تزايد التسرّب المدرسي لفتيات الريف في المغرب
استمع إلى الملخص
- تسعى الحكومة لتقليص التسرّب عبر برامج مثل النقل المجاني و"مدارس الفرصة الثانية"، ومشروع "إعداديات الريادة" لتعزيز ارتباط التلاميذ بالمدارس.
- تُعتبر الحلول الحالية غير كافية، وتدعو بعض الجهات إلى سياسات شاملة تشمل تحسين البنية التحتية وتوفير الدعم المالي للأسر الفقيرة لتشجيع تعليم الفتيات.
مع بدء العام الدراسي في المغرب تسود مخاوف في الأوساط التربوية والحقوقية من ارتفاع نسبة التسرّب المدرسي في صفوف فتيات الأسر محدودة الدخل في الأرياف والمناطق النائية، التي تعاني من الهشاشة والتهميش، بالتزامن مع مغادرة نحو 280 ألف تلميذ المؤسّسات التعليمية سنوياً، من بينهم 160 ألفاً في المرحلة الإعدادية، ما يمثل مؤشراً على اتّساع رقعة التسرّب المدرسي.
وترى مديرة جمعية "التحدي للمساواة والمواطنة" (غير حكومية)، بشرى عبده، أن كلفة الدخول المدرسي تهدّد استمرارية التمدرس، وترفع نسب التسرّب، خصوصاً في الأرياف، وتؤكد لـ"العربي الجديد": "نتحدث عن دخول مدرسي تكلفته عالية، ما يدفع الأسر إلى عدم تعليم أطفالها، وتعمد كثير من الأسر إلى مواصلة تعليم الفتيان فحسب، وتزويج الفتيات أو دفعهنّ لسوق العمل". وبحسب تقرير أصدره المجلس الأعلى للتربية والتكوين (حكومي) في أكتوبر/ تشرين الأول 2024، يعتبر 10% من أرباب الأسر في القرى أن تعليم الأولاد أهم منه للبنات، في مقابل 3.5% بالوسط الحضري، وتعكس أرقام التسرّب المدرسي في الوسط القروي هذا التفضيل، إذ تبلغ النسبة في صفوف الفتيات 41.5%، في مقابل نحو 29% للفتيان.
ويفسر التقرير الميل إلى تعليم الأولاد بقدرتهم على إعالة الوالدين في وقت لاحق، في حين ينظر للفتاة على أنه مقدر لها أن تلعب دور ربة البيت، كما ينبّه إلى أنه عندما لا تمتلك الأسر الفقيرة الوسائل اللازمة لتعليم جميع أطفالها غالباً ما تعطي الأولوية للذكور، كما تميل الأسر في القرى إلى تفضيل دراسة قصيرة الأمد للفتاة".
وتقول عضوة المجلس الوطني للجامعة الوطنية لموظفي التعليم (اتحاد عمالي)، حليمة شويكة، إن تحليل خرائط التسرّب المدرسي اجتماعياً واقتصادياً، يكشف أن الأسباب المباشرة لانقطاع الفتيات القرويات تعود إلى مشاكل مرتبطة بالفقر والهشاشة التي تعاني منها أسرهنّ، وتوضح لـ"العربي الجديد"، أن "الظروف المادية للأسر لا تسمح بتوفير النقل والتغذية ولوازم الدراسة، وبسبب غياب مؤسّسات إيواء التلميذات قرب المؤسّسات التعليمة، ترتفع نسبة هدر الريفيات كثيراً في الطور الثانوي".
ويطمح الغرب منذ سنوات إلى وقف الهدر المدرسي عبر مجموعة من البرامج التي توفر النقل المجاني والطعام والمبيت للتلاميذ الذين يقطنون بعيداً عن مدارسهم، أو عبر تقديم الدعم المادي للأسر، مع مبادرة لتوزيع مليون حقيبة تضم لوازم مدرسية.
وفي إبريل/ نيسان الماضي، كشفت وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي، عن خطة لتقليص الهدر المدرسي بنسبة الثلث بحلول 2026، عن طريق استهداف نحو 80 ألف تلميذ مهدّدين بالانقطاع عن التعليم الإعدادي، وتوجيههم إلى مسارات بديلة مثل "مدارس الفرصة الثانية"، إذ يتلقون تكويناً مهنياً يؤهلهم للاندماج في سوق العمل، أو العودة لمتابعة دراستهم.
وأطلقت الوزارة عدداً من البرامج، أبرزها مشروع "إعداديات الريادة" الذي يركز على توفير الدعم البيداغوجي، وتنظيم أنشطة موازية في مجالات الموسيقى، والرياضة، والمسرح، بهدف تعزيز ارتباط التلاميذ بالمؤسّسة التعليمية، كما ترتكز الخطة على إحداث خلايا للتتبع النفسي والتربوي للأطفال المعرّضين للتسرّب، اعتماداً على البيانات الرقمية المتوفرة في منظومة "مسار"، من أجل التدخل المبكر، فضلاً عن تعزيز الجهود الحكومية في الوسط القروي من خلال برامج الدعم الاجتماعي، وتوفير النقل المدرسي والمطاعم ودور الإيواء للحدّ من الانقطاع الناتج عن الفقر أو بعد المسافة.
غير أن النقابية حليمة شويكة ترى أن "مواجهة الظاهرة لا يمكن أن تكون ناجعة بحلول قطاعية تقتصر على ما توفره وزارة التربية من نقل مدرسي، ومطاعم، وداخليات كون تأثيراتها تبقى محدودة، كما أن مدارس الفرصة الثانية، رغم مساهمتها في إنقاذ عدد من التلاميذ المنقطعين عن الدارسة، إلّا أنها لم تستطع استيعاب الأعداد الهائلة من المتسرّبين دراسياً".
وتضيف أن "المطلوب سياسات عمومية تعالج الأسباب الاقتصادية العميقة، والتي تشمل المسالك الطرقية، والنقل، والسكن اللائق، والداخليات، ومنح دراسية للمعوزين، وتشييد مدارس تستوعب الأعداد المتزايدة للتلاميذ، وغيرها من الإجراءات التي تلتقي فيها السياسات العمومية للقطاعات الوزارية من أجل حلّ جذري للتسرّب المدرسي".
من جهتها، ترى بشرى عبده أن "مواجهة الهدر المدرسي في صفوف الفتيات الريفيات يقتضي تشجيع التعليم، وفرض مجانيّته. حان الوقت كي تدرك وزارة التربية الوطنية أنّ غلاء الأدوات المدرسية هو أيضاً من أسباب التسرّب المدرسي، وعليها العمل على إنجاز قانون صارم يجبر أولياء الأمور على تعليم أطفالهم، مع ترتيب العقوبات بحق المخالفين منهم عوض الاتّكاء إلى استراتيجيات وآليات تُعلَن سنوياً، فيطبق بعضها ويجري تجاهل الباقي، إضافة إلى توفير منح دراسية للأسر الفقيرة في بداية العام الدراسي من أجل تشجيعها على تدريس الفتيات".