برج أوستانكينو... إنجاز سوفييتي سطرته الحرب الباردة

15 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 01:21 (توقيت القدس)
يبلغ ارتفاع برج أوستانكينو 540 متراً (العربي الجديد)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- برج أوستانكينو، بارتفاع 540 متراً، هو أعلى برج في روسيا وأوروبا، بُني في منتصف القرن العشرين كمحطة للبث الإذاعي والتلفزيوني، وافتتح في 1967 بمناسبة مرور 50 عاماً على ثورة البلاشفة.
- شهد البرج أحداثاً تاريخية مثل الأزمة الدستورية في 1993 وحريق 2000، ويُستخدم حالياً للبث التلفزيوني والإذاعي بتكنولوجيا رقمية حديثة.
- يُعتبر البرج رمزاً لموسكو ومقصداً سياحياً، حيث يوفر مشاهد بانورامية ومرافق فريدة مثل مقهى دوار وأرضية زجاجية.

على بُعد محطات عدة من وسط العاصمة الروسية موسكو، ثمة برج هو الأعلى في روسيا وأوروبا، وواحد من بين أعلى 20 برجاً على مستوى العالم. إنه برج أوستانكينو التلفزيوني البالغ ارتفاعه 540 متراً، ما جعله الأعلى في العالم وقت افتتاحه في عام 1967، بمناسبة ذكرى مرور 50 عاماً على ثورة البلاشفة، بقيادة مؤسس الاتحاد السوفييتي، فلاديمير لينين، في عام 1917.

يعود تاريخ بناء البرج إلى منتصف خمسينيات القرن الماضي، حين قررت القيادة السوفييتية إنشاء برج تلفزيوني تغطي إشارته موسكو وضواحيها بشكل كامل، إذ إن مركز شابولوفسكي التلفزيوني لم يعد يواكب وتيرة توسع المدينة والتكتل الحضري المحيط بها. حينها، أعلنت وزارة الاتصالات مسابقة على مستوى عموم الاتحاد السوفييتي لبناء محطة للبث الإذاعي والتلفزيوني، وتنافس فيها 40 مشروعاً لأبراج معدنية.
إلا أن المهندس المعماري السوفييتي البارز، نيقولاي نيكيتين، لم يستحسن أي من هذه المشاريع، باعتبارها ضخمة لا تتناسب مع مظهر موسكو المعماري، فاقترح أن يكون البرج خراسانياً، وحظي المشروع بموافقة الزعيم السوفييتي آنذاك نيكيتا خروتشوف. وفي عام 1960، وُضعت أساسات برج أوستانكينو مع تكليف نيكيتين بالإشراف على المشروع، ولا يزال تمثال نصفي له منصوباً إلى جوار البرج حتى اليوم.
استغرقت أعمال بناء البرج سبعة أعوام، ليشكل برج أوستانكينو ذروة الفكر المعماري والهندسي في ذلك الزمن. غير أن عمق الأساسات بلغ 4.6 أمتار فقط، ما أدى إلى تعليق أعمال البناء، حيث إن قسماً من القيادة العليا للبلاد كان يشكك في أن مثل هذا العمق سيكون كافياً لصمود البرج. وبعد إجراء دراسات إضافية، تمّ استئناف أعمال البناء في عام 1963. وجرى تشغيل البرج عشية حلول ذكرى ثورة البلاشفة في نوفمبر/ تشرين الثاني 1967.
ويوضح مدير مكتب راديوس للرحلات في موسكو، أنطون لاتينين، أن إنشاء برج أوستانكينو، شأنه في ذلك شأن إنجازات أخرى للاتحاد السوفييتي، ما كان له أن يتم لولا التنافس السوفييتي - الأميركي في حقبة "الحرب الباردة". ويقول لـ"العربي الجديد": "مثلما تتنافس دول الخليج اليوم على إنشاء أعلى الأبراج، كان الاتحاد السوفييتي يسعى هو الآخر أن يقيم أعلى برج في العالم بمناسبة ذكرى مرور 50 عاماً على ثورة البلاشفة التي اندلعت عام 1917. وقبل ذلك بسنوات عدة تمكّن الاتحاد السوفييتي من إجراء أول رحلة مأهولة إلى الفضاء أجراها رائد الفضاء السوفييتي، يوري غارغارين، في عام 1961، متفوقاً في ذلك على الولايات المتحدة الأميركية".

إطلالة بانورامية على موسكو من أعلى البرج (العربي الجديد)
إطلالة بانورامية على موسكو من أعلى البرج (العربي الجديد)

ويلفت لاتينين إلى أنه في المرحلة ما بعد تفكك الاتحاد السوفييتي، صار برج أوستانكينو شاهداً على التطورات الدراماتيكية التي شهدتها روسيا الوليدة من رحم الإمبراطورية الزائلة، مضيفاً: "أثناء الأزمة الدستورية في عام 1993 وقبيل قصف البيت الأبيض، حاول أنصار المجلس الأعلى الذي كان يشكل الجهة التشريعية العليا في روسيا في ذلك الوقت، السيطرة على مركز أوستانكينو بالقوة، وكأنهم استنسخوا نظرية لينين القاضية بالسيطرة على مراكز الاتصال مع تغيير المعدات التقنية المستخدمة مع مرور الزمن".
وكانت روسيا قد شهدت في مرحلة ما بعد تفكك الاتحاد السوفييتي عام 1991 مجموعة من الأزمات، بما فيها الأزمة الدستورية جراء الخلافات حول الإصلاحات وأساليب بناء الدولة الجديدة ما بعد السوفييتية، بين السلطة التنفيذية بقيادة الرئيس الروسي آنذاك بوريس يلتسين، والبرلمان برئاسة روسلان حسبولاتوف، وقد بلغت ذروتها في 4 أكتوبر/ تشرين الأول 1993، حين قصفت دبابات البيت الأبيض الذي كان يحتضن آنذاك مقر البرلمان وحالياً الحكومة. وقبل ذلك بيوم أقدم أنصار البرلمان على محاولة فاشلة للسيطرة على برج أوستانكينو. وأسفرت أحداث أكتوبر 1993 عن مقتل أكثر من 150 شخصاً.
وبالعودة إلى برج أوستانكينو، فإنه ليس مجرد برج تلفزيوني وأحد أبرز معالم العاصمة الروسية، بل ثمة حقائق طريفة وحلول ابتكارية ترتبط بماضيه وحاضره. ففي وقت بُني فيه برج أوستانكينو من الخرسانة المسلحة، ونظراً لما كان يتطلبه إنشاء البرج من كميات كبيرة من هذه المادة، اتُّخذ قرار بناء مصنع لإنتاج الخرسانة المسلحة إلى جوار موقع بناء البرج، تجنباً لنقل كميات هائلة من المادة من مسافة بعيدة.

تمثال نصفي لكبير مصممي برج أوستانكينو نيقولاي نيكيتين (العربي الجديد)
تمثال نصفي لكبير مصممي برج أوستانكينو نيقولاي نيكيتين (العربي الجديد)

وفي أغسطس/ آب 2000، تعرّض برج أوستانكينو لحريق هائل يُعدّ واحداً من أسوأ الكوارث التكنولوجية في روسيا ما بعد السوفييتية، وأسفر عن مقتل بضعة أشخاص، واستغرقت أعمال الإطفاء يوماً كاملاً. وما زاد من صعوبة إخماد النيران أن بؤرة الاشتعال كانت تقع على ارتفاع 460 متراً، وسط اصطدام المارّة وسكان المباني المحيطة بأعمدة دخان أعلى البرج. وفي المرحلة الراهنة، يجري تشغيل البرج بواسطة الشبكة الروسية للتلفزيون والإذاعة، مع اعتماد أحدث التكنولوجيا الرقمية، ما يوفّر الجودة العالية للبث التلفزيوني لسكان موسكو وضواحيها.

كما يُعدّ برج أوستانكينو واحداً من أهم رموز موسكو ومقصداً مفضلاً للسيّاح الروس والأجانب، حيث يمكنهم الصعود إلى أعلى البرج بواسطة مصاعد فائقة السرعة، للاستمتاع بمشاهد العاصمة الروسية، من منظور يشبه المشهد من نافذة الطائرة أثناء عملية الإقلاع. ويمكن للروّاد تناول فنجان قهوة مع الاستمتاع بمشهد المدينة من مقهى دوار أعلى البرج مع رؤية بعض معالم موسكو الأساسية من ارتفاع يفوق 300 متر. ولمَن يرغب في اختبار احتمال معاناته من رهاب المرتفعات، يمكنه الوقوف على أرضية زجاجية شفافة، والنظر أسفل قدميه من ارتفاع كبير.

المساهمون