الهند تفشل في مكافحة الضباب الدخاني عبر الأمطار الاصطناعية
استمع إلى الملخص
- على الرغم من إنفاق أكثر من 310 آلاف يورو، لا تزال مستويات التلوث مرتفعة بشكل خطير، حيث تتجاوز مستويات "PM2.5" الحد الأقصى الموصى به، وقد تسبب تلوث الهواء في وفاة 3.8 ملايين هندي بين 2009 و2019.
- يشدد الخبراء على ضرورة معالجة الأسباب الجذرية للتلوث مثل استخدام وقود أنظف وإدارة النفايات بفعالية، معتبرين أن تقنيات مثل تلقيح السحب غير فعالة في حالات التلوث الشديد.
تشكل تجربة الأمطار الاصطناعية الأخيرة في العاصمة الهندية نيودلهي آخر محاولة في سلسلة من المبادرات الغريبة أحياناً للتخفيف من الضباب الدخاني السام، لكنها لم تُقنع الخبراء والناشطين البيئيين الذين اعتبروها مجرّد "عرض مكلف". وبدأت التجارب الأولى لما يُطلق عليه المتخصصون "تلقيح السحب" فوق المدينة الضخمة التي تضم 30 مليون نسمة، باستخدام طائرة صغيرة، وذلك بعد تأخير لفترة طويلة.
وتتمثل هذه التقنية بتلقيح السحب بمادة كيميائية مثل يوديد الفضة لتوليد أمطار تنظف الهواء من الجسيمات السامة. ولم تكن الاختبارات الأولية التي تؤمن بها السلطات في العاصمة، وأُجريت تحت إشراف علماء من المعهد الهندي للتكنولوجيا في كانبور (شمال نيودلهي)، على مستوى التوقعات. وأشار العلماء إلى أنّ الغطاء السحابي كان غير كافٍ، وأن مستويات الرطوبة منخفضة جداً لتحدث أمطاراً غزيرة. ولم يثنِ هذا الفشل فيريندرا ساشديفا، المسؤول عن حزب رئيس الوزراء ناريندرا مودي في نيودلهي، عن مواصلة التجربة. وقال في تصريح صحافي إنّ "النجاح لا يتحقق دائماً من المحاولة الأولى". وبحسب وسائل إعلام محلية، أنفقت البلدية أكثر من 310 آلاف يورو على هذه التجارب.
أنفقت بلدية نيودلهي أكثر من 310 آلاف يورو على تجارب تلقيح السحب بمادة كيميائية لتوليد الأمطار دون جدوى
وأظهرت الهند، في السنوات الأخيرة، محاولات لا حدود لها في جهودها للحدّ من تلوث الهواء، مستعينة بإجراءات مكلفة أكثر من كونها فعّالة، بدءاً من طائرات الرشّ المسيّرة وصولاً إلى أبراج نشر الهواء المُصفّى.
ويغطّي أكبر مدينة في الهند ضباب دخاني سام ناتج عن المصانع وحركة السيارات، ويتفاقم كل شتاء بسبب الدخان الناجم من حرق النفايات الزراعية في المناطق المحيطة. والخميس، ارتفعت مستويات الجزيئات العالقة الملوثة "بي أم 2,5" (PM2.5) وهي جسيمات دقيقة خطرة تدخل مجرى الدم، إلى أكثر بعشرين مرة من الحد الأقصى اليومي الذي توصي منظمة الصحة العالمية بعدم تجاوزه. وأشارت دراسة نُشرت العام الفائت في مجلة "ذي لانسيت" الطبية إلى أن 3.8 ملايين هندي قضوا بسبب تلوث الهواء بين عامي 2009 و2019.
وتعتبر الناشطة البيئية بهافرين كاندهاري أنّ عدداً محدوداً من العمليات بطائرة سيسنا لن يغيّر شيئاً، وتقول: "لن نتمكن من السيطرة على تلوث الهواء إلا بالقضاء على مصادره". وحتى لو أدت عملية تلقيح الغيوم في النهاية إلى هطول أمطار غزيرة، ستكون آثارها قصيرة الأمد فقط.
ويقول موهان جورج، من مركز العلوم والبيئة في نيودلهي: "ترتفع مستويات التلوث فور توقف المطر تقريباً. وسبق أن لاحظنا هذه الظاهرة خلال موسم الرياح الموسمية". بينما يقول عالم المناخ دانييل فيزيوني من جامعة كورنيل الأميركية إنّ "هذه التقنية لا تُسبب هطول أمطار في الأماكن التي لا توجد فيها رطوبة في الهواء، بل تُجبر الماء على التكثف في مكان دون آخر"، مضيفاً "من الصعب معرفة مدى فعاليتها في حالات التلوث الشديد".
وابتكرت تقنية تلقيح الغيوم في أربعينيات القرن الماضي، واستُخدمت في دول مختلفة لتحفيز هطول الأمطار، وإزالة الضباب، أو مكافحة الجفاف، وكانت نتائجها متباينة جداً. وفي عام 2008، استخدمتها الصين لمنع هطول الأمطار على منشآت دورة الألعاب الأولمبية في بكين.
ويرى عالمان من المعهد الهندي للتكنولوجيا في نيودلهي أنّ هذه التقنية ليست سوى "حيلة جديدة". وكتب شهزاد غاني وكريشنا أتشوتاراو في صحيفة "ذي هندو": "إنها مثال واضح على سوء تطبيق العلم وتجاهل الأخلاق". ويعتبران أنّ "أسباب التلوث في نيودلهي معروفة جيداً، وكذلك حلول الحد منه، المتمثلة في استخدام وقود أنظف، وإدارة أفضل للنفايات، وتطبيق أكثر صرامة لقوانين مكافحة التلوث. ومع ذلك، بدلاً من التركيز على هذه الأولويات، يمنح بعض الفاعلين في الأوساط العلمية من باحثين ومستشارين ومؤسسات، مصداقيتهم لعرض مكلف لن يُعالج السبب الجذري للمشكلة"، وفق العالِمَين.
(فرانس برس)