الوادي الشمالي.. مستوطنون يهجّرون تجمّعاً بدوياً في الضفة الغربية

26 فبراير 2026   |  آخر تحديث: 21:18 (توقيت القدس)
أعلام الاحتلال عند حدود اللبن الشرقية، الضفة الغربية، 11 فبراير 2026 (جون وسيلز/فرانس برس)
+ الخط -
اظهر الملخص
- سيطر المستوطنون على شمالي قرية اللبن الشرقية بعد تهجير تجمع بدوي مكون من 45 فرداً، مما يهدد بالسيطرة على نحو ألفي دونم من الأراضي في مناطق "أ" و"ب".
- تعرض التجمع البدوي لمضايقات مستمرة وهجمات عنيفة من المستوطنين، مما اضطرهم للانتقال إلى تجمع بدوي آخر غير آمن، واستكمل المستوطنون شق طريق يعزز سيطرتهم.
- الطريق الذي شقه المستوطنون يمتد عبر مناطق "أ" و"ب" و"ج"، ويهدف إلى السيطرة على الأراضي، مما يهدد بتعطيل أعمال المجالس القروية ودفع الناس نحو الإدارة المدنية.

بحكم الأمر الواقع، سيطر مستوطنون على شمالي قرية اللبن الشرقية، جنوبي نابلس في شمال الضفة الغربية المحتلة، بعد تهجير تجمّع بدوي من الوادي الذي تُطلَق عليه تسميات عدّة من قبيل "الوادي الشمالي" و"وادي ياسوف" و"وادي الشاعر". والتجمّع البدوي المشار إليه كان يتألّف من 45 فرداً، يقطنون منذ عام 1999 على أرض تقع بمعظمها في منطقة تُصنَّف "أ"، وفقاً لاتفاقية أوسلو، فيما الجزء الباقي منها يُصنَّف منطقة "ب".

ولا يعير المستوطنون اهتماماً لأيّ من تصنيفات الأراضي في الضفة الغربية المحتلة، فمناطق "أ" التي تتبع أمنياً وإدارياً السلطة الفلسطينية أو مناطق "ب" التي تتبع إدارياً فقط السلطة أو مناطق "ج" التي تقع تحت السيطرة العسكرية والإدارية الإسرائيلية كلّها سواء، وهي لطالما كانت في متناول مستوطني البؤر الرعوية.

ويخبر محمد أبو دية، من سكان التجمّع الذي هُجّر، "العربي الجديد"، كيف ردّ مستوطن من بين الذين كانوا ينفّذون الهجمات والتهديدات والمضايقات عندما أفاده بأنّه يسكن في منطقة "أ" ومنطقة "ب". بأنه قال له: "لا يوجد أ ولا ب. اذهب إلى السعودية، ليس لك هنا شيء في أ أو ب أو ج".

وهذا التهجير وفقاً لأهالي اللبن الشرقية من شأنه أن يؤثّر بكلّ المنطقة الشمالية. ويقول رئيس المجلس القروي في اللبن الشرقية يعقوب عويس لـ"العربي الجديد" إنّ "نحو ألفَي دونم مهدّدة بأن تكون تحت سيطرة المستوطنين".

من جهته، يقول أدهم دراغمة، الذي تملك عائلته أرضاً في المنطقة، لـ"العربي الجديد" إنّه لن يجرؤ على الوصول إلى أرضه وقطف الزيتون بعد تهجير التجمّع البدوي، الذي كان يُعَدّ "خطّ الدفاع الأول عن الأراضي" بحسب وصفه، وكذلك "ملاذاً قريباً يمكن اللجوء إليه في حال التعرّض لهجوم".

بعد هجوم مستوطنين على اللبن الشرقية في الضفة الغربية المحتلة - 11 إبريل 2024 (نضال اشتيه/ الأناضول)
بعد هجوم سابق لمستوطنين على اللبن الشرقية في الوادي الشمالي، الضفة الغربية، 11 إبريل 2024 (نضال اشتيه/ الأناضول)

ومحاولات السيطرة على الوادي الشمالي ليست وليدة اللحظة. فمنذ نحو أربعة أعوام، يتعرّض التجمّع لمضايقات، بحسب ما يؤكد أبو دية، وذلك بداية من خلال منع الرعي بالقرب من مستوطنة "رحاليم" المقامة على أراضي الفلسطينيين. ويضيف أنّ "منطقة الاستهداف ومنع الرعي راحت تتّسع، ووصل الأمر قبل السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023 إلى حدّ محاولة سرقة الأغنام. ومع حرب الإبادة على قطاع غزة تحوّل الأمر إلى مضايقات تنفّذها مجموعات كبيرة من المستوطنين يصل عددهم أحياناً إلى خمسين شخصاً".

ويتابع أبو دية أنّ في المدّة الأخيرة، اتّخذت الهجمات شكلاً أكثر عنفاً، وتحديداً في ساعات الليل عندما صار مستوطنون مسلحون يوقظون سكان التجمّع، مدّعين أنّهم قوة من جيش الاحتلال، ويعتدون عليهم بالضرب. واستمرّ الوضع على هذه الحال حتى اقتحموا، قبل نحو أسبوع، التجمّع نهاراً، وهدّدوا سكانه بالرحيل، مع مهلة حتى يوم الأحد الماضي، تحت طائلة الهجوم عليهم.

وبعد أن ضاقت المراعي وصارت الهجمات متكرّرة ولا تُطاق، اضطر أبو دية وعائلات والده وأربعة من أشقائه وعمّته إلى الانتقال قسراً إلى تجمّع بدوي آخر يبعد نحو 500 متر عن التجمّع الأصلي، مع العلم أنّه غير آمن تماماً. وهو كان قد شيّد مسكناً لأطفاله هناك، قبل أشهر، خوفاً عليهم من هجمات المستوطنين، غير أنّهم عانوا كذلك من مضايقات.

وهكذا صار الوادي الشمالي بلا وجود فلسطيني، ومباشرة راح المستوطنون يستكملون شقّ طريق كانوا قد بدؤوا بالعمل به قبل أكثر من عام، إنّما على مراحل؛ فيتوقّفون لأيام أو أسابيع ثمّ يستأنفون العمل.

ويفيد رئيس المجلس القروي في اللبن الشرقية بأنّ الطريق انطلق من أراضي مناطق مصنّفة "أ" و"ب"، وامتدّ إلى أخرى مصنّفة "ج" قبل أن يصل إلى أراضي بلدتَي ياسوف واسكاكا في محافظة سلفيت، حيث يقع الوادي الشمالي بين القرى الثلاثة اللبن الشرقية وياسوف واسكاكا. ويكمل عويس أنّ الطريق لا يهدف، بحسب الوقائع، إلى ربط تجمّعات استيطانية بعضها ببعض، بل إلى السيطرة على الأراضي، فيصير أشبه بعائق جغرافي وعازل مصطنع للأراضي التي تقع خلفه.

في هذا الإطار، يوضح دراغمة أنّ "إكمال شقّ الطريق بدأ يوم الاثنين الماضي، أي مباشرة بعد تهجير البدو، وكأنّ عملية تهجيرهم كانت مقدّمة لاستكمال الحفريات من أجل السيطرة على الأراضي". وكان أهالي اللبن الشرقية قد حاولوا الوصول إلى منطقة الحفريات قبل شهر تقريباً في تحرّك احتجاجي، غير أنّ جيش الاحتلال منعهم واعتقل عدداً منهم وعرقل حركة عدد آخر من خلال تقييد أيديهم.

وحول تهجير البدو وتأثير ذلك في الأراضي، يشرح دراغمة أنّ لذلك "تأثيراً مباشراً لأنّهم كانوا خط الدفاع الأول، لكنّ الأهالي لن يتمكّنوا من الوصول إلى أراضيهم في ظلّ انتشار المستوطنين".

ويؤكد أبو دية النقطة نفسها، ويوضح أنّ البدو في التجمّع "كانوا أشبه بأعين للأهالي على أراضيهم، يحمون أشجارها من اللصوص والحيوانات البرية، ويبلغونهم في حال وقوع أيّ هجوم أو وجود للمستوطنين". ويرى أنّ هذا "هو أحد الأسباب لتهجريهم، إذ لا يريد المستوطنون أن يعلم الأهالي بما يحدث في الأراضي".

ولا يقتصر التأثير بالأراضي، بحسب ما يلفت عويس، ويوضح أنّ تصنيف البقعة من مناطق "أ" و"ب"، إلى جانب كونها منطقة زراعية، يجعلها منطقة توسّع عمراني، مع العلم أنّ المساكن لا تبعد أكثر من 200 متر عن الأراضي التي يتردّد عليها المستوطنون. ويحذّر عويس من أنّ ما يحصل في الوادي الشمالي، وفي مناطق أخرى من الضفة الغربية مصنّفة "أ" و"ب"، من شأنه أن يؤدّي إلى شلّ أعمال المجالس القروية، كما لو أنّ المستوطنين والاحتلال يريدون دفع الناس نحو الإدارة المدنية التابعة لجيش الاحتلال.