استمع إلى الملخص
- تتبنى الدنمارك استراتيجية جديدة تشمل إبرام اتفاقيات مع دول المنشأ، وربط المساعدات بقبول مواطنيها، ومراجعة قضايا اللجوء للسوريين، مع تشديد قوانين الجنسية.
- يحذر خبراء اللجوء من عدم استقرار الأوضاع في سورية، مؤكدين على ضرورة مساعدة النازحين واللاجئين في الدول المجاورة بدلاً من إعادتهم لبيئة غير آمنة.
تسعى الدنمارك إلى تطبيق خطاب "الهجرة المعاكسة" للاجئين بصفة مؤقتة على الساحة الأوروبية، فمنذ أن وصول عشرات آلاف السوريين إلى أراضيها في عام 2015، ظلّ وجودهم ملفاً سياسياً وأخلاقياً معقّداً. وبعد مرور عقد، يقيم حالياً في الدنمارك نحو 40 ألف سوري، يحمل عدد كبير منهم إقامات مؤقتة. ومع ذلك، ظلّت عمليات إعادتهم إلى سورية شبه مستحيلة بسبب رفض كوبنهاغن التعامل مع حكومة النظام السابق، لكن ما كان غير وارد في السابق بدأ يتحوّل إلى سياسة رسمية.
اتخذت الدنمارك أخيراً خطوة مفصلية بزيارة وزير الخارجية لارس لوكا راسموسن إلى دمشق، في أول زيارة رسمية منذ 2011، وهدفت الزيارة إلى بحث قدرة سورية على استقبال العائدين، ومناقشة إعادة طالبي اللجوء المرفوضين، والمدانين بارتكاب جرائم في الدنمارك.
وينسجم هذا التوجّه مع تصريحات وزير الهجرة راسموس ستوكلوند الذي أعلن استعداد الدنمارك للتعاون مع الحكومة السورية الجديدة "حتى لو تطلّب ذلك زيادة الدعم المالي". في تغيّر كبير يكسر خطاً سياسياً استمر لسنوات. وليست التحوّلات الدنماركية في معزل عن المشهد الإسكندنافي والأوروبي الأوسع، فقد زار وزير الهجرة السويدي يوهان فورسيل ووزير التنمية بنيامين دوسا دمشق أخيراً، وأعلنا أن استوكهولم ستربط مساعداتها التنموية بقبول الحكومة السورية الجديدة مواطنيها المرفوضة طلبات لجوئهم أو المدانين بجرائم، ما وفّر غطاءً سياسياً مهماً للتحرك الدنماركي، ورسّخ توجهاً إقليمياً نحو "تطبيع عملي" مع دمشق لتسهيل العودة.
في موازاة ذلك، بدأت ألمانيا التي تستضيف أكثر من 800 ألف سوري، بحث إمكانية تعديل سياستها نحو عودة محدودة أو تدريجية لبعض الفئات بعد تغيّر الوضع السياسي في سورية، بينما تدفع دول أوروبية أخرى، نحو مراجعة سياسات اللجوء. ويعكس هذا التلاقي الإقليمي نشوء مقاربة أوروبية جديدة لتشجيع الهجرة المعاكسة وإعادة اللاجئين إلى بلدانهم كلما سمحت الظروف الأمنية.
ما يجري اليوم لا يُعد خطوات منفردة، بل يعكس مرحلة جديدة في السياسة الأوروبية تُعرف باسم "الهجرة المعاكسة"، وهي استراتيجية تعمل لنقل حركة الهجرة من أوروبا إلى بلدانها الأصلية بمجرد أن تتغير الظروف السياسية أو تتحسن الأوضاع الأمنية. وتتجلى مظاهر "الهجرة المعاكسة" في ثلاثة مسارات رئيسية تدعمها أيضاً بعض الأحزاب الألمانية المحافظة وغيرها في القارة: الأول، إبرام اتفاقيات لإعادة القبول مع حكومات دول المنشأ، حتى لو كانت هذه الحكومات مثيرة للجدل سياسياً. والثاني، ربط المساعدات الإنمائية والسياسية باستقبال الدول الأصلية مواطنيها. والثالث، إعادة تقييم أوضاع الإقامة المؤقتة في أوروبا وسحبها بعد تحديد أن أسباب الحماية لم تعد قائمة.
وتعتبر الدنمارك حالياً في صدارة هذا التحول، إذ بدأت فعلياً في إعداد خطة واسعة تشمل مراجعة 550 قضية لجوء تمهيداً لتطبيق نتائجها على نحو 4500 سوري يقيمون في البلاد بموجب الحماية المؤقتة، وتشددت في شكل غير مسبوق بقانون الجنسية لقطع الطريق على آلاف المرشحين، وهي تطمح إلى بدء عمليات إعادة حقيقية فور توقيع اتفاق رسمي مع دمشق.
وفتحت القيادة السورية، بعد زيارة الرئيس أحمد الشرع البيت الأبيض، باباً أمام الغرب لإعادة التفكير في طريقة التعامل مع دمشق. ومع هذا التحوّل الدولي، أصبح الأوروبيون يستطيعون التعاون مع سورية من دون العوائق السياسية السابقة.
ويرى سياسيون من الأحزاب اليمينية في الدنمارك أن تقديم دعم مالي لمساعدة الحكومة السورية في قبول مواطنيها "شر لا بدّ منه" إذا كان سيحقق هدف إعادة من دخلوا عام 2015، وهو وعد يعتبرونه جزءاً من مسؤولياتهم أمام الناخبين. ومع ذلك، يحذر خبراء اللجوء من أن سورية لا تزال بلداً مدمّراً يعاني من انهيار في الخدمات الأساسية وانعدام استقرار أمني وسياسي في الكثير من المناطق، ما يجعل العودة في الظروف الراهنة محفوفة بالمخاطر.
وتؤكد إيفا سينغر، من المجلس الدنماركي للاجئين، أن "أجزاءً واسعة من البلاد بلا كهرباء ومياه شرب، والنظام الصحي شبه منهار، وأن الأولوية يجب أن تكون لمساعدة النازحين داخل سورية واللاجئين في الدول المجاورة".
وفي ظل التحركات السويدية والألمانية، يبدو أن أوروبا تدخل مرحلة جديدة تتجاوز مجرد إدارة اللجوء إلى محاولة إعادة صياغة العلاقة مع ملايين اللاجئين الذين استقروا فيها خلال العقد الماضي، ضمن تيار أوروبي واسع يسعى إلى تحويل "اللجوء إلى أوروبا" إلى "عودة نحو بلدان المنشأ".