الحفر الصحية البديلة مصدر تلوث في شمال غربي سورية

29 أكتوبر 2025   |  آخر تحديث: 00:12 (توقيت القدس)
الواقع لا يقل قسوة عن سنوات النزوح، 30 ديسمبر 2024 (قاسم راما/ الأناضول)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يعاني سكان شمال غربي سوريا من غياب شبكات الصرف الصحي، مما يضطرهم لاستخدام حفر امتصاصية بديلة تسبب تسرب المياه الملوثة وانتشار الأمراض.
- تواجه الأسر تحديات صحية وبيئية بسبب تسرب المياه، مع عدم قدرة المجلس المحلي على توفير حلول بديلة بسبب ضعف الإمكانيات.
- يقترح الخبراء تنفيذ مشاريع صرف مصغرة وتدريب فرق محلية، مع دمج معالجة الصرف الصحي في خطط إعادة الإعمار المستدامة لحماية الصحة العامة والبيئة.

في أحياء بشمال غربي سورية تشهد أنقاضها على الحرب، يحفر الأهالي قرب منازلهم المهدمة لتصريف مياه الصرف الصحي في حل مؤقت تحوّل إلى خطر دائم مع تسرب المياه الملوثة إلى التربة، وانتشار الحشرات، وتزايد الأمراض.

يواجه آلاف السوريين الذين عادوا إلى قراهم ومدنهم المدمّرة في شمال غربي البلاد واقعاً صحياً وبيئياً قاسياً، ويُضطر معظمهم إلى اللجوء إلى حفر صحية بديلة لشبكات الصرف الصحي التي دُمرّت خلال سنوات الحرب، ما يهدد بتلوث المياه الجوفية، وانتشار الأمراض، وإلحاق أضرار بأساسات المباني والبنى التحتية.

بعدما عاد إلى قريته المدمّرة في ريف إدلب الجنوبي، وجد خالد اليوسف نفسه أمام واقع جديد لا يقل قسوة عن سنوات النزوح، فمع انعدام شبكات الصرف الصحي ودمار البنى التحتية، اضطر إلى إنشاء حفرة امتصاص بديلة في جوار منزله لتصريف المياه. يقول لـ"العربي الجديد": "الحفر هي الحل الوحيد للأهالي، لكنها تتحول مع تساقط الأمطار وامتلائها بالمياه الملوثة إلى مصدر للمعاناة تنشر الروائح الكريهة في المنازل، وتجذب الحشرات وتلوث التربة".

يضيف: "غياب أي دعم من الجهات المحلية أو المنظمات المعنية جعل الأهالي يعتمدون على حلول فردية غير آمنة، فالحفر تنفذ غالباً بطريقة عشوائية ومن دون إشراف هندسي، ما يُفاقم خطر انهيار الجدران أو تسرب المياه العادمة إلى أساسات مبانٍ قريبة. إعادة الحياة إلى القرى المدمّرة لا تتحقق فقط بعودة السكان، بل تتطلب تأهيل شبكات الصرف والمياه باعتبارها أساس أي استقرار صحي وبيئي مستدام".

من جهتها، تصف صباح فريج، وهي أم لأربعة أطفال، في حديثها لـ"العربي الجديد"، الحياة اليومية بأنها "صراع مستمر مع الروائح والحشرات. المياه الملوثة المتسربة من الحفر الصحية تحاصر المنازل وتنتشر في الأزقة، ما يجعل فتح النوافذ أمراً مستحيلاً. والأطفال هم الأكثر تضرراً، إذ يعانون التهابات جلدية متكررة بسبب المياه الملوثة، في حين تبقى محاولات الأهالي إيجاد حلول بديلة محدودة جداً، ولم تلقَ مطالبتهم المجلس المحلي بتوفير حلول هندسية أو شبكات بديلة استجابة حتى الآن بسبب ضعف الإمكانيات".

وتلفت إلى أن "المياه الآسنة تطفو على السطح مع امتلاء الحفر أو هطل الأمطار، وتبعث روائح خانقة داخل المنازل وتنشر حشرات في محيطها، والنساء يتأثرن بشكل أكبر بهذه الأوضاع لأنهن أكثر احتكاكاً بالمياه الملوثة خلال أعمال الغسيل والتنظيف والعناية بالأطفال، لذا تحوّلت الأعمال المنزلية إلى مصدر قلق صحي دائم في ظل غياب المرافق العامة الصالحة للاستخدام أو أنظمة الصرف البديلة".

وفيما يشكل غياب شبكات الصرف الصحي في المناطق المدمّرة تحدياً بيئياً وصحياً متفاقماً في ظل غياب خطط ترميم شاملة أو برامج استجابة هندسية متكاملة، يحذر المهندس المدني عبد الرحمن العبد، في حديثه لـ"العربي الجديد"، من أن "استمرار هذا الوضع قد يخلّف أضراراً هيكلية وبنيوية على المدى القريب، خصوصاً في المباني القديمة والمتضررة من القصف أو المرممة جزئياً. وتسرب المياه العادمة إلى التربة المحيطة بهذه المنازل قد يتسبب في تآكل الأساسات تدريجياً، كما يرفع منسوب المياه الجوفية الملوثة".

يضيف: "تستخدم حفر الامتصاص التي تنتشر في القرى العائدة في ظروف غير ملائمة، وتجهّز غالباً من دون إشراف هندسي أو دراسة لطبيعة التربة، ما يجعلها غير قادرة على تصريف المياه بشكل آمن. والاعتماد الطويل على هذه الحفر يخلق بيئة خصبة لانتشار الحشرات والأمراض المنقولة بالمياه، ويهدد بانهيارات أرضية جزئية في بعض المناطق ذات التربة الطرية أو المشبعة بالمياه".

الصورة
تطفو المياه الآسنة على السطح مع هطول الأمطار،  30 ديسمبر 2024 (قاسم راما/ الأناضول)
تطفو المياه الآسنة على السطح مع هطل الأمطار، 30 ديسمبر 2024 (قاسم راما/ الأناضول)

ويرى العبد أن "الحلول الممكنة لا تقتصر على إعادة إنشاء شبكات صرف متكاملة، إذ يمكن البدء بخطوات مرحلية تتناسب مع الإمكانيات المتاحة". ويقترح تنفيذ مشاريع صرف مصغرة أو لامركزية تعتمد على خزانات إسمنتية محكمة الإغلاق ومعالجة جزئية للمياه الرمادية داخل الأحياء حتى تأمين التمويل اللازم لشبكات رئيسية. كما يدعو إلى توحيد الجهود بين الجهات الرسمية والمجالس المحلية والمنظمات العاملة في القطاع الخدمي لوضع خريطة شاملة للأولويات، تبدأ من القرى الأكثر كثافة سكانية أو المعرضة لتلوث المياه الجوفية، إضافة إلى تدريب فرق محلية على إنشاء حفر صحية محكمة ومطابقة للمعايير الفنية على أنها حلّ مؤقت أكثر أماناً.

ويؤكد أن "معالجة ملف الصرف الصحي يجب أن تكون جزءاً من رؤية إعادة الإعمار المستدامة، لأن البنى التحتية ليست مجرد خدمات، بل خط الدفاع الأول عن الصحة العامة وسلامة البيئة والمجتمع".

وتعرضت شبكات الصرف الصحي في معظم مدن وبلدات شمال غربي سورية إلى دمار شبه كامل خلال سنوات الحرب، نتيجة قصف المناطق السكنية والبنى التحتية، إضافة إلى الإهمال طويل الأمد ونقص الصيانة قبل النزاع وفي أثنائه، إذ تضررت غالبية شبكات المجاري، فيما توقفت مشاريع الصيانة أو إعادة الإعمار بسبب انعدام التمويل والبنى اللوجستية الملائمة. ومع عودة آلاف النازحين إلى مناطقهم زاد الضغط على ما تبقى من بنى تحتية، ما فاقم الأزمات الصحية والبيئية بعدما أصبحت الحفر الصحية البديلة التي اعتمدها الأهالي حلولاً مؤقتة مصدراً لتلوث المياه الجوفية وانتشار الحشرات والأمراض خصوصاً بين الأطفال والنساء.

المساهمون