النمسا: جريمة مراهقة تعود للواجهة وتُفجّر الجدل حول اللاجئين وحقوق الإنسان
استمع إلى الملخص
- تفاصيل الجريمة تضمنت تخدير واغتصاب الفتاة ليوني، واعتقال الجناة وإصدار أحكام بالسجن مدى الحياة، مع تساؤلات حول تقصير السلطات في تنفيذ قرارات الترحيل.
- الجريمة أثارت نقاشاً سياسياً حول تأثير حقوق الإنسان على الأمن، مع مطالبات بمراجعة الاتفاقية الأوروبية، وتحذيرات منظمات حقوقية من استغلال الجريمة لتشديد سياسات اللجوء.
تسارعت في الأيام الأخيرة في النمسا، المطالب بانتهاج سياسات لجوء وهجرة أكثر تشدداً، وسط دعوات إلى الانسحاب من اتفاقية حقوق الإنسان الأوروبية، بهدف تسهيل عمليات الترحيل الجماعي للاجئين من أفغانستان على غرار ما تقوم به السلطات الألمانية في برلين، برغم أن فيينا لا تعترف رسمياً بحكم حركة طالبان في كابول.
السجال المحتدم في البلاد، أعاد إلى الأذهان واحدة من أبشع الجرائم التي هزت المجتمع النمساوي في السنوات الأخيرة، والتي تُستخدم اليوم لتبرير مطالب التشدد في التعامل مع اللاجئين. وتعود الجريمة إلى عام 2021، حين أُدين ثلاثة شبان أفغان، من طالبي اللجوء، بتهمة اغتصاب وقتل فتاة نمساوية تبلغ من العمر 13 عاماً في فيينا.
تفاصيل الجريمة المروعة
في ليلة 25 يونيو/حزيران 2021، كانت الفتاة النمساوية ليوني البالغة من العمر 13عاماً، تسير بمفردها في أحد شوارع فيينا، بعد أن تغيبت عن المدرسة. التقت في محطة مترو "شوتنرينغ" ثلاثة شبان أفغان: علي هـ. (ادعى أنه قاصر)، راسيلي ز.، وإبراولهاق أ.، ودعاها هؤلاء إلى شقة أحدهم في حيّ دوناوشتا، استناداً إلى تفاصيل نشرتها الصحف النمساوية.
في الشقة، خدّر الشبان الثلاثة ليوني بجرعة مميتة من حبوب (إكستاسي)، قبل أن يغتصبوها بشكل متكرر. وكشفت التحقيقات لاحقاً، بحسب صحيفة داي برس النمساوية، أن المعتدين تبادلوا فيما بينهم تسجيل فيديو يوثّق لحظات معاناة الضحية، في وقت كانت فيه تحتضر. ورغم إدراكهم الواضح لتدهور حالتها الصحية، امتنعوا عن طلب المساعدة الطبية، وتركوا الفتاة تواجه مصيرها المحتوم. وقد فارقت ليوني الحياة فجراً، قبل أن يعمد الجناة إلى لف جثتها في سجادة، ثم وضعوها تحت شجرة في موقف للسيارات، في محاولة لإخفاء معالم الجريمة.
مسار القضية وأحكام القضاء
أدت التحقيقات السريعة إلى اعتقال اثنين من الجناة بعد يومين، فيما فرّ الثالث إلى بريطانيا عبر قارب للتهريب، وسُلِّم لاحقاً للسلطات النمساوية. وفي مايو/أيار 2023، أصدرت المحكمة أحكامها، بحسب صحيفة كلاين تزايتونغ: راسيلي ز. حُكم عليه بالسجن مدى الحياة، إبراولهاق أ. بالسجن 20 عاماً، علي هـ. بالسجن 19 عاماً. وخلال المحاكمة، أظهرت الأدلة أن المشتبه فيهم كانوا يعرفون جيداً آثار جرعة المخدر، وأن أحدهم كان يروّج للمخدرات، ولديه سوابق جنائية متعددة. كذلك عرض الادعاء تسجيلاً مصوراً يُظهر لحظات احتضار الضحية.
خلفيات الجناة وتقصير السلطات
كشفت الصحف المحلية أن اثنين من الجناة قدِما إلى النمسا قاصرين غير مصحوبين بذويهم عام 2015. وامتلك كلٌّ منهما سجلاً إجرامياً، شمل المخدرات والسرقة والعنف. وقد سبق للسلطات أن قررت ترحيل أحدهم (إبراولهاق أ.) عام 2020، لكنه استأنف القرار بذريعة حقوق الإنسان، لكونه كان تحت سن 18، ما حال دون ترحيله. أما الآخر، راسيلي ز.، فكان قد سُجن مرات عدة، وسُحبَت إقامته، لكنه ظل في البلاد.
هل تعرقل حقوق الإنسان الأمن العام؟
فجّرت الجريمة نقاشاً عميقاً في الأوساط السياسية النمساوية. فقد طالب الحزب الديمقراطي الاجتماعي بمراجعة بنود الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، فيما صعّد اليمين المحافظ والليبرالي من انتقادهما للمحكمة الأوروبية في ستراسبورغ، لأنها تعرقل ترحيل المجرمين الأجانب، وفقاً لصحيفة كرونن زايتونغ النمساوية. وقالت مستشارة النمسا السابقة، بريغيته بيرلاين، قبل وفاتها في العام الماضي، إن "الوقائع تدق ناقوس الخطر بشأن الثغرات القانونية التي تمنع تنفيذ قرارات الترحيل بحق اللاجئين الذين يشكلون تهديداً للمجتمع".
وكانت الحكومة النمساوية من أوائل الداعمين لمبادرة أطلقتها رئيسة وزراء الدنمارك ميتا فريدريكسن ونظيرتها الإيطالية جورجيا ميلوني في مايو/أيار الماضي، تدعو إلى تعديل طريقة تفسير المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان لاتفاقية عام 1950، بحجة أن "التفسير الناشط" للمعاهدة يمنح اللاجئين حماية قانونية مفرطة تعرقل عمل الدول.
منظمات حقوقية تحذّر
في المقابل، حذرت منظمات حقوقية، الأسبوع الماضي، من استغلال الجريمة لتبرير تشديد سياسات اللجوء بشكل جماعي. وقالت منظمة "أس أو إس ميتل أوروبا" إن "أي استخدام لهذه الجريمة البشعة ذريعةً لتجريم اللاجئين بشكل جماعي أو تقويض المعايير الدولية لحقوق الإنسان سيكون انحرافاً خطيراً عن المبادئ الأوروبية".
كذلك نبهت مؤسسة "برو أزيل" الألمانية إلى أن إخفاق السلطات في تنفيذ قوانين الترحيل في الوقت المناسب يجب ألا يُستخدم مبرراً لتقويض حقوق اللاجئين، مشددة على ضرورة الموازنة بين الأمن والعدالة.
في نهاية المطاف، فإن قضية ليوني تجاوزت حدود الجريمة الفردية لتتحول إلى نقطة انعطاف في النقاش الأوروبي حول اللجوء والهجرة، بين من يطالب بتشديد الرقابة والترحيل، ومن يتمسّك بسيادة القانون وحقوق الإنسان. وبين هذه الأطراف، يبقى سؤال جوهري مطروحاً: كيف يمكن تحقيق الأمن دون المساس بالعدالة؟ القضية تظل مثالاً صارخاً على التداخل المعقد بين الجريمة الفردية والسياسات العامة، وتدفع إلى مراجعة جدية للثغرات القانونية، دون الانزلاق إلى خطاب التعميم أو التحريض.