استمع إلى الملخص
- تسببت الحرب والنزوح في تدهور الوضع الصحي، مع تكدس المرافق بالمرضى وانتشار الأوبئة مثل الملاريا والكوليرا، وزادت الأمطار الغزيرة من تفاقم الوضع بخلق بيئة مثالية لتكاثر الحشرات الناقلة للأمراض.
- مع تعطل 70% من المستشفيات، يواجه 3.4 ملايين طفل خطر الأمراض الوبائية، وسط نقص التحصين، مما يجعل الوضع الصحي في السودان حرجًا للغاية.
ماذا تقول حين تجد في إحدى القرى أن أهل المرضى نصبوا خيمة على سور المستشفى للبقاء قرب مرضاهم، خاصة أن الموت ظل يحصد عدداً منهم في كل يوم، وأن عشرات منهم رابطوا هناك، وتناولوا الطعام القادم من المنازل معاً، وشربوا من مصدر واحد؟ الصورة التي نقلها خبير الصحة عبد الماجد مردس عن انتشار الكوليرا في إحدى قرى النيل الأبيض وسط السودان يكملها بالقول إنه في ظل عدم وجود مرفق صحي متاح لأولئك قضى بعضهم حاجتهم في العراء فمرض بعضهم من هذا الواقع وكان بعد يوم أو أقل ضمن من خرجوا من بوابة المستشفى نفسها إلى المقابر.
إنها متلازمة الفقر والجهل والمرض التي تحصد السودانيين منذ ما قبل اندلاع حرب 15 إبريل/ نيسان 2023، لكنها زادت حدّة بسبب هشاشة الوضع الصحي في بيئة الحرب والنزوح والتكدّس البشري، والمرافق المكتظة بالمرضى، ما أفرز بيئة خصبة لانتشار الأوبئة القاتلة، مثل الملاريا وحمى الضنك والكوليرا والحصبة الألمانية وغيرها من أسباب الموت المستدام.
ولم يدع التغيّر المناخي الفرصة تفوته كي يزيد الطين بلّة، إذ هطلت أمطار غزيرة بكميات غير مسبوقة في مواقع تفتقر إلى خدمات إصحاح بيئي، فبقيت المياه راكدة لأيام طويلة فيها، وشكّلت بؤراً مثالية لتوالد الحشرات الناقلة للأمراض. وفي الوقت نفسه توقف هطل الأمطار في مناطق أخرى، وجفّ الزرع والضرع، وضعُف الإنتاج الزراعي، وساد الجوع الذي أفضى إلى هجرات ونزوح. وجعل البقاء على حافة الانهيار بعض الجوعى يتناولون ما زاد من حدة الأسقام.
تجاوز البعض الفقر إلى الافتقار إلى المعلومات، ووجدت الكوليرا الباب مفتوحاً للدخول بقوة قد تعادل موجتها الأولى قبل 200 عام حين حصدت آلافاً في إقليم البنغال. وبعد محاصرة الوباء، أعلنت نهاية الجائحة، لكن أعلن رسمياً في أغسطس/ آب الماضي أن الوباء تفشى مجدداً، وقال ممثل منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) في السودان: "نحن في سباق مع الزمن. مع هطل الأمطار الغزيرة والفيضانات يمكن أن تنتشر الأمراض بسرعة أكبر، وتتفاقم التوقعات الصحية عند الأطفال في الولايات المتضررة وخارجها. وهناك تأكيد أن 3.4 ملايين طفل دون سن الخامسة معرضون لخطر الإصابة بأمراض وبائية في ظل انخفاض نسبة التحصين، وتعطّل أكثر من 70% من المستشفيات في مناطق النزاع".
ومقارنة بالوضع في آخر تفشٍّ للوباء، سُجلت أكثر من 96 ألف حالة في بداية سبتمبر/ أيلول الماضي، في حين سجلت 37 ألف حالة في الانتشار الأول (2016 – 2018). حينها تدخلت منظمة الصحة العالمية وشركاؤها المحليون، وكان يمكن أن تتحرك فرق الإسعاف بحرية وتصل المساعدات في وقتها. كما عملت المستشفيات بكل طاقتها، فماذا سيكون عليه الأمر مع تعطل المرافق، وتوقف إمداد الدواء، وفرار معظم الكادر الطبي بسبب الحرب؟
(متخصص في شؤون البيئة)