الكوليرا في دارفور... تفشٍ خطير ونقص حاد في الأدوية
استمع إلى الملخص
- الأوضاع الإنسانية المتدهورة: يعاني سكان دارفور من نقص الغذاء والدواء وشح مياه الشرب، مما أدى إلى تفاقم الوضع الصحي وانتشار الكوليرا وأمراض أخرى، مع صعوبات في إيصال المساعدات بسبب انقطاع الطرق.
- جهود مكافحة الوباء والتحديات: تبذل السلطات ومنظمات الإغاثة جهودًا للسيطرة على الوباء، لكن نقص المياه النقية والأدوية يعوق الجهود، مع تحديات في إدخال المساعدات بسبب الحصار على بعض المدن.
تسجل ولايات إقليم دارفور عشرات الإصابات بالكوليرا يومياً منذ إعلان دخول الإقليم حالة الوباء في يوليو/تموز الماضي، في ظل نقص حاد في الأدوية، وتردي القطاع الصحي نتيجة الصراع المتواصل.
يتزايد تفشي الكوليرا في إقليم دارفور الخارج عن سيطرة الحكومة السودانية، وأعلنت في 21 يوليو/تموز الماضي، حالة الوباء رسمياً في الإقليم المنكوب بالحروب والنزاعات الدموية منذ عقود، والذي تتقاسم إدارته حالياً حركة عبد الواحد محمد نور العسكرية المتمردة منذ عام 2003، مع الإدارة المدنية التابعة لحكومة شكلتها في يوليو/ تموز الماضي، قوات الدعم السريع التي تخوض حرباً ضد الجيش السوداني منذ 26 شهراً.
وتفتقر مناطق دارفور التي تتفشى فيها الكوليرا إلى مراكز العزل، كما تشهد نقصاً في الأدوية والكوادر الطبية بعد انهيار المرافق الطبية في أعقاب اندلاع الصراع المتواصل، وتعرض بعضها للنهب والسرقة والتخريب المتعمد، كما جرى استهدافها من قبل طرفي الحرب، أو استخدامها مراكز عسكرية وثكنات للجنود.
وسُجلت حتى 25 أغسطس/أب الحالي، أكثر من 11,660 إصابة في مختلف مناطق الإقليم، من بينهم ما يزيد عن 610 وفيات في أربع ولايات من ولايات الإقليم الخمس، وهى ولايات الشرق والجنوب والشمال والوسط.
وتؤكد منظمة "أطباء بلا حدود" أنّ تفشي المرض في دارفور هو الأسوأ في السودان منذ سنوات، وأنّ عمليات النزوح الجماعي بسبب الحرب أدّت إلى تفاقم تفشي المرض بعدما حرمت الناس الوصول إلى المياه النظيفة اللازمة لإجراءات النظافة الأساسية، كما أن إيصال المساعدات الإنسانية بات شبه مستحيل. وتحذر منظمة الصحة العالمية من أنّ المرض "يمكن أن يكون مميتاً في غضون ساعات إن لم يُعالج"، لكن يمكن معالجته "بالحقن الوريدي ومحلول تعويض السوائل بالفم والمضادات الحيوية".
ويقول المتحدث باسم منسقية النازحين واللاجئين في إقليم دارفور، آدم رجال، لـ"العربي الجديد": "يمر الإقليم كله بظروف بالغة التعقيد، إذ يعيش الناس في أوضاع إنسانية متردية نتيجة نقص الغذاء والدواء المنقذ للحياة، وشح مياه الشرب، إلى جانب التراجع الكبير في الأمن، وانتشار القتل والنهب والسلب، وتكرار القصف بالطيران والمدافع وغيرها من الأسلحة، إذ لم تنج أي قرية أو مدينة من تأثيرات الحروب التي لم تتوقف في الإقليم منذ عام 2003، إلى أن أنهت الحرب الحالية التي اندلعت في منتصف إبريل/نيسان 2023، آخر مظاهر الحياة الطبيعية، وشردت آلاف الأشخاص من القرى والمُدن ومخيمات النزوح".
ويضيف رجال: "تتفشى عدة أمراض بين السكان، منها الكوليرا التي تنتشر بسرعة مخيفة، وكذلك الملاريا، وأمراض سوء التغذية، ويضاعف نقص الأدوية الحاد معاناة الناس، إذ لا تصل أية إمدادات طبية إلى الإقليم منذ اندلاع الحرب، ومع اتساع رقعة الإقليم وانقطاع الطُرق وانعدام وسائل النقل، يصعب الوصول إلى المراكز الطبية القليلة العاملة، حتى أصبح المرضى يموتون على الطرقات أثناء محاولتهم الوصول إلى مراكز العزل التي يديرها متطوعون، والتي تعمل بسعة سريرية تقل كثيراً عن أعداد المرضى".
وكانت بداية انتشار الكوليرا في منطقة طويلة بجبل مرة التابعة لولاية شمال دارفور، ولاحقاً ظهرت في محلية روكيرو التابعة لولاية وسط الإقليم، ثم في نيالا وعدد من مخيمات النازحين بولاية جنوب دارفور، وفي المخيمات والمُدن الواقعة بولاية شرقي الإقليم، ومن بينها مدينة الضعين، وأبو كارنكا، ومخيم صابرين، ومنطقة خزان جديد.
ولا تتوفر أرقام دقيقة حول أعداد ضحايا الكوليرا في كافة أنحاء الإقليم بسبب عدم وجود سلطة موحدة، إضافية إلى انقطاع شبكة الاتصالات، ويساهم النقص الحاد في الكوادر الطبية في عدم رصد الإصابات اليومية في المناطق والمخيمات النائية، وتبذل منسقية النازحين واللاجئين جهداً كبيراً في الرصد بعدد من المخيمات والقرى في مناطق جبل مرة الممتد في ولايتي شمال ووسط دارفور، والذي يخضع لسيطرة حركة عبدالواحد محمد نور.
ويقول المتحدث باسم منسقية اللاجئين والنازحين لـ"العربي الجديد": "أعداد الإصابات في زيادة مطردة بالمناطق التي يمكن رصد الإصابات فيها، وتشهد منطقة طويلة بولاية شمال دارفور أعلى معدلات الإصابة بالكوليرا منذ تفشي الوباء، وسجلت فيها 4,741 إصابة، من بينها 76 وفاة، بينما عدد الإصابات في منطقة روبيا 264، من بينها 15 وفاة، ووصل عدد الإصابات بمنطقة قولو إلى 1,262، من بينها 51 وفاة، وفي جلدو بلغ إجمالي الإصابات 81، من بينها 9 وفيات، وفي نيرتيتي 71 إصابة، من بينها سبع وفيات، وفي روكيرو 197 إصابة، من بينها 11 وفاة".
ويتابع: "سجلنا في فنقا 95 إصابة، من بينها ثلاث وفيات، وفي ديرة بلغ العدد 149 إصابة، منها تسع وفيات، وفي دبو العمدة تجاوز عدد الإصابات 17، من بينها 3 وفيات، وفي مخيم سورتوني بلغ العدد 63 إصابة، من بينها 8 وفيات، وبلغ عدد الإصابات في مخيم كلمة بولاية جنوب دارفور 435، من بينها 64 وفاة، وعدد الإصابات في مخيم عطاش 208، من بينها 51 وفاة، وفي مخيم دريج 123 إصابة، من بينها 4 وفيات، وسُجلت 3 إصابات في مخيم السلام، وفي ولاية شرق إقليم دارفور، سجلت منطقة خزان جديد 91 إصابة، بما في ذلك 18 وفاة".
ويضيف آدم رجال: "تتفشى الكوليرا بصورة لافتة في مناطق ولاية وسط الإقليم، وبلغ عدد الإصابات في مخيمي الحميدية والحصاحيصا 75 إصابة وحالتي وفاة، وسجلت في مخيم خمسة دقيق ثلاث إصابات ووفاة واحدة، وفي منطقة أزوم سجلت 109 إصابات وحالتا وفاة، وفي مدينة زالنجي عاصمة الإقليم بلغ العدد 93 إصابة، وسجلت إصابتان في منطقة كامبو وير شرق زالنجي، وأربع إصابات في أوركوم".
وتشهد ولاية جنوب إقليم دارفور الخاضعة لسيطرة الدعم السريع ارتفاعاً كبيراً في أعداد الإصابات بالكوليرا. ويقول مدير الطوارئ الصحية ومكافحة الأوبئة بوزارة الصحة المحلية، عباس حسن شمس الدين، لــ"العربي الجديد": "عدد الإصابات المسجلة بالكوليرا بلغ 3157، من بينها 173 وفاة منذ 27 مايو/ أيار الماضي وحتى 25 أغسطس الجاري".
ويضيف شمس الدين: "تفاصيل الإصابات والوفيات بمحليات الولاية، بلغت 868 إصابة في محلية نيالا شمال، من بينها 44 وفاة، و833 إصابة في محلية نيالا جنوب، من بينها 44 وفاة، و7 إصابات في محلية نتيقة، بينما سجلت في محلية بليل 774 إصابة من بينها 50 وفاة، وسجلت في محلية كاس 85 إصابة و3 وفيات، وفي محلية السلام سجلت 303 إصابات و10 وفيات، وفي محلية مرشنج 65 إصابة و7 وفيات، وفي محلية عد الفرسان 10 إصابات وثلاث وفيات، وفي محلية شرق جبل مرة 211 إصابة و13 وفاة".
وحول جهود الحكومة المحلية في مكافحة وباء الكوليرا يقول شمس الدين: "نبذل ما في وسعنا للسيطرة على الوباء، لكن التحديات تفوق قدراتنا، إذ نواجه ضعفاً في الإمكانات مقارنة مع سرعة انتشار الوباء في تسع محليات من إجمالي محليات ولاية جنوب دارفور البالغ عددها 21 محلية. لدينا نقص كبير في مياه الشرب النقية، ونحتاج إلى الدعم في موضوع (كلورة) مياه الشرب، وفي إصحاح البيئة، فهما التحدي الحقيقي في ظل الهطول المتواصل للأمطار، وتواجه الولاية نقصاً كبيراً في علاجات مكافحة الكوليرا، وأدوية الطوارئ عموماً، وقد حصلنا على بعض أدوية مكافحة الكوليرا من منظمة (يونيسف) ومنظمة الصحة العالمية عبر المعبر الغربي مع دولة تشاد، لكنها غير كافية للقضاء على الوباء الذي يزداد عدد ضحاياه يومياً".
بدوره، يصف مدير إدارة الطوارئ بوزارة الصحة الإتحادية، الفاضل محمد محمود، الوضع في إقليم دارفور بالخطير، ويقول لـ"العربي الجديد": "هناك تفش كبير للكوليرا في الإقليم، وتشهد منطقة طويلة أعلى عدد من الإصابات المسجلة، وتأتي ولاية جنوب دارفور في المرتبة الثانية، ثم ولاية وسط دارفور، ثم ولاية شرق الإقليم، أما ولاية غرب دارفور فلا تملك الوزارة أيّ معلومات عنها بسبب انقطاع شبكات الاتصالات هناك بالكامل".
ويتابع محمود: "لدينا تنسيق مع منظمتي الصحة العالمية ويونيسف من أجل إجراء حملة تطعيم في ثلاث محليات في الولاية الجنوبية، هي محليات نيالا شمال ونيالا جنوب ومحلية بليل، وكذا في الولاية الشمالية، حيث سيتم تطعيم سكان محلية طويلة، وفي ولاية الشرق سيتم تطعيم سكان محليتي أبو جابرة والضعين".
في الوقت ذاته، يعاني سكان مدينة الفاشر، كبرى مدن الإقليم، والتي تفرض قوات الدعم السريع حصاراً مشدداً عليها، من تداعيات تزامن المجاعة مع تفشي الكوليرا، وذلك في ظل نقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية. وتعترف وزيرة الصحة بولاية جنوب دارفور، خديجة موسى، بعدم استطاعة الوزارة إدخال الأدوية إلى المدينة، وتقول لـ"العربي الجديد": "لدينا كميات من الأدوية الموجودة خارج مدينة الفاشر، لكن يصعب إدخالها بسبب الحصار المشدد المفروض على المدينة".