بريطانيا: من الإسلاموفوبيا إلى "العداء للمسلمين"
استمع إلى الملخص
- البروفيسور إريك هاينز يحذر من غموض التعريف واتساع تطبيقه، مشيراً إلى ضرورة حماية حرية التعبير وتجنب الملاحقات غير المبررة.
- الانتقادات تشمل خلط الدين بالعرق وتأثيره على النقاش العام، بينما تؤكد الحكومة على التمييز بين النقد المشروع والتحريض. جميما ستاينفيلد تحذر من إشكاليات قانونية محتملة.
يواجه التعريف المقترح في بريطانيا تحت مُسمّى "العداء للمسلمين" انتقادات باعتباره يتعامل معهم بوصفهم جماعة عِرقية، وسط تحذيرات من خطر الغموض واتساع التأويل.
أثار تعريف حكومي مقترح تحت مُسمّى "العداء للمسلمين" في بريطانيا جدلاً واسعاً حول حدود تدخل الدولة في تنظيم الخطاب العام، ولا سيّما بعد التخلي رسمياً عن استخدام مصطلح "الإسلاموفوبيا"، وسط تحذيرات من أن الصياغة الجديدة، رغم كونها غير ملزمة قانونياً، قد تُستخدم لتقييد غير مباشر لحرية التعبير والنقد المشروع للدين.
تصاعد الجدل في يناير/ كانون الثاني 2026 بعد رسالة موجّهة إلى وزير الدولة للإسكان والمجتمعات والحكم المحلي، ستيف ريد، وقّعها ناشطون وممثلون عن ديانات وخلفيات مختلفة، عبّرت عن مخاوف من اتساع التعريف وغموض تطبيقه داخل المؤسسات العامة، في وقت تقول الحكومة إنّ الهدف هو مواجهة تصاعد الكراهية والتمييز ضد المسلمين.
ويرى البروفيسور إريك هاينتزي، أستاذ حرية التعبير في جامعة كوين ماري بلندن، في حديث إلى "العربي الجديد"، أن تقييم التعريف الحكومي المقترح "لا يمكن اختزاله بإجابة بسيطة من نوع جيد أو سيئ"، مشيراً إلى أن المسودة تتضمن عناصر متعددة "يجب تقييم كل منها على حدة".
يوضح هاينتزي أنه ينطلق من موقف متحفظ أساساً تجاه استخدام القانون في تنظيم الخطاب العام، ولا سيّما عندما يتعلق الأمر بالتعبير عن الآراء في سياقات عامة، مؤكداً أن حماية الدولة تصبح مشروعة وواضحة عندما تتعلق بأفعال مثل العنف أو التخريب أو الترهيب، لا بمجرد إبداء الرأي. ويلفت إلى أن المسودة الحالية لا تتعلق بالقانون الجنائي، بل تُوجَّه أساساً إلى المؤسسات العامة، ما يطرح سؤالاً جوهرياً حول كيفية تفسيرها وتطبيقها عملياً. ويضيف أن جزءاً كبيراً من التعريف "يُعيد في الواقع صياغة ما هو قائم بالفعل في القانون"، ويرى أن التكرار في حد ذاته "ليس مشكلة بالضرورة"، ما دام التطبيق منضبطاً.
ويقول هاينتزي إنّ الإشكالية الأساسية تكمن في قابلية التفسير، ويحذّر من أن المصطلحات الواسعة قد تُفسَّر بطرق متباينة، سواء داخل المحاكم أو في هيئات مثل محاكم العمل أو المؤسسات الإدارية. ويشير إلى أن التاريخ القريب يُظهر كيف يمكن لتعريفات غير دقيقة أن تؤدي إلى ملاحقات أو إجراءات تأديبية على خلفية آراء أو تصريحات، حتى وإن لم تكن مرتبطة بأي سلوك عنيف أو تحريضي مباشر.
وحول مدى تأثير التعريف، يوضح هاينتزي أن التأثير "قد يكون كبيراً أو معدوماً"، تبعاً لمدى اعتماده من قبل المؤسسات العامة وطريقة تفسيره. ويضيف أن السيناريوهات المحتملة "متعددة ومفتوحة على احتمالات كثيرة"، مؤكداً أن الأحداث السياسية أو الأمنية الطارئة قد تلعب دوراً حاسماً في توجيه التطبيق العملي.
ويرى منتقدو التعريف أن الصياغة المقترحة تتعامل مع المسلمين بوصفهم جماعة ذات طابع عرقي، رغم أن الإسلام دين عالمي يضم أتباعاً من خلفيات متعددة، محذّرين من أن هذا الخلط قد ينعكس سلباً على النقاش العام والتطبيق العملي. كما يشير المنتقدون إلى أن مصطلحات مثل "التنميط المُتحيّز" تفتقر إلى الدقة، ما قد يفتح الباب أمام تأويلات واسعة تشمل نقاشات مشروعة حول قضايا دينية واجتماعية خلافية.
في المقابل، يؤكد الوزير ستيف ريد أنّ الحكومة لا تعتزم تبنّي أي تعريف من شأنه تقييد حرية التعبير، ويشدّد على حق الأفراد في انتقاد الأديان والممارسات الدينية، وأنّ الهدف من التعريف هو مساعدة المؤسسات على التمييز بين النقد المشروع والتحريض أو الإساءة، لا فرض قيود قانونية جديدة.
اللافت في هذا الجدل أن بعض أبرز الأصوات المنتقدة للتعريف تأتي من داخل معسكر الدفاع عن الحريات ذاته. وقالت الرئيسة التنفيذية لمنظمة "إندكس أون سينسورشيب"، جميما ستاينفيلد، لـ"العربي الجديد" إنّ التخلي عن استخدام مصطلح "الإسلاموفوبيا" يُعدّ خطوة إيجابية، لما كان يحمله من مخاطر تتعلق بتحصين الدين من أيّ نقد مشروع. غير أنها تحذّر من أن الصيغة البديلة لا تزال تثير مخاوف جديّة، معتبرةً أن استخدام مصطلح "العداء" جاء واسعاً إلى حد مُقلق.
وتقول إنّ "التجارب السابقة تُظهر أن التعريفات الفضفاضة غالباً ما تكون على حساب حرية التعبير التي تكون أول الضحايا عند توسيع المفاهيم من دون ضوابط دقيقة".
وفي الوقت نفسه، تشدد ستاينفيلد على أن الجرائم المرتكبة بدافع الكراهية ضد المسلمين آخذة في الارتفاع في بريطانيا، وهو ما يستوجب تعاملاً جادّاً وحازماً، بيد أنّها تؤكد أن القوانين القائمة تُتيح بالفعل ملاحقة هذه الجرائم ومعاقبة مرتكبيها، معتبرةً أن إدخال تعريف جديد "لا يُقدّم إضافة عملية حقيقية"، بل قد يفتح الباب أمام إشكاليات قانونية وسياسية غير محسوبة.
ومع ترقّب نشر التوصيات النهائية، يبقى السؤال مفتوحاً ما إذا كان التعريف المقترح سيحقق هذا التوازن أم سيضيف مزيداً من الغموض إلى نقاش يُفترض أن يقوم على الوضوح وحماية الحقوق.