الولادة القيصرية... إجراءات لتحجيم جراحات الإنجاب في مصر
استمع إلى الملخص
- تتخذ وزارة الصحة إجراءات للحد من العمليات القيصرية غير الضرورية، مثل فرض تقارير إحصائية شهرية واستخدام نظام "روبسون"، بهدف تقليل الكلفة الاقتصادية التي تصل إلى 120 مليار جنيه سنوياً.
- يواجه النظام الصحي تحديات مثل الإهمال الطبي وغياب النظام المتكامل، ويقترح الخبراء تحسين وحدات الولادة وزيادة أجر الأطباء في الولادات الطبيعية، مع التركيز على حقوق المرأة في اتخاذ قراراتها الطبية.
يشير التباين الواضح بين الأرقام المسجلة للولادات القيصرية في مصر مقارنة مع المعايير الدولية إلى أن الوضع القائم ليس مجرد خيارات فردية، بل أزمة ذات تداعيات كبيرة، صحياً واقتصادياً.
حين اقترب موعد ولادة طفلها الأول، اختارت المصرية نهال "الولادة القيصرية"؛ لتفادي آلام الولادة الطبيعية، واحترمت طبيبتها رغبتها، رغم محاولتها طيلة مراحل الحمل ثنيها عن ذلك، وتكرّر الأمر مع طفلين آخرين أنجبتهما لاحقاً. على النقيض، قرّرت المصرية خلود أن تنجب طفلها الوحيد، الذي يبلغ الآن 9 سنوات، عبر الولادة الطبيعية، إذ لم يكن هناك أي داعٍ لإجراء عملية إنجاب جراحية، خاصة أن الدتها أقنعتها بأن ألم الولادة مؤقت، ويزول بعد ساعات قليلة، على عكس الولادة القيصرية، التي قد لا تشعر فيها بالألم أثناء الولادة، لكنّها تترك آثاراً وجروحاً تستمر بعد الولادة.
وفي بعض الحالات تكون العواقب وخيمة، كما حدث مع شهد، التي قرّر الطبيب ولادتها قيصرياً، وبعد أسبوع واحد أصيبت بنزيف حاد، وعندما اتصلت بالطبيب، وصف لها بعض الأدوية، لكن النزيف استمر، ما اضطر زوجها لنقلها إلى المستشفى، وهناك أجريت لها صورة "سونار"، ليكتشف الطبيب وجود جزء من المشيمة داخل رحمها، لتدخل غرفة العمليات مجدداً، قبل أن يخبر الطبيب أهلها أنهم أمام خيارين: فإما استئصال الرحم أو تعرض حياتها للخطر.
نجت شهد من الموت، لكنها دخلت في رحلة معاناة، إذ تعرضت للإهمال الطبي بعد الجراحة، لتقرر أسرتها نقلها إلى مستشفى آخر بعد إصابتها بفشل كلوي، إذ قبعت في الرعاية الفائقة لنحو شهرين لعلاج مضاعفات الأخطاء الطبية، وباتت بعدها تخضع للغسيل الكلوي. تقدمت العائلة بشكوى إلى نقابة الأطباء مطالبة بالتحقيق مع الطبيب والمستشفى، وكانت النتيجة صادمة: "خطأ طبي وارد الحدوث بنسبة 1%"، تقدمت العائلة على إثر ذلك ببلاغ للشرطة، وأقامت دعوى قضائية ضدّ الطبيب والمستشفى، وهي تصرّ على متابعة الأمر حتى تنصفها العدالة.
يستحوذ القطاع الخاص على 70% من إجمالي الولادات في مصر، وأقرّت وزارة الصحة إجراءات لخفض معدلات العمليات القيصرية
ولا تنفصل الأخطاء الطبية الناتجة عن الإهمال عن ظاهرة الارتفاع غير المسبوق في معدلات الولادة القيصرية في مصر، رغم أبعادها الصحية والاقتصادية. ووفقاً لبيانات المسح الصحي للأسرة المصرية لعام 2021، وصلت نسبة الولادات القيصرية إلى 72% من إجمالي الولادات، وهو معدل يتجاوز بكثير أي نسبة دولية، ويضع مصر في المرتبة الأولى عالمياً، كما أنها تتناقض مع التوصيات الصادرة عن منظمة الصحة العالمية، التي تؤكّد أن النسبة المثلى للولادات القيصرية يجب ألا تتجاوز 10 إلى 15% من إجمالي الولادات لضمان سلامة الأمهات والمواليد.
وتضاعفت النسبة المئوية للولادة القيصرية من 10% في عام 2000 إلى 72% في عام 2021، كما تظهر البيانات فروقات جغرافية وقطاعية، إذ تبلغ النسبة في المناطق الحضرية 77.4% مقارنة بـ 59.6% في الريف، ما يعكس تركز الظاهرة في البيئات الأكثر اتصالاً بالقطاع الخاص.
وأقرت وزارة الصحة والسكان المصرية إجراءات تنظيمية تهدف إلى خفض معدلات العمليات القيصرية التي تُجرى من دون مبرّر طبي، مع تأكيد أن الهدف ليس منعها، بل تصحيح ممارسات غير ضرورية، خصوصاً وأن الكلفة تبلغ نحو 120 مليار جنيه سنوياً، حسب التقديرات الرسمية.
وركز القرار على القطاع الخاص الذي يستحوذ على أكثر من 70% من إجمالي الولادات في مصر، ولضمان التطبيق الفعال، فرضت الوزارة على المنشآت الطبية الخاصة تقديم تقارير إحصائية شهرية مفصلة، وإلزامها باستخدام نظام "روبسون" العالمي لتصنيف الحالات، إضافة إلى اعتماد أداة "البارتوجرام" لرصد مراحل المخاض، ما يوفر بيانات دقيقة تساعد على تحليل أسباب أي تدخل جراحي.
وتتأثر الظاهرة عادةً بعوامل اجتماعية وثقافية، إذ تفضل بعض النساء الولادة القيصرية لتجنّب آلام المخاض الطويلة، وإمكانية تحديد موعد الولادة بما يناسب التخطيط الشخصي، ويسهم في هذا أيضاً بعض المفاهيم الخاطئة المنتشرة حول تأثير الولادة الطبيعية على الجسد والعلاقة الزوجية، ما يدفع بعض النساء لطلب العملية القيصرية من دون وجود سبب طبي حقيقي.
وتقول استشارية النساء والتوليد، وفاء محمد لـ"العربي الجديد": "الأصل أن الحامل تتابع مع الطبيب أو المركز الصحي حتى موعد الولادة، ثم يجري تحديد طبيعة الولادة حسب حالة السيدة ووضع الجنين، لكن الأوضاع اختلفت، إذ أصبحت متابعة الحمل تجري في عيادات خاصة، وكل حامل تختار طبيبها كي تتابع معه، ثم تلد على يده، وهي مَن تختار نوع الولادة، إلّا في الحالات التي تستلزم تدخل الطبيب على عكس رغبة المرأة".
وتابعت الطبيبة: "قَصْر الولادة القيصرية على حالات الضرورة يتطلب إقناع الناس بضرورة الاعتماد على نظام مؤسّسي وليس على طبيب محدد، فعندما يحين موعد الولادة تتجه السيدة صوب أقرب مستشفى، ويجري التعامل معها وفق البروتوكول الطبي المتّبع، ويترك الأمر للتقدير الطبي قبل الولادة. لكن ما يحدث أن الحامل تصرّ على طبيب محدد، وقد يواجه ذلك معوقات مثل انشغال الطبيب، أو سفره، أو عدم توفر غرفة عمليات مجهزة، ما يجعل كثيرات يتجنبن هذه الاحتمالات باختيار يوم الولادة بناءً على مواعيد الطبيب المتابع لحالتها".
ويعتبر فهم الأسباب المتشابكة لارتفاع معدلات الولادة القيصرية ضرورة، إذ تشير التقديرات إلى أن الظاهرة ناتجة عن عوامل اقتصادية واجتماعية وثقافية، ويُعد الدافع المادي أحد أهم هذه العوامل، إذ إنّ الولادة القيصرية أكثر ربحية، وتستغرق من الطبيب وقتاً وجهداً أقل، وتؤكد وزارة الصحة أن 75% من أسباب ارتفاع النسبة يعود إلى نصيحة مقدم الخدمة (الطبيب)، ما يحول الإجراء الطبي إلى "عملية تجارية" على حساب صحة المريض.
ويقول استشاري النساء والتوليد، محمد رأفت لـ"العربي الجديد"، إن "بعض أطباء المستشفيات الحكومية يضطرون لإجراء عمليات قيصرية للحالات التي تصل في وقت متأخر من الليل، لتجنّب تسليمها لزملائهم في نوبة العمل الصباحية، وهذا يعود إلى عدم وجود نظام صحي متكامل، على عكس المستشفيات الجامعية التي تشهد أعلى معدلات للولادة الطبيعية، بينما يعاني نظام وزارة الصحة والمستشفيات الخاصة من غياب النظام الصحي المتكامل، أو وجوده مع عدم فاعليته".
ويوضح رأفت: "خلال عملي لسنوات طويلة بالمستشفيات الحكومية، كنت أشهد سباقاً بين الأطباء المقيمين لتسجيل أعلى عدد من الولادات القيصرية، وسبق أن جرى استدعائي لإجراء ثلاث عمليات قيصرية متتالية، من بينها سيدة كانت على وشك الولادة الطبيعية لكنها خضعت لعملية قيصرية أجراها الأطباء المقيمون من دون وجود أخصائي توليد".
من جانبه، يعتبر طبيب النسائية عضو مجلس نقابة الأطباء، خالد أمين، أن "الدفع نحو الولادة الطبيعية والاستسهال في إجراء الولادة القيصرية كلاهما ممارسات خاطئة، والأصح هو السعي لتحقيق الولادة الآمنة، سواء طبيعية أو قيصرية، فكلاهما حلول للولادة، وتصبح القيصرية أكثر أمناً إذا كان لها داعٍ طبي".
ولخفض نسب الولادات القيصرية، يقترح الطبيب أمين، تطبيق خطوات أساسية عدّة، أولها توسيع وحدات الولادة الآمنة بالعمل على إنشاء مزيد من المراكز المتخصصة، وتوفير التجهيزات من الأجهزة والمستلزمات الضرورية، مثل جهاز قياس نبض الجنين المستمر، وأجهزة تسكين الألم، مع خفض تكلفتها على المريض، فضلاً عن زيادة أجر الطبيب في حالات الولادة الطبيعية، خاصةً في أنظمة التأمين الصحي، ليصبح مساوياً لأجر الولادة القيصرية، وتفعيل دور اللجان والمجالس العلمية لمراجعة الحالات المتعلقة بالولادة، وتفعيل المسؤولية الطبية بنشر البروتوكول المصري للنساء والتوليد، وكذا تفعيل لجان المسؤولية الطبية وفق القانون الجديد، لضمان عدم لجوء الممارس الصحي إلى الولادة القيصرية حلاً آمناً للتهرب من المساءلة.
وفي حين تهدف وزارة الصحة إلى حماية الأمهات والمواليد من مخاطر العمليات الجراحية غير الضرورية، تبرز اعتراضات حقوقية، إذ ترى المبادرة المصرية للحقوق الشخصية أن القرار، رغم نيته الإيجابية، يمثل تناقضاً عميقاً، فالدولة التي تسعى إلى تقييد الولادة القيصرية لحماية صحة المرأة، لا تزال تغضّ الطرف عن ممارسات اجتماعية متجذرة تفرض وصاية الرجل على قرارات المرأة الطبية، رغم أن الدستور المصري يؤكّد حق المرأة في اتّخاذ قراراتها الطبية بحرية.
ووفقاً للمنظمة الحقوقية، فإنّ الاعتماد على الآليات الرقابية قد يؤدي إلى نتائج عكسية، مثل تحايل الأطباء، أو إجبار النساء على الولادة الطبيعية من دون توفير الدعم اللازم، كمسكنات الألم والقابلات المدربات. وتطالب بخطة متكاملة لا تقتصر على خفض الأرقام فحسب، بل تركز على تحسين جودة خدمات رعاية الأمومة، وتقديم خيارات حقيقية للنساء تضمن لهن حق الاختيار المستنير والآمن.