمكن استغلالها لاحقاً من قبل سكان المناطق الغابية. يشارك سكان الغابات بشكل مكثف في حملات التشجير لصناعة خزانات طبيعية جديدة للتنوع وتوفير موارد اقتصادية مباشرة وغير مباشرة من خلال الفلاحة والرعي والسياحة البيئية والمنتجات الغابية".
وسجّل صيف 2025 الماضي تراجعاً كبيراً في حرائق الغابات مقارنة بسنوات ماضية، مدفوعاً بجهود وقائية بذلتها السلطات من أجل الحد من خسائر الغطاء النباتي، وبحسب معطيات صادرة عن الإدارة العامة للغابات، فقد تم تسجيل انخفاض بنسبة تزيد عن 60% في عدد الحرائق مقارنة بنفس الفترة من عام 2023، فيما تراجعت المساحات المتضررة بأكثر من 70%.
ويعود هذا التراجع إلى عدة عوامل من أبرزها تحسين أنظمة الإنذار المبكر والمراقبة الجوية عبر الطائرات المُسيّرة، وتكثيف حملات التوعية الموجهة للمواطنين وسكان المناطق الجبلية، إلى جانب تعزيز التنسيق بين أجهزة الحماية المدنية والغابات والجيش، وتفعيل خطط التدخل السريع ورفع جاهزية فرق الإطفاء الميدانية.