الخنازير البرية في العراق تهدد السكان والمحاصيل
استمع إلى الملخص
- يوضح الخبير البيئي حسين النداوي أن تغير المناخ والجفاف دفع الخنازير للهجرة نحو الأراضي الزراعية، حيث تتكاثر بسرعة وتسبب أضراراً للأنظمة البيئية والمزارع.
- يشير الخبير الزراعي فيصل العلي إلى أن انتشار الخنازير يعطل الدورة الزراعية ويؤثر سلباً على الاقتصاد المحلي، بينما يعتبر صيدها حلاً محتملاً لكنه محفوف بالمخاطر.
باتت الخنازير البرية في الأرياف العراقية كابوساً يؤرق الفلاحين ويهدّد سلامة السكان وحيواناتهم ومزروعاتهم، لا سيما أن الجفاف الشديد في الأهوار يفاقم انتشارها.
مع غروب الشمس عند أطراف ريف غربي محافظة الناصرية جنوب شرقي بغداد، تُراود المُزارع العراقي أحمد شمخي مشاعر القلق، وهو يغادر مزرعته متجهاً إلى منزله الذي يقع على بُعد نحو ثلاثة كيلومترات. فالخنازير البرية باتت عدوّاً شرساً يصعب القضاء عليه. وقد حاول المزارعون في القرى المجاورة جاهدين القضاء عليها، لكنّهم لم يفلحوا سوى بقتل عددٍ قليلٍ منها، كما يقول شمخي لـ"العربي الجديد"، متحدثاً عن خسائر كبيرة يتكبّدها مزارعو المنطقة.
ويلفت إلى أنّ هذه الحيوانات حلّت هرباً من الجفاف الذي ضرب الأهوار جنوبي المحافظة، وأنّ انتشار الخنازير البرية الذي كان يُعدّ مشهداً نادراً في الأرياف العراقية، أصبح اليوم كابوساً يؤرق الفلاحين، ويهدّد سلامة السكان وحيواناتهم ومزروعاتهم، ومع موجات الجفاف المتلاحقة التي ضربت الأهوار والمناطق الوسطى، أصبحت هذه الحيوانات الشرسة تبحث عن الغذاء والماء في قلب المناطق الزراعية، من دون رادع يوقف زحفها.
ويرى الخبير البيئي حسين النداوي أنّ تغيّر المناخ لعب دوراً جوهرياً في إعادة توزيع الحياة البرية، موضحاً لـ"العربي الجديد" أنّ "الجفاف الشديد الذي أصاب الأهوار جنوباً أجبر الخنازير البرية على الهجرة العكسية نحو الأراضي الزراعية والبادية، حيث المياه السطحية والأعشاب". ويضيف: "ما زاد الطين بلّة أنّ الكثير من مناطق الأهوار باتت شبه مهجورة بتحوّل مساحات شاسعة من المسطحات المائية إلى بركٍ ومستنقعاتٍ صغيرة تعلوها الأحراش، ما
أتاح للخنازير بيئة مثالية للتكاثر السريع".ويلفت النداوي إلى أن مناطق أخرى في وسط البلاد وشمالها وغربها وشرقها لا تضمّ مسطحات مائية كما في الأهوار، شهدت هي الأخرى ارتفاعاً في أعداد الخنازير البرية، مرجعاً ذلك إلى عددٍ من الأسباب، أبرزها هجرة الحيوانات من مناطق مختلفة. وما يزيد من سرعة انتشارها، بحسب قول النداوي، أنّ أنثى الخنزير يمكن أن تلد أكثر من 10 صغار في المرة الواحدة، وتتكاثر مرتين في السنة.
من الناحية البيئية، يؤكد الخبير البيئي أنّ لهذه الحيوانات وجهاً مزدوجاً؛ من جهة، هي تساهم في التخلص من بعض الكائنات الضارّة وتُعيد تقليب التربة، لكنها في المقابل تسبّب ضرراً بالغاً للأنظمة البيئية المحلية عبر تدمير مساكن الزواحف والثدييات الصغيرة، وتدمير المزارع والمحاصيل الزراعية.
عباس التميمي، وهو مُزارع يسكن في محافظة ديالى شرقي البلاد، يروي لـ"العربي الجديد"، كيف فَقَد خلال موسمٍ واحدٍ معظم محاصيله من الخضراوات، ومنها الباذنجان والبامياء
واللوبياء والطماطم والخيار والبطيخ، بسبب هجمات الخنازير الليلية. ويقول: "مع أو بعد غروب الشمس بقليل، تخرج هذه الحيوانات على شكل قطعان أو "عوائل"، حيث كثيراً ما شاهدنا أنثى الخنزير وصغارها وهم يجوبون الأراضي الزراعية"، مؤكداً أن الخسائر التي تخلّفها الخنازير البرية أصبحت يومية". ويوضح التميمي أن هذه الحيوانات تقتلع النباتات من جذورها، حيث تأكل الجذور والثمار، وتترك الأرض محفورة بشكل مرعب.ولا تختلف الحال كثيراً عند المُزارع صباح النوري، حيث يؤكد لـ"العربي الجديد" أنّ الخنازير باتت تقترب من أطراف القرى، وفي أكثر من مرة هاجمت السكان، مبيّناً أنّ أحد الأطفال أُصيب برأسه ويديه أثناء اللعب مع أصدقائه في أطراف إحدى المزارع، حين هاجمهم أحد الخنازير. ويشير إلى أنّ "الكمائن والأفخاخ لا تنفع، فهذه الحيوانات ذكية جداً، وقوية، وتعرف متى تفرّ، وكيف تحمي نفسها".
من جهته، ينبّه الخبير الزراعي فيصل العلي إلى أنّ أضرار انتشار الخنازير البرية تتعدّى مسألة تدمير المحاصيل، ويقول لـ"العربي الجديد" إنّ هذه الحيوانات تتسبّب بخسائر مباشرة للفلاحين، لكن المشكلة الأكبر تكمن في تعطيل الدورة الزراعية من خلال تراجع الإنتاج، وجعل المزارعين متردّدين في الزراعة مجدداً، وهذا يضرب الاقتصاد المحلي، ويدفع لرفع الأسعار في السوق".
يبقى الحل الأفضل والأنسب هو صيد هذه الحيوانات، لكن ذلك يعني مجهوداً أكبر، لما تتمتع به من ذكاء في التعرف إلى المخاطر، وكشف المصائد المعدّة لها، فضلاً عن قوّتها البدنية، بحسب قول عضو جمعية الصيادين العراقيين، محمد نبيل لـ"العربي الجديد"، الذي يؤكد أن "عملية صيد الخنزير البري محفوفة بالمخاطر". ويشدّد على أنّ "عملية اصطياد الخنازير ليست هواية، بل مهمة تحتاج إلى الاحتراف، فالخنزير يملك جلداً قوياً أشبه بالدرع، يساعده على تحمّل الإصابات والطعنات، حيث يمكنه البقاء حيّاً، بل حتى المقاومة والهجوم وهو مصاب بطلق ناري، فضلاً عن ذكائه الشديد وعدوانيّته وشراسته حين يتعرّض لحصار أو محاولة صيده".
نبيل الذي يشارك في عمليات صيد الخنازير البرية، يقول إنه يصطحب مجموعة من الصيادين الماهرين، مع استخدام طائرة مسيّرة وفريقٍ من الكلاب المدرّبة للكشف عن مواقع الخنازير، مبيّناً أن فريقه قد يستغرق أحياناً أكثر من يومين في البحث، وقد يفشل في صيد خنزيرٍ واحد في بعض الأحيان، مؤكداً أن فريقه تمكن منذ نحو ثلاثة أعوام من اصطياد 98 خنزيراً برياً.