استمع إلى الملخص
- يختارون مواقع قريبة من الطرقات لبيع منتجاتهم، ويعيشون بطريقة غير قانونية بدون أراضٍ ثابتة، مما يجعل حياتهم غير مستقرة ولكن مليئة بالحرية والاكتفاء الذاتي.
- يواجهون تحديات مثل نقص المياه وصعوبة التعليم، ويعيشون في ظروف قاسية، متمسكين بتقاليدهم رغم توفر وسائل مادية أفضل.
مع بزوغ ساعات الفجر الأولى، بدأت عربيّة، وهي من بدو تونس الرُّحّل، في جمع حاجياتها القليلة لشدّ الرحال. لفّت مفارشها البسيطة التي تشبّعت برائحة الليالي والبرد، لتشدّها بحبالٍ صغيرة، استعداداً للرحيل من مكان لا تربطها به سوى بقايا عشب بات جافاً. تمضي كما يمضي بقية الرُّحّل من عشيرتها، تقطع المسافة تلو الأخرى وصولاً إلى مراع جديدة، مؤمنةً بأنّ الأرض تتّسع لمن يعرف كيف يرحل من دون ضجيج.
لا يتطلب منها العمل سوى بضع ساعات حتى تفرغ من تجميع حاجياتها البسيطة. والطريق إلى غايتها ليس بعيداً، ولا يستغرق اجتيازه سوى يوم واحد. تقول والدتها المسنّة، مريم، إنّها تعيش وعشيرتها على الترحال منذ أن وُلدت. يرحلون من مكان إلى آخر بحثاً عن المرعى. بعضهم يملك الغنم وبعضهم الجِمال. يعيشون على بيع حليبها ويقتاتون ممّا توفره لهم الأرض من مرعى.
هم البدو الرُّحّل في تونس، تُطلق عليهم تسمية "نجع قمرة"، لأنّهم كانوا يرتحلون خلال اكتمال القمر. يعيشون في تجمعات صغيرة في أراضي تكون غالباً مُلكَ الدولة، بعيداً عن ضجيج المدن. سكونهم وصمتهم لا يقطعه سوى ثغاء الماشية أو نباح كلاب تحرس أملاكهم البسيطة. ففي منطقة المرناقية، قرب العاصمة التونسية، شُيّدت خيامهم المنتشرة على مساحات بسيطة، بلا حدود واضحة، وبشكل عشوائي قرب أحد الطرقات الرئيسية، حيث تعبر السيارات يومياً لشراء حليب الإبل.
وتتابع مريم في حديث لـ"العربي الجديد": "نعيش على الترحال ونختار الأماكن التي توجد فيها المراعي وتكون قريبة من الطرقات الرئيسية لبيع حليب مواشينا إلى كل عابر. نبيع الليتر الواحد من حليب الناقة بعشرة دولارات أميركية، وهو ما يشكل مدخولنا الأساسي، مع بيع بعض المواشي خصوصاً خلال عيد الأضحى. نعيش بطريقة غير قانونية، ولكن هذه حياتنا التي تعوّدنا عليها. لا نملك أراضي، ولكن نتنقل بين مناطق وجهات عدّة بحثاً عن الكلأ والمياه".
لا تُقاس حياة البدو بالزمن بل بالمطر والمسافة. يحملون بيوتهم على ظهورهم، وينقلون ذاكرتهم من مرعى إلى آخر، حيثما ارتحلت القطعان ارتحلوا. الخيمة عندهم وطن مؤقت، والسماء سقف دائم، والطرق تحفظ خطواتهم ومواسم ترحالهم، ولا سيّما خلال فصل الشتاء. يعيشون على الاكتفاء والبساطة، ويتتبّعون أثر الغيم. وبين قسوة الترحال ودفء الجماعة، ينسجون حياة تقوم على التضامن، وحرية لا تُروّضها الحدود. فكلّ الأراضي بالنسبة لهم ملجأ للحياة، طالما يوجد مرعى وضروريات تضمن حياة مواشيهم.
في قلب العراء بمنطقة المروج، جنوبي العاصمة، تنتصب خيامٌ بالغة البساطة، وهي عبارة عن صفائح من البلاستيك الرقيق المشدود بدقة، وأعمدة متعبة تقاوم الريح. تحت تلك الأغطية الهشّة تعيش عائلات من البدو الرُّحّل، تتقاسم ظلّاً ضيقاً، ودفئاً شحيحاً. تشعر وكأنّ البلاستيك قد يُقتلع من الأوتاد مع كل هبّة هواء، ولكنّه يبقى سقف أمانٍ بالنسبة لهم.
تستلقي رُقيّة (اسم مستعار) على فراش بسيط على الأرض، لا تستطيع الحركة من ثقل الحمل. بالكاد قبلت الحديث عن حياتها البسيطة، إذ يمنع الأزواج نساءهم من الحديث عن حياتهنّ للصحافة أو السماح بتصوير نمط عيشهنّ ويومياتهنّ، تشير إلى أنّها وأفراد عائلتها يعيشون على حليب الناقة وبعض ما يكسبونه من بيع أغنامهم خلال عيد الأضحى. يتنقلون من مكان إلى آخر خلال موسم الأمطار، بحثاً عن أراضٍ لا يُطردون منها، وتُوفّر لهم المرعى والقدرة على الوصول إلى بعض ينابيع المياه.
تحت خيمتها تتناثر مقتنيات قليلة، خفيفة كما لو أنها خُلقت للرحيل الدائم. أوانٍ معدنية باهتة، وبعض الحطب وموقد صغير. كل شيء موضوع بعناية متقشفة، قابل للطيّ والحمل في أي لحظة، فلا مكان لأثاث ثقيل يُصعّب عليهم رحلة التنقل بأريحية. تحت تلك الخيام تُختصر الحياة في الضروري فقط، إذ تُصبح الأشياء رفيقة درب لا أكثر، تشهد على قسوة الطريق وبساطة الاكتفاء. حتى المفارش بالكاد تقيهم برد الشتاء. يكتفون بالقليل منها كي لا تثقلهم خلال الترحال.
كل شيء يبدو بسيطاً جداً داخل تلك الخيام التي تؤوي كلّ واحدة منها عائلة بأكملها. إذ تُشير عربيّة إلى أنّ حياتهم تفرض عليهم الاكتفاء بأشياء قليلة يسهل حملها خلال الترحال. لا تنفي أنّ بعضهم باتوا ميسوري الحال، يملكون السيارات الفاخرة والمنازل في المدن، ولكنّهم يُصرّون على العيش بتلك الطريقة البدائية، يقتاتون من بيع حليب المواشي والإبل، ورعي أغنامهم.
خلال ساعات النهار لا تجد في تلك التجمعات سوى النساء والأطفال. فغالباً ما يذهب الرجال للعمل في المدينة أو رعي الأغنام في أماكن بعيدة، لتتولى النسوة رعاية الإبل وبيع حليبها لكلّ عابر سبيل. يعيشون غالباً في مناطق لا توجد فيها ينابيع مياه ولا حنفيات، ما يدفعهم إلى انتظار عربات بيع المياه التي تجوب المسالك الترابية قرب تجمعاتهم. يخرج الأطفال والنساء حاملين الأوعية البلاستيكية لملء خزانات صغيرة أو دِلاء تُحفظ في ظلّ الخيمة، وتُخصّص للشرب والطبخ والغسيل. لا مطابخ لديهم، فكلّ شيء يتمّ إعداده تحت تلك الخيام، ولا مخازن مؤونة. كلّ شيء مكشوف ويوضع على الأرض وبالقرب من التراب.
أغلب أبنائهم لا يدرسون وبعض الذين يلتحقون بالدراسة سرعان ما ينقطعون عن صفوفهم بسبب الترحال. فهم على قناعة بأنّهم سيواصلون العيش بتلك الطريقة والتنقل من مكان إلى آخر لرعي الإبل والأغنام.
في المقابل، يعيش مئات من البدو الرُّحّل في جنوب تونس حيث المناطق الصحراوية. يتنقلون للبحث عن المياه والآبار على وجه الخصوص. لا يعملون سوى في رعي إبلهم وأغنامهم، ففي تلك الصحراء لا توجد سوى الواحات التي يصعب القيام فيها بأيّ أعمال زراعية غير زراعة النخيل. أغلبهم من دون هويّات رسمية، يعيشون حياة البدو القديمة في خيام من بيوت الشعر. ولا توجد إحصائيات دقيقة تُحدّد عددهم بسبب ترحالهم المستمر، خصوصاً قرب الحدود الجزائرية الليبية.