اللاجئون الأفغان... ألمانيا قد تتراجع عن الوعود و"برامج القبول"
استمع إلى الملخص
- ألغت وزارة الداخلية الألمانية رحلات جوية لنقل أفغان إلى ألمانيا بسبب مشكلات لوجستية، مع التركيز على التدقيق الأمني للمتقدمين، بينما تتولى باكستان تنظيم الرحلات.
- تواجه الحكومة انتقادات لدعمها اليمين الشعبوي، بينما تؤكد زعيمة الخضر على المسؤولية الإنسانية، مع تقارير عن ترحيل 210 أفغان إلى كابول ونداء عاجل للحكومة الألمانية للتدخل.
يعيش أفغان وعِدوا ببرامج قبول في ألمانيا تهديداً في ظل إعادة برلين النظر في تعهداتها، في محاولة لتقليل أعداد المهاجرين إلى البلاد، غير آبهة بالمخاطر المحدقة بالراغبين في الحماية.
تريد الحكومة الفيدرالية في ألمانيا بزعامة المستشار فريدريش ميرتز وقف برامج الاستقبال الإنساني للأفغان الذي يحتاجون إلى حماية خاصة، وهم موظفون ومثقفون ومضطهدون وأشخاص تعاونوا مع الجيش الألماني في بلدهم قبل أن تستعيد حركة طالبان الحكم صيف عام 2021. ومن بين هؤلاء نحو 1900 عالقون في باكستان حالياً، ويوجد 450 منهم في مراكز احتجاز، ويواجهون خطر الترحيل إلى كابول على غرار عشرات الذين ألقت السلطات الباكستانية القبض عليهم، ورحلتهم فوراً رغم أن وزارة الخارجية الألمانية تلقت وعداً من السلطات الباكستانية بعدم تنفيذ اعتقالات أخرى في حق هؤلاء الأفغان.
وينص اتفاق الائتلاف الحكومي في ألمانيا في الأساس على أنه لا يجب ضم مزيد من الأشخاص إلى برامج قبول الأفغان، وألا تكون هناك برامج مماثلة في المستقبل. وأعلن عضو الاتحاد المسيحي تورستن فراي أن الحكومة الجديدة ستدرس سحب التزامات تعهدت بها برلين للأفغان المتضررين من حكم "طالبان"، ما يدل على أن الوضع تبدل، وأن لا أولوية لهؤلاء الأفغان داخل الائتلاف الكبير الذي يضم الاتحاد المسيحي والاشتراكي الديمقراطي، علماً أن الحكومة السابقة بقيادة الاشتراكي أولاف شولتز قدمت التزامات ملموسة بقبول المضطهدين والمعرضين لخطر في كابول، ومن ناضلوا في سبيل الديمقراطية والسيادة والحرية، وأطلقت عام 2022 برنامجاً لاستقبال نحو ألف من الأفغان المعرضين لخطر شهرياً، لكن لم يستفد من هذا البرنامج حتى الآن إلا بضع مئات، معظمهم نساء وأطفال.
وأخيراً ألغت وزارة الداخلية الألمانية رحلتين جويتين كانتا ستنقلان عدداً من الأفغان إلى البلاد بحجة وجود مشكلات لوجستية. ونقلت شبكة "إيه آر دي" الإخبارية عن الوزارة أن "التدقيق الأمني المكثف سيكون العامل الحاسم في قبول حماية أشخاص معينين في ألمانيا، بعد مراجعة السير الذاتية للأشخاص الذين قدموا طلبات للالتحاق ببرامج القبول الطوعي، أي أنه سيُعاد التحقيق في كل ملف على حدة قبل السماح بالانتقال إلى ألمانيا. وفي باكستان، يجري موظفو مكتب حماية الدستور والشرطة الجنائية الاتحادية الألمانية مقابلات مع المتقدمين".
وإلى جانب الموظفين الأفغان وأسرهم الذين عملوا مع الجيش الألماني أو منظمات ألمانية، هناك أولئك الذين يخشون اضطهاد "طالبان" لأنهم دافعوا عن حقوق الإنسان في الماضي، مثل محامين وصحافيين. وفي العادة، تتولى باكستان تنظيم الرحلات إلى ألمانيا بسبب عدم وجود تمثيل دبلوماسي ألماني في أفغانستان. وتهتم الداخلية الألمانية من خلال الشرطة الاتحادية وجهاز الاستخبارات بالتحقيق الأمني وإجراء المقابلات. وبعد الموافقة، يُمنح الأفغان حق الإقامة في ألمانيا لمدة ثلاث سنوات قابلة للتجديد، ثم يُحدد في ألمانيا وجود سجلات لمقدمي الطلبات تتعلق بأنشطة محتملة لـ"طالبان" أو غيرها.
ورغم أن وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول وعد بقبول سريع للأفغان العالقين في باكستان، يعزو أعضاء في تحالف الأسود والأحمر الحاكم (تحالف الاتحاد المسيحي والاشتراكي الديمقراطي) السبب الرئيس لوقف عمليات التسجيل في برامج القبول الإنساني للأفغان إلى العدد الكبير للاجئين الجدد الذين وصلوا إلى ألمانيا، ومحاولة الحدّ من الهجرة عموماً كي لا يتخطى عدد المتقدمين مائة ألف سنوياً.
ويقول ماركوس سودر، زعيم الحزب الاجتماعي المسيحي والشريك الأصغر في الائتلاف الحكومي الجديد، إن "الرحلات الجوية للاجئين يجب أن تتوقف"، ما يعكس تأييده وقف برامج القبول الطوعي. أما السياسي البارز في الحزب المسيحي الديمقراطي ينس شبان، فيصف التزامات القبول بأنها "أكبر برنامج دعم لحزب البديل من أجل ألمانيا" اليميني الشعبوي.
أيضاً، يتهم رئيس وزراء ولاية سكسونيا مخائيل كرتشمر، الذي تحدث أخيراً لقناة "زد دي إف"، وزيرة الخارجية في الحكومة السابقة أنالينا بيربوك التي تنتمي إلى حزب الخضر بـ"مواصلة تنظيم رحلات جوية تقل أفغاناً رغم أن موقف الشعب الألماني كان مختلفاً خلال الانتخابات العامة قبل أشهر قليلة".
وردت زعيمة كتلة الخضر في البرلمان (بوندستاغ) بريتا هاسلمان بأن "لا داعي للتوتر في هذه المرحلة لأن لدينا مسؤولية إنسانية في وقت يحكم أفغانستان نظام إرهابي وحشي بقيادة طالبان، ومن ينتقد هذه الحركة معرض لخطر، وألمانيا قدمت التزاماً قانونياً من الصواب والضروري تنفيذه".
إلى ذلك، علّقت شبكة التحرير الألمانية المستقلة، التي تعمل في مجال البحث العلمي والتحليل في القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، بأن "قبول الأفغان المضطهدين أمر ملزم قانونياً للدولة الألمانية، لكن يمكن أن تتراجع عن تعهداتها بقبولهم، وهي تملك خيار إلغاء اتفاقية القبول لكن يجب أن تجد أسباباً مقنعة لتنفيذ ذلك، مثلاً أن الشخص المعني لم يعد معرضاً لخطر. وهي يجب أن تستمع إلى وجهات نظر المعنيين بإجراءات الإلغاء كي تتاح لهم فرصة توضيح اعتراضاتهم. من هنا، يعتبر انسحاب الحكومة ببساطة من الالتزام من دون أي أساس أمراً غير ممكن، كما يبقى خطر اللجوء إلى اجراءات قانونية يجب ان تتعامل المحاكم الإدارية معها".
وقبل أيام، وصلت طائرة أقلت 14 أفغانياً، وذلك بعد أسابيع قليلة من وصول طائرة أولى نقلت 47 من طالبي الحماية إلى مطار هانوفر، بعدما حصلوا على أحكام قضائية إدارية في ألمانيا بإلزام الحكومة بتنفيذ التزامات قبولهم. وطعنت وزارة الخارجية في هذه الأحكام، ثم تراجعت بعد فترة قصيرة.
وإذا توقفت رحلات نقل أفغان نهائياً، يخشى أن ترحل باكستان نحو 1910 أفغان من الأكثر ضعفاً يوجدون على أراضيها في ظل الحملات التي تنفذها سلطاتها على نطاق واسع. ويأمل من ينتظر دوره من هذه المجموعات الحصول على حق السفر إلى ألمانيا التي وعدت بمنحهم اللجوء، وفي مقدمهم أشخاص معرضة حياتهم لخطر من "طالبان"، ومن بينهم قضاة وسياسيون.
وأظهرت تقارير أن نحو 220 أفغانياً ضمن برنامج الموظفين المحليين السابقين و60 آخرين مدرجة أسماؤهم في قائمة حقوق الانسان، ونحو 600 في ما يسمى بـ"البرنامج الانتقالي"، ونحو 1030 في برنامج إعادة التوطين الفيدرالي للأفغان. وهؤلاء الأشخاص تتقطع بهم السبل في باكستان، علماً أنهم في وضع يائس أساساً بسبب الوعود غير المنفذة من ألمانيا، كما أنهم باعوا شققهم وأرزاقهم لجمع المال اللازم من أجل الحصول على جوازات سفر وتمويل رحلتهم إلى باكستان.
ودهمت الشرطة الباكستانية أخيراً مجمّعاً يعيش فيه أفغان من طالبي الحماية إلى ألمانيا في إسلام أباد، ونقلت عشرات منهم في حافلة إلى مخيم حاجي للترحيل رغم أنهم يملكون مستندات ورسائل من الحكومة الألمانية تتضمن وعدها بقبولهم لاجئين. وأكدت وزارة الخارجية الألمانية الحادثة، وذكرت أنها تتواصل مع الحكومة الباكستانية.
وبحسب وزارة الخارجية الألمانية، قبلت السلطات أكثر من 36 ألف أفغاني منذ أن تولت طالبان السلطة صيف عام 2021، ووصل 461 منهم إلى ألمانيا العام الماضي. وهم صنفوا بأنهم يحتاجون إلى حق الحماية في ألمانيا من خلال برامج قبول مختلفة، بينها ما يسمى قائمة حقوق الإنسان قدِمت عام 2021. ووفرت هذه القائمة حماية لأشخاص دعموا هدف الدول الغربية المتمثل في إنشاء دولة دستورية ديمقراطية في أفغانستان، مثل نشطاء حقوق الإنسان وشرطيين وموظفين في مجالات الثقافة والتعليم، كما طُبقت إجراءات في شأن المتعاونين المحليين السابقين مع الجيش والمنظمات الألمانية في أفغانستان.
يشار إلى أن 210 أفغان رُحلّوا من باكستان أخيراً وجهوا نداءً عاجلاً الى الحكومة الألمانية للتنبه إلى أوضاعهم المتردية في كابول، والتهديدات التي تطاول حياتهم في كل لحظة، وواقع عيشهم في عزلة وخوف دائم من التعرض لأذى من طالبان. وهم حمّلوا الحكومة الألمانية مسؤولية سلامتهم وبقائهم أحياء بعدما تلقوا وعوداً رسمية بالسماح بوصولهم إلى ألمانيا.