تركيا تحيي الذكرى الثالثة لزلزال كهرمان مرعش: مسيرات صامتة ورسائل تضامن
استمع إلى الملخص
- جهود الإغاثة وإعادة الإعمار: تم تسليم مئات الآلاف من الوحدات السكنية للمتضررين، مع التركيز على بناء مساكن مقاومة للزلازل، وتوفير مساعدات مالية للترميم والإيجار.
- تحذيرات من زلازل مستقبلية: حذر خبراء من احتمال وقوع زلزال مدمر في منطقة مرمرة، مشيرين إلى مؤشرات علمية مقلقة، ودعوا لاتخاذ تدابير وقائية.
تحيي تركيا، اليوم الجمعة، الذكرى السنوية الثالثة للزلزال الذي ضرب ولايات جنوب البلاد فجر السادس من فبراير/شباط 2023، وبلغت قوته 7.7 درجات على مقياس ريختر، قبل أن يتبعه بعد ساعات زلزال ثانٍ بقوة 7.6 درجات، إلى جانب مئات الهزات الارتدادية. وتمركز الزلزال في ولاية كهرمان مرعش، قبل أن يحوّل 11 ولاية إلى مناطق منكوبة، متسبباً في وفاة 53.737 شخصاً وإصابة 107.213 آخرين بحسب الأرقام الرسمية.
ونُظِّمت فعاليات عدّة في الولايات المتضررة، تزامناً مع ساعة وقوع الزلزال، بحضور رسمي وحزبي وشعبي، شملت وقفات صامتة ومراسم إحياء في الساحات العامة. وفي هذا السياق، أطلق رؤساء أحزاب وسياسيون أتراك تصريحات عبّروا فيها عن مواقف تضامنية مع الضحايا وذويهم، مؤكدين ضرورة استخلاص الدروس من الكارثة.
وعلى الصعيد الإداري، أعلنت وزارة التعليم التركية تعطيل الدوام المدرسي، اليوم الجمعة، في ولايات كهرمان مرعش، وعثمانية، وغازي عنتاب، وأديامان، وهاتاي جنوبي البلاد، كما مُنح بعض الموظفين إجازة إدارية، بهدف التخفيف من الازدحام وتسهيل حركة المواطنين المتوجهين إلى المقابر لإحياء الذكرى الأليمة.
وبحسب ما يفيد العامل في الشأن الإغاثي، عمر أوغلو، من مدينة نيزب في ريف غازي عنتاب، فقد جرى الإعداد لمراسم صامتة تُقام في التوقيت ذاته الذي وقع فيه الزلزال، عند الساعة 4:17 فجراً، في معظم ساحات المدن المنكوبة، على أن يكون الملتقى الرئيسي في ساحة الأمة (Milliyet) وحديقة الأمة بنيزب، تكريماً لأكثر من 50 ألف ضحية.
مسيرة صامتة... صور ودموع
في ولاية أديامان، إحدى الولايات المتضرّرة، تجمع في ساعة 4:17 فجراً بالتوقيت المحلي، وهو توقيت وقوع الزلزال الأول، أمام مبنى الولاية كل من وزير الداخلية علي يرلي كايا، ورئيس حزب الشعب الجمهوري أوزغور أوزيل، ووالي الولاية عثمان فارول، ورئيس البلدية عبد الرحمن توتدير، إلى جانب عدد من المسؤولين. وعقب ذلك، ساروا متشابكي الأيدي باتجاة برج الساعة، رمز المدينة، الذي لا يزال يشير إلى الساعة 4:17 في مشهد رمزي يستحضر لحظة الكارثة، رغم مرور ثلاث سنوات على وقوعها.
ولم يتمالك أهالي بعض ضحايا الزلزال، الذين حملوا صور أحبتهم الراحلين، دموعهم خلال المسيرة الصامتة. وأُطلقت بالونات في السماء، فيما أُديت عقب المسيرة صلاة الجنازة في جميع مساجد المدينة، وتُليت آيات من القرآن الكريم على أرواح الضحايا، كما وُضعت أزهار القرنفل عند برج الساعة وفاء لذكراهم.
وفي ولاية كهرمان مرعش، مركز الزلزال، انطلق برنامج إحياء الذكرى في فناء المبنى الحكومي بدقيقة صمت وقراءة النشيد الوطني، تلتها تلاوة آيات من القرآن الكريم والدعاء. وعاش المشاركون لحظات مؤثرة خلال عرض تقديمي عن الزلزال أعدته محافظة المنطقة.
أما في ولاية ملاطية، فقد تجمّع المواطنون عند مدخل حديقة سومر بارك في شارع توفيق تملي، إذ أشعلت المشاعل ووقف المشاركون دقيقة صمت. وبعد إلقاء الكلمات، وُضعت الأزهار في موقع رمزي لإحياء ذكرى الضحايا، وكذلك في موقع مبنى حكيم بيه السكني، الذي أودى انهياره جراء الزلزال بحياة 78 شخصاً.
وفي ولاية هاتاي، الأكثر تضرّراً، بدأ برنامج إحياء الذكرى في شارع أتاتورك الشهير، بمشاركة ممثلي مختلف الأحزاب التركية، ومنظمات المجتمع المدني، إلى جانب سكان الولاية. وتوجه المشاركون في مسيرة صامتة نحو ساحة الجمهورية، حيث وقفوا عند الساعة 4:17 فجراً دقيقة صمت حداداً على أرواح الضحايا، تلاها عزف النشيد الوطني التركي. كما قدّم ممثلو الديانات الثلاث صلواتهم، وُوضعت زهور القرنفل الحمراء في نهر العاصي تخليداً لذكرى ضحايا الزلزال، فيما حمل بعض المواطنين صوراً لأحبتهم الذين قضوا في الكارثة.
رسائل تضامن وتعاطف
وشهدت ولايات أخرى في جنوب تركيا فعاليات إحياء مماثلة، تزامناً مع الذكرى السنوية للكارثة، فيما وجّه سياسيون رسائل تضامن وتعاطف استحضرت آثار الزلزال ودعت إلى مواصلة دعم المتضرّرين.
وقال الرئيس رجب طيب أردوغان في منشور له: "لن ننسى إخواننا الذين فارقوا الحياة جراء الزلزالين المدمرين الذين ضربا بلادنا قبل ثلاث سنوات، إذ عاهدنا شعبنا على أن نخلد ذكراهم في قلوبنا وعقولنا، وأن نحمي إرثهم، وأن نعيد بناء المدن التي دمرها الزلزالان، واليوم تجاوزنا هذا التحدي، وأعدنا بناء مدننا وأعدنا إليها الحياة".
أما رئيس البرلمان نعمان قورطولموش فأفاد في منشور له، "في ذكرى الزلزال نستذكر برحمة إخواننا الذين فقدوا أرواحهم، وندعو الله أن يلهم ذويهم الصبر والسلوان، ألمكم ألمنا، وحزنكم حزننا، الدولة والشعب معكم دائماً".
وقال رئيس حزب الشعب الجمهوري، أوزغور أوزيل، "نحن في ولاية أديامان، وفي تمام الساعة 4:17، سرنا معاً ودعونا لأرواح من فقدناهم، في ذكرى الزلازل أحيي ذكرى جميع مواطنينا الذين فقدوا أرواحهم، ما زلنا نتألم معاً، ما زلنا معاً".
من ناحيته، أوضح رئيس حزب الجيد، مساواة درويش أوغلو، في منشوره "أن كارثة الزلزال محفورة في ذاكرتنا بوصفها واحدةً من أشد الكوارث في تاريخ الجمهورية، هذا الدمار الهائل هو نتيجة مريرة لخيارات إدارية وإهمال وانعدام رقابة، أحيي ذكرى مواطنينا الذين فقدوا أرواحهم، وأشاركهم الألم"، منتقداً في منشوره عدم حصول تدابير تمنع رقابة الأبنية بشكل مقاوم للزلازل.
وقالت الرئيسة المشتركة لحزب ديم الكردي، تولاي حاتم أوغلاري أوروج، في منشور لها: "في الذكرى السنوية الثالثة للزلزال، نجتمع في أديامان لإحياء ذكرى من فقدناهم ولتضميد جراحنا في هذا الحزن المشترك. نحن هنا لأننا لم ننسى، لأنّنا مدينون لمن فقدناهم وللأرواح التي رحلت، سنواصل نضالنا حتى يُقدم المسؤولون عن سلسلة الإهمال التي حولت الزلزال لكارثة إلى العدالة".
وأفاد رئيس حزب النصر، أوميت أوزداغ، في منشوره، "شارك حزب النصر في مراسم إحياء ذكرى الزلزال مع أهالي هاتاي، الذين لا يزال ألمهم حاضراً، وبهذه المناسبة أدعو الله مجدداً أن يرحم مواطنينا الذين فقدوا أرواحهم في الزلزال".
مساكن مجانية للأسر المتضرّرة
وحول تعويض الأسر المتضرّرة وتوفير مساكن مجانية، أوضح العامل في الشأن الإغاثي أن مئات الآلاف من المنازل جرى تسليمها خلال الأعوام الثلاثة الماضية، إلى جانب صرف مساعدات مالية سابقة خُصصت لأعمال الترميم، وتغطية تكاليف الإيجار للنازحين من الولايات المتضررة، فضلاً عن نفقات السفر ومنح مالية متنوعة، وأضاف أن الذكرى الحالية ستشهد تسليم دفعات جديدة من المساكن للمتضرّرين، مشيراً إلى أن جميع الوحدات السكنية المشيّدة تتمتع بمواصفات عمرانية مقاومة للزلازل، ومجهزة ومفروشة بالكامل. وتشير مصادر في إدارة الكوارث والطوارئ التركية (AFAD) إلى أن إجمالي عدد المساكن والمحال التجارية التي جرى تسليمها للمتضررين بلغ، حتى يوم أمس، نحو 455 ألف وحدة، ما يعني أن تركيا تجاوزت الأهداف التي كانت قد حددتها لنهاية عام 2025.
وبحسب مصادر خاصة لـ"العربي الجديد"، تصدّرت ولاية هاتاي قائمة الولايات من حيث عدد الوحدات المسلَّمة، بوصفها الأكثر تضرراً من حيث الدمار السكني، إذ جرى تسليم نحو 153,755 وحدة سكنية وتجارية. تلتها ولاية كهرمان مرعش، مركز الزلزال، بأكثر من 50 ألف وحدة سكنية، مع استمرار أعمال البناء في الضواحي الجديدة. وجاءت ولاية أديامان في المرتبة الثالثة، إذ سلمت الحكومة نحو 38 ألف وحدة سكنية حتى نهاية عام 2025.
كما جرى، وفق المصادر ذاتها، تسليم عشرات الآلاف من الوحدات السكنية في ولايات أخرى متضرّرة، من بينها ملاطية، وغازي عنتاب، وعثمانية، وأضنة، وديار بكر، وكلس، وإيلازيغ.
وكشف إبراهيم ديميرل، من فريق الإنقاذ في إدارة الكوارث والطوارئ التركية، أن الأسبوع الجاري، تزامناً مع ذكرى الزلزال، سيشهد إجراء قرعة لتسليم 36,458 وحدة سكنية إضافية. وأضاف أن هناك أكثر من 100 ألف وحدة سكنية، قيد الإنشاء وفي مراحلها النهائية، على أن يجري تسليمها خلال العام الجاري.
وأكد ديميرل، في حديثه لـ"العربي الجديد"، الانتهاء من بناء آلاف المنازل القروية ذات الطابق الواحد، إلى جانب استكمال معظم المرافق العامة، بعد افتتاح مدارس ومشافٍ ومنشآت عامة في الولايات المتضررة، بما يسهم في عودة الحياة إلى طبيعتها، وبمستوى أفضل مما كانت عليه قبل فبراير 2023.
ويعد زلزال كهرمان مرعش الذي ضرب تركيا في 6 فبراير/شباط 2023، بحسب خبراء "كارثة القرن"؛ نظراً لحجم الدمار غير المسبوق الذي خلّفه. إذ تجاوز إجمالي عدد الضحايا في تركيا وسورية 59 ألف قتيل، بينهم نحو 53,537 قتيلاً وأكثر من 107 آلاف جريح في تركيا، إضافة إلى ما بين 5,951 و8,476 قتيلاً وآلاف الجرحى في سورية. ووفق التقديرات، تضرّر من الزلزال نحو 14 مليون شخص في تركيا وحدها، فيما نزح أكثر من 2.5 مليون إلى ولايات أخرى، عقب انهيار أو تضرّر نحو 345 ألف شقة سكنية في تركيا.
ويقول رئيس التحول الحضري في وزارة البيئة والتخطيط العمراني وتغير المناخ، حقي ألب، إنه جرى تشييد 678 وحدة سكنية ضمن مشروع "أنكا كونوتلاري" في موقع إبرار، الذي تحول إلى مقبرة لنحو 1400 شخص جراء زلزال كهرمان مرعش بعد أن دُمر 18 مبنى من أصل 22 في الموقع، ما أسفر عن وفاة حوالى 1400 شخص.
ويضيف في تصريحات نقلها موقع "Haberler.com" أمس الخميس، أن الوزارة قامت ببناء 74 ألف وحدة سكنية وتجارية في كهرمان مرعش، وجرى تسليمها لأصحاب الحقوق. وأوضح أن 11 ولاية تأثرت مباشرةً جراء الزلزال، و18 محافظة تأثرت على نحوٍ غير مباشر. وأشار إلى أنه في 27 ديسمبر/ كانون الأول الماضي، جرى تنظيم قرعة وتسليم 455 ألف وحدة مستقلة بحضور رئيس الجمهورية.
وفي ذكرى الزلزال اليوم، يحذر خبراء من خطر زلزال مرمرة المدمر، المعروف إعلامياً بـ"زلزال إسطنبول العظيم"، في ظل ما يصفونه بمؤشرات علمية مقلقة.
وفي هذا السياق، قال خبير الزلازل أوكان تويسوز إنّ "الزلازل الكبرى التي شهدتها منطقة مرمرة تاريخياً تُعد مؤشراً واضحاً على احتمال وقوع زلزال قوي في المستقبل، قد تتجاوز شدته 7 درجات على مقياس ريختر.
وأضاف تويسوز، خلال مؤتمر بعنوان "زلازل تركيا وإديرني" نظمته بلدية إديرني في مركز أتاتورك الثقافي بمدينة إسطنبول أمس الخميس، أن الزلازل في منطقة مرمرة موثقة تاريخياً، وأن دراسات علمية عديدة أكدت هذا الاحتمال. وأوضح أن زلازل كبيرة وقعت بالفعل في المنطقة في فترات سابقة، ما يعزز فرضية تكرارها مستقبلاً، وتابع قائلاً: "رغم أن بعض الآراء تقلل من احتمال وقوع زلزال، فإن هذا الطرح لا يستند إلى أي دراسة علمية موثوقة".