ترهيب الجامعات الأميركية... نورث ويسترن فرع قطر نموذجاً

10 سبتمبر 2025   |  آخر تحديث: 11:07 (توقيت القدس)
من اعتصام طلاب جامعة نورث ويسترن، إلينوي، 25 إبريل 2024 (جاسك بوكزارسكي/الأناضول)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- استقال مايكل شيل من رئاسة جامعة نورث ويسترن بسبب ضغوط من إدارة ترامب والكونغرس، نتيجة احتجاجات داعمة لفلسطين واتهامات بمعاداة السامية.
- الجامعة قامت بتحديث سياساتها لمكافحة معاداة السامية وفرضت تدريبًا إلزاميًا، مع انخفاض في حالات معاداة السامية وزيادة الإجراءات التأديبية.
- تركزت المناقشات حول فرع الجامعة في قطر وتأثير التمويل القطري، مع تأكيد شيل على عدم تأثيره على القرارات وإنهاء التعاون مع شبكة الجزيرة.

استقال رئيس جامعة نورث ويسترن الأميركية، مايكل شيل، على خلفية ضغوط، ضمن قيود تفرضها إدارة الرئيس دونالد ترامب والكونغرس على إدارات الجامعات التي شهدت احتجاجات داعمة لفلسطين.

أعلن رئيس جامعة "نورث ويسترن" الأميركية، مايكل شيل، الخميس الماضي (4 سبتمبر/ أيلول)، استقالته على خلفية ضغوطٍ من إدارة الرئيس دونالد ترامب، شملت إلغاء التمويل الفيدرالي للجامعة، وضغوط متكرّرة من الكونغرس، جديدها مقابلة استجواب أجرتها معه لجنة التعليم والقوى العاملة بمجلس النواب في 5 أغسطس/ آب الماضي، ونشر محضرها في 26 الشهر نفسه.

وقال شيل، في بيان استقالته، إن "الوقت مناسب لقيادة جديدة لتوجيه نورث ويسترن نحو المستقبل. أدرك أن المشكلات لا تزال قائمة، خصوصاً على المستوى الفيدرالي. ولكن من الضروري أن نستمرّ في حماية البحث العلمي مع الحفاظ على الحرّية الأكاديمية والنزاهة والاستقلالية".
وشهدت مقابلة الاستجواب اتهام إدارة الجامعة بالتمييز ضد الطلاب اليهود خلال الاحتجاجات المرتبطة بالعدوان على قطاع غزّة، أكبرها اعتصام نظم داخل حرم الجامعة في إيفانستون بولاية إلينوي، في إبريل/ نيسان 2024، لدعم القضية الفلسطينية ورفض الحرب الإسرائيلية على غزّة، فضلاً عن انتقاداتٍ تطاول فرع الجامعة في قطر.

عاش مايكل شيل أشهراً صعبة تخلّلها تجميد 790 مليون دولار من تمويل الأبحاث الفيدرالي، ما اضطرّ الجامعة إلى تسريح مئات من الموظفين

وخضع شيل للاستجواب بطلب من عضو الكونغرس الجمهوري تيم والبرغ، والذي أثار ضجّة واسعة في نهاية مارس/ آذار 2024، عندما سئل عن إرسال بلاده مساعداتٍ إلى غزّة، فقال: "لا أعتقد أنه ينبغي لنا ذلك. لا ينبغي لنا أن ننفق سنتاً واحداً على المساعدات الإنسانية". مضيفاً "يجب أن تكون غزّة، مثل ناغازاكي وهيروشيما. اقضوا عليها بسرعة"، في إشارة إلى إلقاء الولايات المتحدة قنبلتين ذريتين على المدينتين اليابانيتين في 1945، والذي كان سبباً في نهاية الحرب العالمية الثانية.
وكشفت صحيفة نيويورك تايمز أن مايكل شيل عاش أشهراً صعبة تخلّلها تجميد 790 مليون دولار من تمويل الأبحاث الفيدرالي، ما اضطرّ الجامعة إلى تسريح مئات من الموظفين، والخضوع لاستجواب بعد أقل من 75 يوماً على خضوعه لجلسة استماع علنية في الكونغرس، في 23 مايو/ أيار الماضي.
وباستقالته، ينضم شيل إلى رؤساء جامعات أميركية آخرين قدّموا استقالاتهم على خلفية احتجاجات الطلاب، رغم أن جامعاتهم لم تتسامح مع التظاهرات، جديدهم أخيراً رئيس جامعة فيرجينيا الأميركية العامة، جيم رايان، والذي استقال في 27 يونيو/ حزيران الماضي، ورئيسة جامعة كولومبيا، نعمت شفيق، التي استقالت في 14 أغسطس/ آب 2024، ورئيسة جامعة بنسلفانيا، ليز ماغيل، والتي استقالت في 9 ديسمبر/ كانون الأول 2023، فضلاً عما تعرضت له جامعات مرموقة، من بينها هارفرد وكولومبيا، من ضغوط وقيود وتجميد تمويل.
ويبرز محضر الاستجواب الذي خضع له رئيس الجامعة المستقيل، واطلعت عليه "العربي الجديد"، كيف أن تهمة "معاداة السامية" باتت وسيلةً لمعاقبة من لا يخضع لتوجّهات إدارة ترامب، وأيضاً، كيف يوجّه اللوبي الصهيوني وجماعات الضغط اليهودية، مثل رابطة مكافحة التشهير، السياسات العامة في الولايات المتحدة، متجاوزةً كل الخطوط الحمراء الخاصة باستقلالية البحث العلمي وحرّية التعبير.

الصورة
علم فلسطين في اعتصام طلاب نورث ويسترن إلينوي، 25 إبريل 2024 (جاسك بوكزارسكي/الأناضول)
علم فلسطين في اعتصام طلاب نورث ويسترن إلينوي، 25 إبريل 2024 (جاسك بوكزارسكي/الأناضول)

وسألت اللجنة شيل عن اعتصام طلاب الجامعة الداعم للقضية الفلسطينية، في إبريل/ نيسان 2024، بما في ذلك مزاعم متعلقة بحوادث معادية للسامية وقعت خلاله، منها تعرّض طالب يهودي للمضايقة أو الاعتداء، فأجاب بأنه ليس لديه معرفة محدّدة ببعض الحوادث، وأن بعضها لم يتم إثباتها بشكل كامل.
وحول الإجراءات التأديبية المتخذة بحقّ الطلاب المعتصمين، انتقدت اللجنة عدم فصل الجامعة أي طالب رغم مرور أكثر من عام على الاعتصام، أكد أنه لم يتم تعليق أو فصل أي طالب بسبب السلوك خلال الاعتصام، وأن عدم فصل أحدٍ "لا يعني أن الطلاب لم يتلقّوا عقوبات تأديبة. بل تم تطبيق التأديب على طلابٍ عديدين".

ينضم شيل إلى رؤساء جامعات أميركية آخرين قدّموا استقالاتهم على خلفية احتجاجات الطلاب، رغم أن جامعاتهم لم تتسامح مع التظاهرات

وكشف شيل أن الجامعة حدّثت سياساتها الداخلية لتتوافق مع تعريفات وزارة التعليم للتمييز والمضايقة، بما في ذلك دمج تعريف التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست لمعاداة السامية، فضلاً عن فرض تدريب إلزامي لمكافحة معاداة السامية على الطلاب وأعضاء هيئة التدريس والموظفين، مع زيادة عدد موظفي الأمن في الحرم الجامعي، وإبرام اتفاقيات مع وكالات إنفاذ القانون المحلية والفيدرالية، بما في ذلك مكتب التحقيقات الفيدرالي.
وأوضح أن عدد الحالات التي تنطوي على مزاعم معاداة السامية انخفض، بشكل كبير، خلال العامين الأخيرين، بينما زادت نسبة الحالات التي أسفرت عن إجراءاتٍ تأديبية، وأن الجامعة أنشأت مجلساً استشارياً لمواصلة مراقبة الوضع وتحسينه. وكرّر خلال المقابلة الحديث عن علاقةٍ قديمةٍ بين جامعة نورث ويسترن وجامعات إسرائيل، من بينها علاقة وثيقة مع جامعة تل أبيب، موضحاً أن هذه العلاقة "تعزّزت" بعد اعتصام الطلاب في إبريل/ نيسان 2024، وأن هناك 50 إسرائيلياً، ما بين طلاب وأعضاء هيئة تدريس في الجامعة، كما أكد على دعمه الشخصي إسرائيل، وعن حقّها في الدفاع عن وجودها.


وكان لافتاً تركيز الاستجواب على فرع جامعة نورث ويسترن في قطر (UN-Q) والإجراءات التي اتخذتها الجامعة لمكافحة "معاداة السامية" داخله، وقال مايكل شيل إن الجامعة اتفقت مع "مؤسّسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع" على افتتاح الفرع في الدوحة خلال عام 2007، وإنه بدأ العمل في 2008، وذلك ضمن توجهات الإدارة الأميركية لنشر التعليم الغربي في الشرق الأوسط، وضمن خطط قامت بها جامعات أميركية عدّة لفتح فروع لها حول العالم. مضيفاً أن التعاقد مع المؤسّسة سينتهي بعد العام الجامعي (2027-2028)، وأن الجامعة تجري حالياً تقييماً معمّقاً لفرعها في الدوحة، وسيتم البتّ في تجديده من عدمه وفق هذا التقييم.

لا يتجاوز عدد الطلاب المسجلين في "نورث ويسترن قطر" 500 طالب سنوياً، وفي العام الدراسي (2022 - 2023) كان العدد 473 طالباً وطالبة

وأوضح شيل أنه مطلع على مزاعم عديدة رائجة في وسائل الإعلام التي تتهم قطر بمحاولة التأثير في سياسات الجامعات عبر التمويل، لكنه شدّد على أنه، خلال فترة رئاسته الجامعة، لم يُطلب منه، سواء عبر "مؤسّسة قطر"، أو إدارة فرع الجامعة في الدوحة، تغيير أي قرار، أو اتخاذ أي إجراء، أو إقرار أي منهجٍ دراسيٍّ بعينه، وأن ذلك يعني بوضوح أن وجود فرع للجامعة في قطر لم يكن له أدنى تأثير على قراراته. لكن أسئلة اللجنة امتدّت إلى مدى معرفته بعلاقات قطر بحركة حماس، وعلاقتها بجماعة الإخوان المسلمين، ليجيب بأنه ليس متخصّصا في هذا الشأن (متخصص في الاقتصاد والعقارات)، وأن معلوماته الشخصية عن هذه الأمور لا تتجاوز ما يقرأه في الصحف وما يشاهده في التلفزيون.
ركزت اللجنة أيضاً على مواقف عدد من الأسماء، من بينهم رئيسة "مؤسسة قطر" الشيخة موزا بنت ناصر، وحين سأل عنها مايكل شيل، قال إنه لم يقابلها يوماً، لكنه يعرفها لكونها ترأس المؤسّسة التي يعمل فرع الجامعة في الدوحة تحت مظلتها، وحين سُئل إن كان يعلم أنها نعت قائد حركة حماس الراحل يحيى السنوار، قال إنه يعلم بذلك، لكنه لا يمكنه إنهاء تعاقد أبرم قبل 18 سنة بناء على ذلك.


وناقشت اللجنة مع مايكل شيل تغريدات لعضو هيئة التدريس في نورث ويسترن قطر، سامي هرمز، يقول في إحداها "اليهود الصهاينة كاذبون مقرفون"، ويقول في تغريدةٍ أخرى إن "الصهيونيين يسيطرون على السياسة والسلطة في أوروبا". وحين سُئل عما إذا كانت هذه التصريحات معادية للسامية، أجاب بـ "نعم". وسُئل إذا كانت تنتهك سياسات الجامعة، فأعرب عن اشمئزازه الشخصي منها. وعند سؤاله إذا كانت الجامعة ستحقق مع هرمز، أجاب محاميه بأن شيل لا يمكنه بدء تحقيق من موقعه الحالي، ولكن أي شكاوى سيتم التحقيق فيها. وتطرّقت الأسئلة إلى تغريدات لعضو المجلس الاستشاري لفرع الجامعة في قطر، رامي خوري، يهاجم فيها دعم البيت الأبيض والكونغرس إسرائيل، وكذا إلى تدريس الأكاديمي خالد الحروب مقرّراً عن فلسطين والصراع العربي الإسرائيلي، وتطرّق النقاش أيضاً إلى وجود فرع لمنظمة "طلاب من أجل العدالة في فلسطين" في نورث ويسترن قطر. وتناسى أعضاء اللجنة، في معرض إشاراتهم هذه، أن الجامعة في الولايات المتحدة تقرر برنامجاً تدريبياً للطلاب الموظفين، من أجل أن يتفادوا أن يكونوا "معادين للسامية"، يرد فيه أن أرض إسرائيل القديمة تشمل سورية الحديثة ولبنان الحديث ومصر الحديثة، والأردن الحديث.

شدّد شيل على أنه، خلال فترة رئاسته الجامعة، لم يُطلب منه، سواء عبر "مؤسّسة قطر"، أو إدارة فرع الجامعة في الدوحة، تغيير أي قرار، أو اتخاذ أي إجراء، أو إقرار أي منهجٍ دراسيٍّ بعينه

وحين سُئل عن منشور لطلاب نورث ويسترن قطر بعد "7 أكتوبر" (2024)، تضمّن رسوماً لمقاتلي حركة حماس، مع عبارة "فلسطين حرّة". أعرب عن عدم تأكّده من طبيعة المنشور في البداية، ثم رفض التعليق عليه بشكل مباشر، مشيراً إلى أنه قد يكون مخيفاً لبعضهم.
وتمحور الجزء الأهم في المناقشة حول فرع قطر على تجديد الاتفاقية، وذكر شيل عدّة عوامل رئيسية للتجديد، منها ما إذا كانت الحكومة الأميركية لا تزال ترغب في وجود الجامعة هناك، وما إذا كان وجودها يتعارض مع سياسة واشنطن الخارجية، وما إذا كان تأثير فرع قطر يتوافق مع أهداف الجامعة في نشر التعليم على النمط الغربي.
ولا يتجاوز عدد الطلاب المسجلين في "نورث ويسترن قطر" 500 طالب سنوياً، وفي العام الدراسي (2022 - 2023) كان العدد 473 طالباً وطالبة، نحو نصفهم مواطنون قطريون ومقيمون في قطر، مع طلاب آخرين من نحو 60 جنسية، وتوفر الجامعة درجتي بكالوريوس في الاتصالات والصحافة، وستة تخصصات فرعية هي الاتصالات الاستراتيجية، ودراسات الشرق الأوسط، والسينما والتصميم، والإعلام والسياسة، والذكاء الاصطناعي والإعلام، والدراسات الأفريقية.
وفي أكتوبر/تشرين الأول 2024، أنهت نورث ويسترن قطر تعاونها مع شبكة الجزيرة، والذي أبرم في 2013، بعد اتهامات إعلامية للشبكة الإخبارية القطرية بتمجيد حركة حماس، حسبما أوردت منظّمة "كامبس ريفورم"، وهي هيئة رقابية أميركية تهتم بأخبار الحرم الجامعي.

يبرز محضر الاستجواب الذي خضع له رئيس الجامعة المستقيل، واطلعت عليه "العربي الجديد"، كيف أن تهمة "معاداة السامية" باتت وسيلةً لمعاقبة من لا يخضع لتوجّهات إدارة ترامب

ولا يمكن فصل الأمر عن سياق أوسع يشمل التدقيق في إدارة الجامعات الأميركية الست العاملة تحت مظلة المدينة التعليمية في قطر، وهي إلى جانب "نورث ويسترن"، كلية الفنون بجامعة فرجينيا كومنولث، وجامعة جورج تاون، وكلية طب وايل كورنيل، وجامعة كارنيجي ميلون، وجامعة تكساس إيه آند إم. والأخيرة قرّر مجلس أمنائها في فبراير/ شباط الماضي، إغلاق حرمها الجامعي في الدوحة بعد العام الجامعي (2027-2028)، بحجّة "عدم الاستقرار المتزايد في الشرق الأوسط" بناء على تقييم في أواخر عام 2023.
وأثار الإغلاق انتقادات عدة، ودفع السفير الأميركي في قطر، حينها، تيمي ديفيس، إلى إصدار بيان أعرب فيه عن "خيبة أمله" إزاء القرار المفاجئ. في حين قالت "مؤسّسة قطر"، في بيان، إن الجامعة بدأت العمل في الدوحة في 2003، وإن قرارها "كان متأثراً بحملة تضليلٍ تهدف إلى الإضرار بمصالحها"، وأن مجلس إدارة الجامعة "لم يحاول البحث عن الحقيقة قبل اتخاذ هذا القرار".

وتواصل السلطات الأميركية فرض القيود على الجامعات التي شهدت احتجاجات ضد الحرب على غزّة. وفي مارس/ آذار الماضي، أرسلت  إدارة ترامب خطابات إلى 60 جامعة، منها نورث ويسترن ووايل كورنيل، تؤكّد أنها قد تتخذ إجراءات صارمة إذا خلصت مراجعة تقوم بها إلى أن الجامعات فشلت في كبح "معاداة السامية". وفي إبريل الماضي، جمّدت الإدارة تمويلاً بأكثر من مليار دولار لجامعة كورنيل، و790 مليون دولار لجامعة نورث ويسترن، بزعم انتهاك الحقوق المدنية من خلال السماح باحتجاجات مناهضة للحرب الإسرائيلية على غزة.
وتكرر تقارير إعلامية أميركية اتهام قطر بدعم الاحتجاجات في الجامعات. وفي وقت سابق، نفى سفير قطر لدى واشنطن، مشعل بن حمد آل ثاني، هذه الاتهامات بشدّة. ولفت بيان للسفارة القطرية في واشنطن، إلى تصريحات مديرة الاستخبارات الوطنية الأميركية السابقة، آفريل هاينز، أمام مجلس الشيوخ في 2 مايو/ أيار 2024، وتأكيدها أن قطر لم تلعب أي دور في دعم الاحتجاجات في أي حرم جامعي.

المساهمون