- أطلقت وزارة الصحة المغربية حملات لمكافحة الظاهرة، مع التركيز على الوقاية وتحسين الرعاية الصحية، ووضعت استراتيجية وطنية منذ عام 1999 تهدف إلى تقليص الوفيات إلى الصفر.
- يؤكد الخبراء على أهمية تعزيز الوعي المجتمعي وتكثيف حملات التوعية، وتحسين جاهزية المراكز الصحية، وتشجيع السكان على اتخاذ تدابير وقائية، مع توزيع المسؤولية بين الدولة والمجتمع والأفراد.
لا يكاد يمر يوم في المغرب من دون تسجيل إصابة أو وفاة بلدغات عقارب أو أفاعي، حتى تحول الأمر إلى كابوس يقض مضاجع كثيرين، خصوصاً من سكان الأرياف والمناطق النائية، حيث يتحول فصل الصيف سنوياً إلى موسم معاناة وفقدان أرواح.
من منطقة سطات (وسط)، يقول الشرقي بوكرين لـ "العربي الجديد" إنه يعيش في قلق دائم من تعرض أحد أطفاله لهجمات العقارب في ظل الانتشار الكثيف للحشائش بعد الموسم الماطر، وأن مخاوفه تتزايد في ظل التردي الشديد الذي تعاني منه المنطقة في الخدمات الصحية، والتي سجلت وفيات عدة خلال السنوات الماضية من جراء غياب الأدوية، وصعوبة التنقل بين المركز الصحي والمستشفى الإقليمي في سطات.
وأطلقت وزارة الصحة والحماية الاجتماعية المغربية أخيراً حملة لمكافحة العقارب والأفاعي تحت شعار "من الوقاية إلى التكفل: لنعمل بفعالية ضد التسمم الناتج عن لسعات العقارب ولدغات الأفاعي"، وتهدف الحملة إلى تعزيز الوقاية وتحسين التكفل بالمصابين، لاسيما في المناطق القروية والنائية التي تسجل إصابات سنوياً.
وتشير معطيات المركز المغربي لمحاربة التسمم واليقظة الدوائية (حكومي) إلى أنه تم خلال سنة 2025 تسجيل 20 ألفاً و583 حالة لسعات عقارب، و405 حالات لدغات أفاعٍ، فيما بلغت نسبة الوفيات 0.13% بالنسبة للسعات العقارب، و4.4% بالنسبة للدغات الأفاعي، ما يعكس أهمية تكثيف جهود الوقاية والتوعية وتحسين التكفل بالمصابين.
ومن بين المناطق الأكثر تضرراً من لسعات العقارب ولدغات الأفاعي جهة مراكش الحوز وسوس ماسة درعة (جنوب)، ومنطقة عبدة دكالة (شمال مدينة الدار البيضاء)، وتادلة أزيلال في الأطلس المتوسط والكبير، والشاوية ورديغة (غرب الدار البيضاء).
ووضعت وزارة الصحة المغربية في عام 1999، استراتيجية وطنية لمكافحة العقارب والأفاعي، ارتكزت على أربعة دعامات أساسية هي الوقاية والعلاج واليقظة الوبائية والتوعية المجتمعية، وعُزّزت هذه الاستراتيجية في عام 2013، بعد وضع هدف مركزي يتمثّل في تقليص الوفيات إلى الصفر.
وأسفرت هذه المقاربة عن نتائج ملموسة، إذ تراجعت نسبة الوفيات الناجمة عن لسعات العقارب من 2.37% في عام 1999 إلى 0.14% في عام 2023، كما انخفضت نسبة الوفيات من جرّاء لدغات الأفاعي من 7.2% إلى 1.9% في عام 2024، وفقا لبيانات وزارة الصحة والحماية الاجتماعية.
ورغم التقدّم المسجل في هذا الخصوص، لا زال الوصول إلى "صفر وفاة" يصطدم بعوائق عدّة، من بينها ضعف البنية التحتية الصحية، والسكن العشوائي بالقرب من المناطق الخطرة، وتأخّر نقل المصابين، واستمرار الممارسات الشعبية الضارة، والعوامل المناخية والجغرافية التي تسهّل انتشار العقارب والأفاعي، خصوصاً في القرى والمناطق الجبلية.
ويتمتع المغرب بتنوع كبير في أنواع العقارب البالغ أكثر من 60 نوعاً، من أبرزها عائلتا بوثيداي والعقرب الأسود سميك الذيل، واللتان تصنفان من بين الأخطر على حياة البشر.
ويرى رئيس المكتب التنفيذي للجمعية الوطنية للدفاع عن حقوق الإنسان (غير حكومية)، محمد رشيد الشريعي، أن المعطيات المتوفرة تشير إلى أن لسعات العقارب ولدغات الأفاعي لا تزال تمثل تحدياً صحياً موسمياً في المغرب، خصوصاً خلال فصل الصيف، حيث يزداد نشاط هذه الحيوانات ويكثر تواجد الناس في المناطق القروية والطبيعية، مؤكداً على ضرورة التعامل مع خطر العقارب والأفاعي باعتباره قضية صحة عامة موسمية، وليس مجرد حوادث فردية متفرقة.
ويوضح الشريعي لـ "العربي الجديد"، أن هناك عوامل عدة تجعل المشكلة تتكرر كل صيف، منها ارتفاع درجات الحرارة وانتشار السكن في مناطق قروية أو شبه قروية قريبة من مواطن العقارب والأفاعي الطبيعية، وتأخر بعض المصابين في الوصول إلى المراكز الصحية واللجوء إلى وسائل علاج شعبية غير فعالة. فضلا عن نقص الوعي بالإجراءات الوقائية، خاصة لدى الأطفال والعاملين في الفلاحة والرعي.
ويؤكد ضرورة وضع استراتيجية وقائية تركز على خفض الوفيات المرتبطة بلسعات العقارب مع تحسين بروتوكولات العلاج، وتكوين الأطر الصحية، وتكثيف حملات التوعية، معتبراً أن "الوقاية والاستجابة السريعة يمكن أن تحدث فرقاً كبيراً، ومن بين الإجراءات التي يمكن أن تعزز الحماية تكثيف حملات التوعية قبل وخلال فصل الصيف، وتعزيز جاهزية المراكز الصحية، خاصة في المناطق الأكثر تعرضاً للخطر، وتشجيع السكان على ارتداء أحذية مغلقة وقفازات عند العمل في الحقول، وفحص الأحذية والأغطية قبل استخدامها، إضافة إلى تحسين نظافة محيط المنازل، وإزالة أماكن اختباء العقارب والأفاعي، مثل أكوام الحجارة والأخشاب".
ويتابع الشريعي: "رغم أن خطر اللسعات واللدغات لا يمكن القضاء عليه بالكامل بسبب ارتباطه بالبيئة الطبيعية، إلا أن تقليل الإصابات والوفيات ممكن إلى حد كبير من خلال الوقاية، وسرعة الوصول إلى العلاج، واستمرار حملات التوعية الموجهة إلى الفئات الأكثر عرضة للخطر. المطلوب هو الانتقال من رد الفعل بعد وقوع الحادث إلى الوقاية والاستعداد المسبق، مع توزيع المسؤولية بين الدولة والمجتمع والأفراد، ومواصلة حملات التوعية، وضمان جاهزية المراكز الصحية في المناطق الأكثر عرضة، وتوفير وسائل التشخيص والعلاج، وتدريب الأطر الطبية على التعامل السريع مع الحالات".