تغيّر المناخ يفاقم حدّة الجفاف في أوروبا

23 يوليو 2026   |  آخر تحديث: 16:21 (توقيت القدس)
من الحرائق التي اندلعت في جيروند جنوب غربي فرنسا، 22 يوليو 2026 (رويترز)
+ الخط -
اظهر الملخص
- أظهرت دراسة لشبكة "وورد ويذر أتريبيوشن" أن تغير المناخ الناتج عن النشاط البشري، خاصة استخدام الوقود الأحفوري، أدى إلى تفاقم الجفاف في أوروبا، حيث تساهم درجات الحرارة القياسية في فقدان الرطوبة.
- الغلاف الجوي الأكثر دفئًا يزيد من العجز في رطوبة الأرض، مما يرفع احتمالية الجفاف الحاد في أوروبا الغربية والشرقية، ويجعل الظواهر المدمرة مثل الجفاف والفيضانات أكثر تكرارًا.
- حرائق الغابات تجتاح جنوب أوروبا، خاصة في إيطاليا وإسبانيا وفرنسا، بسبب الرياح القوية ودرجات الحرارة المرتفعة، مما أدى إلى خسائر بشرية ومادية كبيرة.

أفاد علماء دوليون بأنّ تغيّر المناخ الناجم عن النشاط البشري، ولا سيّما استخدام الوقود الأحفوري، فاقم موجة الجفاف الحاد التي تجتاح أوروبا أخيراً، وبيّنوا أنّ درجات الحرارة القياسية هي السبب الرئيسي لهذه الأزمة وليس النقص المسجّل في المتساقطات المطرية. وفيما تضرب موجة جفاف حاد القارة العجوز، تواجه دول من فرنسا إلى رومانيا جفاف أنهر وقيوداً على استهلاك المياه بالإضافة إلى حرائق غابات مدمّرة، ولا سيّما عقب موجة حرّ تاريخية سيطرت على المنطقة ككلّ في يونيو/ حزيران الماضي، علماً أنّها كانت الثانية لهذا العام فيما تُسجَّل راهناً موجة ثالثة.

وأظهر العلماء في دراسة جديدة لشبكة "وورد ويذر أتريبيوشن"، أنّ المناخ الأكثر حرّاً في الوقت الراهن سرّع من فقدان الرطوبة في تربة أوروبا وبحيراتها وأنهارها، ما يزيد من احتمال تسجيل ظروف جفاف حاد. وأشارت الباحثة مريم زكريا من جامعة "إمبريال كوليدج لندن"، وهي من المشاركين في إعداد الدراسة، إلى أنّ أجزاء واسعة من أوروبا شهدت معدّلات هطول أمطار دون المتوسّط خلال فصل الربيع، غير أنّ الحرارة الناجمة عن تغيّر المناخ هي التي جعلت الجفاف "أكثر حدّة".

وأوضحت الباحثة في "إمبريال كوليدج لندن"، أمام صحافيين، أنّ "نتائجنا تظهر، عموماً، أنّ هذا الجفاف ليس مجرّد قصة شحّ في الأمطار بالدرجة الأولى، بل هو نتاج غلاف جوي أشدّ حرارة يتسبّب في زيادة العجز في رطوبة الأرض". أضافت زكريا: "هذا يعني أنّ مخاطر الجفاف تواصل الارتفاع حتى في المناطق التي لم تشهد تغيرات كبرى في كمية المتساقطات أو تلك التي من المتوقَّع أن تزداد فيها الأمطار موسمياً".

وأعاد العلماء ذلك إلى قدرة الغلاف الجوي الأكثر دفئاً على حبس نحو 7% إضافية من بخار المياه، مع كلّ ارتفاع في درجات الحرارة بمقدار درجة مئوية". وكانت حرارة الأرض قد ارتفعت 1,4 درجة مئوية تقريباً منذ الفترة الممتدّة بين عامَي 1850 و1900، أمّا السبب الأساسي فحرق الفحم والنفط والغاز.

وبيّن العلماء في "وورد ويذر أتريبيوشن" أنّ تغيّر المناخ يجعل الظواهر المدمّرة، مثل موجات الجفاف والفيضانات وموجات الحرّ، أكثر تكراراً وحدّة، وأنّ أوروبا هي القارة الأسرع احتراراً في العالم. وكان مرصد "كوبرنيكوس" للمناخ التابع للاتحاد الأوروبي قد أفاد في وقت سابق من هذا الشهر بأنّ يونيو/ حزيران الماضي كان أكثر أشهر يونيو حرّاً على الإطلاق في أوروبا الغربية، إذ تسبّبت موجة الحرّ الشديدة في آلاف الوفيات الإضافية.

في هذا الإطار، قال الباحث دومينيك شوماخر، الذي شارك في وضع الدراسة من المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيوريخ، أمام صحافيين، إنّ الحرّ كان شديداً لدرجة أنّ المناطق التي شهدت شتاء رطباً نسبياً جفّت كلياً بعد أشهر قليلة. وتابع: "عندما يزداد الهواء سخونة، فإنّه يمتص الرطوبة من التربة ويجفّفها. حينها، تزداد درجات الحرارة ارتفاعاً وتصير التربة أكثر جفافاً"، مشيراً إلى أنّ هذا الجفاف السريع هيّأ الأرض كذلك لاندلاع حرائق الغابات.

وفي دراسة "وورد ويذر أتريبيوشن" الأخيرة، استخدم علماء من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية والمملكة المتحدة بيانات طقس ونماذج حوسبة لمقارنة موجة جفاف في عالم اليوم الذي يشهد ارتفاعاً في درجات الحرارة بمناخ كانت الحرارة فيه أقلّ بمقدار 1,4 درجة مئوية.

ووجد هؤلاء العلماء الدوليون أنّ احتمال حدوث جفاف حاد في التربة، في الوقت الراهن، تزيد بمقدار خمس مرّات في أوروبا الغربية مقارنة بعالم خالٍ من تغيّر المناخ، وبمقدار 11 مرّة في أوروبا الشرقية. وصار احتمال تسجيل المستويات المرتفعة جدا من الطلب البخاري، وهو قدرة الغلاف الجوي على امتصاص الرطوبة من التربة والنباتات، التي شهدتها أوروبا الغربية بين إبريل/ نيسان ويونيو/ حزيران الماضيَين، أعلى بنحو 80 مرّة بسبب تغيّر المناخ.

وأوضحت زكريا: "بما أنّ الغلاف الجوي صار أكثر عطشاً للمياه في الوقت الراهن، فإنّ العجز في المتساقطات المطرية، الذي لم يكن ليسبّب جفافاً في مناخ ما قبل الثورة الصناعية ربّما، يستطيع أن يؤدّي اليوم إلى كارثة أكثر حدّة".

حرائق غابات مدمّرة تجتاح جنوبي أوروبا

وأُعلن عن دراسة "وورد ويذر أتريبيوشن" في وقت تواصل حرائق الغابات المدمّرة فيه، تلك التي تؤجّجها الرياح القوية ودرجات الحرارة المرتفعة، اجتياح مناطق عدّة في جنوب أوروبا، ولا سيّما في إيطاليا وإسبانيا وفرنسا. وأسفرت الحرائق، حتى كتابة هذا التقرير، عن مقتل ثلاثة من عناصر الإطفاء، اثنان في فرنسا وواحد في إيطاليا.

وفي جنوب غربي فرنسا، يواصل عناصر الإطفاء مكافحة حريقَين كبيرَين، أحدهما أتى على أكثر من ألفَي هكتار شمالي حوض أركاشون في جيروند، وهي منطقة سياحية شهيرة بالقرب من مدينة بوردو. وأجلت سلطات جيروند، اليوم الخميس، ما لا يقلّ عن سبعة آلاف شخص احترازياً، ليرتفع بذلك إجمالي عدد السكان والسياح الذين اضطرّوا إلى مغادرة منازلهم وأماكن إقامتهم إلى 12 ألفاً. وشمل الإجلاء ستّة مخيمات سياحية، إلى جانب مجمّع سكني مخصّص للعراة، يقع شمالي كاب فيرّيه. أمّا الحريق الآخر الذي اندلع في حقل جنوب شرقي فرنسا، أوّل من أمس الثلاثاء، فإنّه ما زال مشتعلاً في مقاطعة فار وأتى على نحو 2500 هكتار وأدّى إلى إجلاء نحو 400 شخص.

في سياق متصل، أفاد وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز، بأنّ أكثر من 12 ألفاً و500 حريق اندلعت منذ بداية العام الجاري، ووقد التهمت النيران 44 ألف هكتار من الأراضي، أي أكثر ممّا احترق في عام 2022 عندما اجتاحت حرائق هائلة جنوب غربي البلاد. وأتى كلام نونيز خلال تصريحات من مركز إطفاء في بوردو، بعد لقائه عائلتَي اثنَين من عناصر الإطفاء اللذَين قُتلا يوم الثلاثاء في أثناء مكافحة حريق بالقرب من مطار المدينة.

من جهته، أعلن وزير الداخلية الإيطالي ماتيو بيانتيدوسي مقتل أحد عناصر الإطفاء، أمس الأربعاء، خلال مكافحته نيران حريق جنوبي البلاد، إذ تأتي عشرات الحرائق على الغابات في جزيرة صقلية، فيما تؤجّجها الرياح الحارّة. وأفاد عناصر الإطفاء أنّهم أجلوا نحو مئة من السكان و22 مريضاً، أمس، من عيادة في وسط الجزيرة، مع تجاوز الحرارة 40 درجة مئوية في الأيام الأخيرة. وقال رئيس المنطقة ريناتو شيفاني، مساء أمس الأربعاء، إنّ "ستة آلاف عنصر (من حراس غابات وعناصر إطفاء وعناصر حماية مدنية) نُشروا، بالإضافة إلى 20 وسيلة جوية نشطة"، مضيفاً أنّ نحو 50 حريقا من بين 344 حريقاً جرى الإبلاغ عنها الأربعاء ما زالت مشتعلة.

كذلك رُصد أكثر من 160 حريقاً في الساعات الأربع والعشرين الماضية في كالابريا المجاورة. وقال المسؤول المحلي في جهاز الحماية المدنية، في تسجيل فيديو، إنّ عدداً كبيراً من الحرائق يعود إلى أسباب إجرامية، مشيراً إلى أنّ "أشخاصاً ذوي نيات خبيثة" ربطوا قطع قماش مبللة بسائل قابل للاشتعال بذيول قطط شاردة لإشعال حرائق.

وفي إسبانيا، اندلعت حرائق عدّة خلال الأيام الأخيرة، منها حريق بالقرب من مدينة طليطلة (توليدو) وسط البلاد، ما استدعى إجلاء عدد من سكان بلدات في المنطقة وفرض إغلاق على إحداها، وفقاً لما أعلنته أجهزة الطوارئ. وفي مؤشّر إلى سرعة انتشار الحريق، أرسلت السلطات وأجهزة الطوارئ رسالتَي تنبيه إلى كلّ الهواتف الخلوية في المنطقة لتحذير السكان. وتقع مدينة ألموروكس حيث بؤرة الحريق في منطقة كاستيّا - لا مانتشا، على بُعد نحو 70 كيلومتراً جنوب غرب مدريد.

وبفعل موجة الحرّ التي تجتاح البلاد منذ ثلاثة، راحت الحرائق تنتشر بسرعة كبيرة، ولا سيّما في مناطق تمثّل الأحراج فيها عاملاً مثالياً لامتداد ألسنة اللهب. ولعلّ أكبر حريق غابات في البلاد وقع في مقاطعة غوادالاخارا وسط إسبانيا، على بُعد نحو 100 كيلومتر إلى الشمال من العاصمة، وأتى على 32 ألف هكتار منذ يوم الخميس الماضي.

(فرانس برس، العربي الجديد)