استمع إلى الملخص
- أظهرت دراسة لليونيسف والمجلس الوطني الأردني لشؤون الأسرة أن 75% من الأطفال الأردنيين تعرضوا لعنف جسدي، مع تباين بين الذكور والإناث. يُعتبر الأهل والمعلمون من أبرز مرتكبي العنف.
- يشدد أستاذ علم الاجتماع حسين محادين على أهمية تعزيز قيم الحوار والتسامح في الجامعات، مشيراً إلى ضرورة توفير أنشطة ومرافق لصقل شخصيات الطلاب وتعزيز مفهوم المواطنة.
تؤدي الثقافة المجتمعية في الأردن دوراً مهماً في ظاهرة العنف المدرسي والجامعي، ولا تزال مفاهيم تقليدية تمجّد العنف وسيلةً لحل النزاعات وإثبات الذات.
يرتبط العنف في الجامعات الأردنية بالعنف في المدارس. وليس ذلك مجرد تصرف فردي، بل نتاج عوامل متداخلة تشمل البيئة الاجتماعية والنظام التربوي والتأثيرات الثقافية، فالتلاميذ الذين يترعرعون في بيئات عنيفة قد يتعلمون أن العنف هو الحل للمشاكل. أيضاً قد يسمح ضعف الرقابة المدرسية في بعض الأحيان، والذي يرتبط بغياب المرشدين النفسيين والإجراءات الصارمة، بتفاقم المشكلات بين التلاميذ، فيحملونها معهم إلى ما بعد المدرسة إلى الجامعات، وربما إلى الحياة العملية.
أوردت دراسة عن العنف ضدّ الأطفال في الأردن أعدتها منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) بالتعاون مع المجلس الوطني الأردني لشؤون الأسرة عام 2021، أنّ 75% من الأطفال الأردنيين تعرضوا لعنف جسدي (79% من الذكور و70% من الإناث). وعن مرتكبي العنف، أوضحت الدراسة أن الأهل شكلوا 47% منهم في العينة الوطنية، والأخوة 44%، والأقران 39%، والمعلمين والمعلمات 27%.
وبشأن أثر المراحل المدرسية على العنف الجامعي، تقول المتخصّصة في أصول التربية في الأردن هبة أبو حليمة لـ"العربي الجديد": "العنف المدرسي قديم في المدارس، ولا يقتصر على الأردن بل موجود في كثير من دول العالم، ولا يُمارس على التلاميذ فحسب، بل على العاملين والمعلمين أيضاً. وتتعدد أسباب العنف المدرسي، لكنّه في الغالب ينتقل من البيئة الأسرية إلى المدرسة، من الأب أو الأعمام أو الأخوال، ولا يكون في العادة أمراً مفاجئاً، بل نتاج تراكمات. وما يُغذي العنف هو النعرات المناطقية والعشائرية، وتضخم الهويات الفرعية، كما أن بعض التلاميذ ينقلون العنف من البيئة الأسرية إلى المدرسة، ثم إلى الجامعات".
وتشير أبو حليمة إلى أن "الأسرة مسؤولة عن هذا الوضع، إذ إنّها تلعب الدور الأكبر في التنشئة"، وتشدد على "ضرورة إشراك الأهل في نشاطات التوعية حول العنف، وضمان بيئة آمنة للتلاميذ، ورفع مستوى الوعي بآثاره. ويتمثل دور المعلمين والإدارات في الحديث مع التلاميذ والاستماع إليهم للوصول إلى نتائج تحدّ من العنف المدرسي الذي يشمل مختلف المراحل العمرية"، وترى أبو حليمة أنّ "البيت والمدرسة يكملان بعضهما البعض، خاصة أن المدارس لها دور تربوي يسبق الدور التعليمي، وفي السنوات الأخيرة أصبح التلاميذ يتجاوزون على أقرانهم، وحتّى على المعلمين بسبب عدم تواصل الآباء والأهالي مع المدارس، وعدم توعية الأطفال بضرورة تجنّب اللجوء إلى العنف، حتى إنّ بعض الآباء يشجعون أبناءهم على تجاوز القانون والنظام".
تتابع المتخصّصة في أصول التربية: "قد يأتي العنف الجسدي واللفظي أيضاً من تأثر الأطفال بمواقع التواصل الاجتماعي، أو من خلال الألعاب الإلكترونية العنيفة، أو بسبب خروجهم إلى الشوارع وتعاملهم مع رفاق السوء، ما يكسبهم أحياناً السلوك العنيف. والتلاميذ الذين يمارسون العنف في المدارس ينقلونه إلى الجامعات، لذا يجب أن يحصل الطالب على شهادة حسن سيرة وسلوك من المدرسة، وتكون أحد شروط الالتحاق بالتعليم الجامعي. وقد تُوجَّه إلى الطالب تحذيرات في حال ارتكب مخالفات تستدعي الفصل، خاصة إذا كان له ماضٍ يشوبه بعض العنف في المدارس، كي يشكل ذلك رادعاً للباقين. ويجب أن يقدّر الطالب المؤسسة التعليمية، وألّا يتعدى على الممتلكات العامة في مشاجرات لا تليق بطلاب هذه المؤسسات، وللأسف ينتقل العنف الذي يتولّد خلال مرحلة الطفولة من البيئة المدرسية والأحياء السكنية إلى الجامعات".
من جهته يقول أستاذ علم الاجتماع في جامعة مؤتة غي الأردن حسين محادين لـ"العربي الجديد": تساهم عوامل عدّة في ظهور العنف، فهناك نمط التنشئة الذي اكتسبه الطلاب قبل الوصول إلى الجامعة، فهل اعتمد على التسامح؟ وهل يُغرس فيهم احترام الرأي الآخر، أو قيّم المغالبة بدلاً من الحوار؟ الشباب المدرسي هو مدخل الجامعة. أيضاً يُطرح السؤال هل البيئة الجامعية، الهيئة التدريسية والعاملون الإداريون والحرس الجامعي والمرافق والخدمات، توفر ما يكفي من أنشطة ومرافق للطلاب لقضاء أوقاتهم، أم الطالب مجرد متلقٍ؟ كما أن المنطقة الجغرافية التي تحتضن الجامعة تؤثر في سلوك الطلاب والعنف داخل الحرم الجامعي.
ويرى محادين أنّ "من العوامل المهمة، العلاقة بين رئاسة الجامعة والكادر التدريسي من جهة، والطلاب من جهة أخرى. فهل يشعر الطلاب بأنهم شركاء في وضع برامجهم الحرة، وهل تُستثمر أوقات فراغهم بين المحاضرات بوجود مرافق مثل المراسم والمسابح والملاعب والمراكز التي تُسهم في التدريب؟ أم يبقون في ممرات الجامعة وأزقتها وتحت الأشجار من دون وجود أماكن تُساهم في صقل شخصياتهم؟". ويرى محادين أنّ "هذه العوامل قد تُساهم في سيادة قيم الحوار، أو تجعل الجامعة بيئة تفتقر إلى طرد أمراض المجتمع ومفاهيمه الضيقة، أو تجعلها تقوم على أساس مناطقي وعشائري، وليس على أساس الكفاءة والدراية"، ويشير إلى أن "التغير الاجتماعي واتجاهات الأبناء نحو بعض العلاقات الأولية يحتاج إلى أكثر من جيل وبرامج مستمرة، والأهم ما يُعرف بالنمذجة والقدوة التي يوفرها الأبوان: هل هما قادران على إكساب أبنائهما قيم التسامح والتعددية، أم زودوهم بمفاهيم قاصرة ومحدودة؟".
يضيف محادين أن "المدرسة يجب أن تستكمل الخصائص الإيجابية التي يكتسبها الطلاب من الأسرة، وتُعدّل بعض الممارسات السلبية التي اكتُسبت من الأسرة على أساس جهوي أو مناطقي، فالعملية متكاملة وكل طرف منها يُساهم في تكوين رؤية المواطنة التي تحترم القانون والتعدّد، ومن المهم اندماج المواطنين من الخلفيات الاجتماعية تحت مظلة الدستور"، وبحسب محادين، "يمكن إكساب الأبناء مفاهيم منفتحة وتربيتهم على استخدام الحوار بدلاً من المغالبة، كما أن الآباء والأخوة الكبار في العائلة يلعبون دوراً في خلق النموذج الذي يقتدي به الصغار، سواء داخل العائلة أو بين الجيران.
ويرى أن "الفلسفة في هذه القضية هي السعي المنظم نحو تعديل وتطوير اتجاهات التفاعل بين الشباب ومؤسسات الدولة، من مفاهيم أسرية ومناطقية محدودة إلى مفهوم المواطنة بمعناها الشامل، أي احترام القانون والامتثال له، واحترام العضوية في المؤسسات التي ينتمون إليها، فالمؤسسات أكبر من مجموع أعضائها وهو ما ينطبق على الجامعة".